في المناقشات والمناظرات بين المؤمن والملحد تثار قضية مهمة وهي الأخلاق، وتطرح بعض الأسئلة مثل، هل الأخلاق أمر فطري أم صناعة بشرية؟ هل نحن بحاجة إلى الأخلاق؟ وما إمكانية تأسيس قيم أخلاقية، وما المرجعية الأخلاقية التي نعتمد عليها في اعتبار أن هذا السلوك أخلاقي أو غير أخلاقي.

يعتبر المؤمنون أن الأخلاق تنبع من الدين التي تأتي من مصدر خالق أو الإله، وفي حالة إنكار وجود الخالق هو بالتالي إنكار لوجود الأخلاق وأي مرجعية أخلاقية لتنظيم السلوك عليها. في المقابل يقول الملحدون أن الله ليس ضرورة ليكون مرجعية للأخلاق، فالإنسان يستطيع أن يضع قواعد ومعايير للعدالة والخير تكون بمثابة أخلاق أو ميثاق بين الناس. فما هي الأخلاق؟ وكيف نبني منظومة أخلاق بعيدًا عن الإله؟

العلم الأخلاقي والعلم التجريبي

ترى الباحثة كريمة دوس أن الأخلاق علم يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني ولا يهتم بما عليه السلوك في الوقت الراهن(1)، أي أن الأخلاق قيم مجردة لا ترى العالم الحالي ولا تعترف به لكنها تتطلع إلى الأفضل، والكمال، والأحسن.
ولهذا يتعارض علم الأخلاق مع العلم التجريبي المادي الذي يهتم بتفسير الظواهر الواقعية في الوقت الحالي ولا يهتم بالأمور ما وراء المادة أو الطبيعة، فقد فشل العلم التجريبي في تأسيس منظومة أخلاقية موضوعية للسلوك الإنساني.

ومعايير الأخلاق واحد من اثنين، إما الرؤية أو وجهة النظر الذاتية لشخص أو مجموعة من الأفراد غير الموضوعية، وإما الرؤية الموضوعية التي تقوم على قواعد وأسس صلبة للأخلاق يمكن الرجوع إليها في حالة اختلاف وجهات النظر.

ولذلك نجد اختلاف في معايير الأخلاق بين الملحدين لأنهم يقيمون المعايير النسبية الذاتية غير الموضوعية وغير المطلقة، وتفتقر إلى مرجعية ثابتة يمكن الرجوع لها في حالة تعارض وجهات النظر حول الأخلاق، بمعنى أن الأحكام على السلوك تتباين من وجهات النظر، والمجتمعات تختلف قواعدها الأخلاقية نتيجة اختلاف الثقافة والتاريخ والأيدولوجيا.

اللامعيارية

ويقول الفيلسوف الملحد سارتر:

 يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألا يكون الله موجودًا، لأنه بعدم وجوده تنعدم كل إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح(2)

وهذا اعتراف شديد على أن الإلحاد لامعياري وأن الأخلاق أمر نسبي وليس مطلق، فهو أمر غير واضح، ولذلك نجد أن مشاهير العصر من الملحدين يرفضون وصف أي قيمة مطلقة للبشر، فلا يوجد خير ولا يوجد شر بالنسبة لهم فكل هذه الصفات مطلقة.
يقول الفيلسوف الروسي دوستوفسكي:

إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح(3)

 في إشارة منه على أن الأخلاق ليست إلا صناعة بشرية كالأديان، فهي في عقل الإنسان فقط، هي ترتبط بوجود إله، وإذا لم يكن، فليس هناك أخلاق.

محاولات الترقيع والتبرير

أدرك كبار الفلاسفة الملحدين أنه لا يوجد أي ارتباط بين الأخلاق والتصور المادي الذي يصدقون به، فقد عبر توماس نيجل في كتاب (العقل والكون) أن ثلاثة عناصر يعجز العلم المادي من تفسيره لأنه لا يخضع له، والعناصر هم الإدراك، الوعي، والأخلاق، وذلك بسبب أن تلك العناصر ميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) والإلحاد يقوم على تصديق كل ما يخضع للرصد أو المشاهدة والتفسير(4).

ولذلك لجأ مناصرو الإلحاد للرد على المؤمنين بقضية الأخلاق، وبحثوا وابتكروا عدة تأصيلات مرجعية للأخلاق يضعونها في إطار لا تحتاج فيها لخالق او إله، ومن أشهر الترقيعات أن مذهب الفيلسوف الملحد سام هاريس القريب لمذهب المنفعة وذلك تحت عنوان كيف يمكن للعلم أن يحدد القيم الإنسانية في كتابه (المشهد الأخلاقي) (5)، والذي يحاول فيه تبرير الأخلاق بما يحقق للبشرية السعادة والرفاهية والرخاء، لكن هذا المذهب قريب جدًا لمذهب المنفعة المطاط وهو لا يصلح لأن يكون مرجعية مطلقة للأخلاق، لأن بكل بساطة السعادة والرفاهية تختلف من شخص لشخص وهي ليست مطلقة، بل هي نسبية، فما يراه المرء سعادة قد يكون للآخر شقاء، مذهب هاريس ما هو إلا ترقيعة  وهراء.
واتجه الملحدون للترقيع مرة أخرى وهو عن طريق إزاحة التصور القديم الذي يقوم على أن الإنسان هو مركز الكون وأنه السيد فيه، واعتبار الإنسان كسائر الحيوانات في الكون، وبالتالي لا حاجة للأخلاق في شيء فنحن حيوانات تحركها الشهوات فقط والغرائز البيئية، كسائر الحيوانات.

أخلاق الملحدين

لا يوجد قاعدة أساسية أو مرجعية ثابتة مطلقة عند الملحدين، وبالتالي فالملحدون تختلف أخلاقهم باختلاف وجهات النظر لذلك لا يمكن أن تخضع للتقييم مطلق، ولكن للأغلبية تمرد تام على مفهوم الأخلاق أصلًا لأنه يعتبر شيئًا متغيرًا ونسبيًا كشرب القهوة، فهو أمر نسبي وربما متغير.

-فنجد أن عظماء الإلحاد في عصرنا الحالي، يضربوا الأخلاق بعرض الحائط ويتعارضون مع بعضهم البعض فمنهم من يرى بصحة زنا المحارم.(6)
-ويصرح البعض في تغريدة على موقع «تويتر» بأن الإجهاض فعل أخلاقي ومشروع طالما ليس هناك ألم، وبرر ذلك قائلًا:

 لأن الجنين في بطن أمه هو أقل إنسانية من أي خنزير بالغ(7)

-والبعض يرى أن ممارسة البشر للجنس مع الحيوانات والبهائم أمر مقبول طالما لا تتضمن أذية من أي نوع للحيوان هو أمر طبيعي. (8)

لكن كل هذا لا يعني أن كل الملحدين لا أخلاقيين، بل يوجد ملاحدة أخلاقيون، فكما نوهنا مسبقًا أن الأمر نسبي بينهم، فمنهم من يتصرف بخلق، ويمكنهم الحكم على التصرفات بالأخلاقية أو لا أخلاقية، لكنهم لا يستطيعون توفير قاعدة موضوعية لأحكامهم الأخلاقية، بمعنى أكثر وضوحًا لا يمكنهم تبرير أفعالهم الأخلاقية.


(1) كريمة دوز، الأخلاق بين الأديان السماوية والفلسفة الغربية، ص37
(2) Jean Paul Sartre Basic writing, P32
(If God does not exist, is everything permitted(3
(Thomas Nagel, Mind and Cosmos(4
(5)SamHarris: TheEndOfFaith, P50-P53
(6) Incent is not wrong
(7)Richard Dwakins Tweet
(8) Atheist Peter Singer

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد