في كل مرة، نرى تشتتًا وتباينًا شديدًا في مواقف الشعب التونسي، و شعوب المنطقة عمومًا، ما يحيلنا إلى التساؤل عن أسباب هذا التيه. ألا يوجد موقف موحد يمكن أن يجمعنا؟ أليس لنا خارطة أخلاقية تحدد أخلاقنا وقيمنا؟

على إثر المباراة الأخيرة التي جمعت المنتخب التونسي للتنس يوم 5 فبراير (شباط) 2020 في العاصمة السويدية هلسنكي، في إطار كأس «فيد» للسيدات في التنس، وخاصة بعد لقاء اللاعبة الدولية أنس جابر بالفريق «الإسرائيلي»، انقسم التونسيون بين مستنكر لذلك على اعتباره تطبيعًا مع كيان محتل لأرض عربية، وخيانة لقضية إنسانية، وبين مبرر له على اعتبار أن المنتخب لم يرتكب جريمة من وجهة نظر قانونية، بل إن انسحابه هو ما كان يمكن أن يكون مخالفة للقانون الرياضي الدولي، وهو ما قد ينجر عنه عقوبات قد تلحق «جيلًا كاملًا من اللاعبات»، حسب ما ورد في مراسلة رئيسة جامعة التنس لوزارة الشباب والرياضة، كما لا ننسى أن جزءًا مهمًّا من التونسيين يرون ذلك شأنًا يهم اللاعبات وحدهن دون سواهن.

في اليوم الموالي، حضرت نفس الردود والتفاعلات مع حفلة اختتام مهرجان الأغنية العربية الملتزمة بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، التي أحيتها لأول مرة فنانة «اليوتيوب»، كما يحلو للبعض تسميتها، السورية فايا يونان. ظهرت الانقسامات نفسها والاختلافات على مواقع التواصل الاجتماعي بين مستحسن لاستدعائها نظرًا إلى عذوبة هذه الفنانة صوتًا ومظهرًا، وبين مستنكر ومندد نظرًا إلى الدعاية التي تقوم بها الأخيرة في كل حضور إعلامي لها لفائدة نظام بشار الأسد.

بعيدًا عن ماهية هذه التباينات وفحواها، فإن هذا الأمر يتجدد مع كل حدث مشابه، فينقسم الجمهور بين مبارك ومندد، وآخر لا مبال، في غياب تام لأساسيات أخلاقية واضحة يستطيع من خلالها المواطن تقييم الأحداث وتصنيفها بدون هذا التباين الكبير في الآراء والمواقف، وهو ما يحيلنا إلى التساؤل عن أسباب ذلك ومسبباته.

الاختلاف ظاهرة صحية هو أمر لا شك فيه، ولكن إن اشتد كما نرى في كل مرة، فهذا يعني وجود خلل في منظومة الأخلاق والقيم لدى المواطن التونسي خاصة، والعربي عامة. فبالنسبة للموافقين أو المباركين لمثل الحدثين السابقين، فيمكن تفسير ذلك، من وجهة نظر فلسفية، بتغليبهم للجانب البارغماتي أو النفعي، فحسب جيريمي بينتهام (يعد أبا البراغماتية أو النفعية الحديثة)، فإن تقييم كل حدث يكون حسب نفعيته، فمثلًا فوز أنس جابر في المقابلة الرياضية، يبرر لعبها مع اللاعبة «الإسرائيلية»، إذ إن ذلك وإن لم يكن له منفعة مباشرة، فإنه منفعة جماعية معنوية للبلاد ككل.

أما الفئة المنددة والساخطة في مثل هذه المناسبات، فترتكز أساسًا على إحساسها بالمسؤولية تجاه الآخر، الفلسطينيون والسوريون في هاتين الحالتين، انطلاقًا من شعور عميق ومسؤول بالقضايا الإنسانية، على مبدأ أن لا كينونة لهم، حسب فيلسوف الغيرية إيمانويل ليفانس، إلا من خلال إحساسهم بالمسؤولية تجاه الآخر والإحساس به.

أما السواد الأعظم، حسب رأيي، وهو عموم الشعب اللامبالي، فيمكن فهم موقفهم من خلال الفلسفة الإغريقية الهلنستية أو الرواقية إن صح التعبير، والتي تقوم على علاقة الشخص مع محيطه، تتلخص في أحداث يمكن له التحكم أو التدخل فيها؛ فهي أحداث تهمه، وأحداث خارجة عن نطاق سيطرته، فلا يبالي بها. ولكن هل يمكن أن يكون مرد ذلك اجتماعيًّا تاريخيًّا بالأساس كما سنرى في الفقرة الموالية؟

إن اعتبار تونس الحديثة ممتدة من العهد الحسيني إلى أيامنا هذه، يسهل فهم العقلية الشعبية السائدة في ما يخص القدوة أو المثال.

في البداية، إن البايات الحسينيين ومن قبلهم الحفصيين والمراديين، كانوا كلهم أجانب في نظر عامة الشعب حينها، فهم إما أتراك وإما مماليك، فأسروا لهم البغض لشدة بطش جندهم، وأظهروا الطاعة اتقاءً لشرهم، زد على ذلك ما انتشر من روايات عن انحلال أخلاقهم، مع استثناء من روي عنه استقامة سلوكه، وعن الدسائس والمؤامرات التي تحاك في القصبة آنذاك، مما أدى لضرب صورة القائد في الوجدان الشعبي، ذلك الذي غالبًا ما يؤم الناس في صلاة الجمعة، فتشكلت صورة لإنسان منافق يوظف الدين ليسند شرعيته، وهو ما أدى، إضافة إلى كونه أجنبيًّا محتلًّا ومفروضًا على الشعب، إلى فقدان مصداقية الحاكم وعدم الثقة فيما يبديه، زيادة على انصياع البايات للمستعمر الفرنسي لاحقًا، وإحساس الأهالي بالغدر زمن الاستعمار. وأدى ذلك إلى ضرب المنظومة الأخلاقية في الماضي البعيد.

أما في الماضي القريب، فإن اختزال الرئيس بورقيبة لكل البطولة والقيم في شخصه، ليظهر بصورة المخلِّص الأوحد والوحيد، وإن أجدى ذلك نفعًا لوهلة من الزمن، ثم انهيار هذه الشخصية لاحقًا وانتشار بعض الأفكار والروايات والشهادات عن تواطئه مع الاستعمار الفرنسي لخلق استقلال مزعوم وبسط سيطرته على البلاد بعد ذلك، أنتج شعورًا بعدم الثقة والشك بعد هذا الانهيار، وهو ما يعد كذلك انهيارًا للمثال أو القدوة داخل المجتمع. ناهيك عن سياسة اللاموقف التي جسدتها الدبلوماسية التونسية، والتي أورثت لجزء من الشعب انفصالًا عن الجسم المحيط به، سواء كان عربيًّا، أفريقيًّا أو إسلاميًّا. كما يمكن أن يفسر تذبذب الكود الأخلاقي في المجتمع بغياب أي مفهوم مشترك لقيم وأخلاق مرتبطة بأحداث وقضايا معاصرة.

في النهاية، إن فترات الحكم المذكورة، أدت إلى قطيعة بين الشعب وحكامه، فأصبحت لدينا ثنائية قائمة على هم ونحن، فكان الشعب من أوله مقسمًا بين المحابين، ومتملقين، أو مقاطعين ولا مبالين، وهو ما تتسم به الكثير من العلاقات الثنائية المجتمعية سواء كانت مهنية، بين رب العمل والعامل، أو حتى تربويًّا في علاقة التلميذ بمعلمه، بل حتى علاقة الأب والابن وصراع الأجيال.

يمكن أن يفسر هذا المزيج من القيم والأخلاق والسلوكيات بأسباب اقتصادية طبقية أيضًا، فقد تكونت الأخلاق والعقول بحسب محيطها الاجتماعي والاقتصادي، كما يمكن أن يُعزى هذا التباين إلى انفتاح تونس على واجهات ثقافية عديدة؛ نظرًا إلى موقعها الجغرافي.

كما أن غياب موقف تونسي سياسي واضح في علاقتنا ببعض القضايا الإقليمية والدولية، ترك هامشًا للتخبط بين عدة مواقف وآراء لدى جل أطياف المجتمع، وهو أيضًا ما يفتح الباب لدراسات اجتماعية فلسفية عميقة على أمل تحديد خارطة أخلاقية واضحة مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد