في عصر تسوده المادية وتضمر فيه الروح، ويزداد النهم الاستهلاكي والشره حول الجسد ومتطلباته، ناهيك عن تلك الحالة من السيولة والتفكك؛ مما جعل عصرنا الراهن تسيطر عليه هواجس القلق واللاعقلانية. كل ذلك يجعل الفرد غير قادر على التأثير في محيطه الإجتماعي ويتحول من إنسان فاعل إلى إنسان منفعل؛ تدور حياته حول إشباع الحاجات المادية وتحقيق الذات بأى شكل فحسب.

يتسم ذلك العصر بحالة من النسبية الأخلاقية، فلا يوجد أي ثوابت أو مطلقات داعية إلى حياة بلا مبادئ وقيم سامية! وغياب تلك القيم يعني غياب المعيار؛ مما يجعل كل شيء مقبولا مهما كان شاذا! وكل ذلك ينعكس على العلاقات كافة، والتي ستشهد عدم استقرار فى الحياة الزوجية، مع تزايد سريع لمعدلات الطلاق، فضلا عن غياب الانتماء للأسرة، والتي تجعل الفرد عليه عبء تشكيل هويته الذاتية التي تلائمه وتتوافق مع مصلحته.

وتتحول العلاقات جميعها إلى علاقات تعاقدية قائمة على مبدأ المنفعة والاستغلال الذي يتم شرعنته ليصبح حلالا! في غياب شبه تام للتراحم والتعايش والتعارف بين الناس.

تلك الحالة تترجم نفسها بحيرة وقلق وجودس يتساءل فيه الإنسان عن حقيقة دوره في هذه الحياة مؤكدا أنه (مافيش حد بقى فاهم حاجة) و(لست أدرى أين الصواب من الخطأ)، (وما الهدف من وجودنا أصلا؟) (وما الجدوى من فعل أي شيء).

إن الأخلاق لها وجهان: وجه نظري مثالي، ووجه آخر عملي واقعي. تنطلق الأولى مما ينبغى أن يكون، أما الثانية فتنبثق مما هو كائن، ويبقى فن المزج بينهما هو ما يكفل للإنسان حياة متزنة نفسيا، وفي حالة فشل الإنسان التوفيق بينهما تعرضت الأخلاق لإشكاليتين:

الإشكال الأول هو الجمود الأخلاقي، وذلك عندما تصبح الأخلاق مجرد مثالية ابتدعوها منفصلة عن الواقع، فتتحول إلى مبادئ نظرية لا نرى لها أثرا في حياتنا وتعاملتنا اليومية، وذلك أمر متوقع، فالإنسان لا يكون متدينا، بل يصبح متدينا؛ لأن الدين ليس مجرد هوية ساكنة، بل هو فعل وتغيير، وتجديد متواصل للإيمان كل يوم، بل كل لحظة!

وأما تحويل الدين إلى مجرد هوية ساكنة لا اجتهاد فيها، ولا جهاد، فإنه وبالرغم من أنه يحافظ عليه، لكنه في الوقت نفسه يعزله تماما عن الواقع ليصبح مجرد أساطير أو أفيون للشعوب! مجرد صورة نعرضها لأنفسنا على مواقع الاتصال الاجتماعي، مجرد ورقة من أوراق الجنة نداري بها سوءاتنا (انظر مقالنا: ورق الجنة).

إن الجمود يعني أن تتحول الأخلاق إلى كهنوت يسعى لتسوية الناس جميعا، وتحميل النفوس شعورًا بالذنب لمجرد أنها على طبيعتها وفطرتها التي خلقها الله، والتي فيها من التقوى مثلما فيها من الفجور، تلك الدراما الحية، وتحويلها لمجرد طوبيا يتحول فيها الإنسان إلى ما يشبه خلايا النحل، وأسراب الجراد، وكثبان النمل في مسعى للوصول إلى كائنات مثالية كاملة لا تُخطئ ولا عيب فيها، تلك الحالة من الأبيض والأسود التي تستبعد أي صراع داخلي! رغبةً في تحقيق حلم الفردوس الأرضي!

أما على الجانب الآخر، فإن الإشكالية الأخرى هي النفاق الأخلاقي، وذلك عندما تتمحور حياة الإنسان حول الأخلاق العملية وما هو كائن، ويصبح أقصى أمانيه أن يشرعن الواقع كما هو، وأن يضفي عليه مسحة أخلاقية – بالرغم من لا أخلاقيته – فيسقط في اختزال القيم الأخلاقية بما يحقق المنفعة، ويضع قوانين حسابية ثابتة، ومعادلات رياضية جاهزة الاستخدام، وبالطبع فإنها جميعا تمتاز بازدواجية المعايير؛ لأن المعيار الوحيد الذي أصبح مقبولا هو تحقيق الربح والنجاح في الواقع! ومن هنا يصبح الاستغلال (حلالا)، ويصبح الحرام (ما كل الناس بتعمل كده!)

فبين شعور بالذنب يؤرق الإنسان ويعطل قدراته، وبين استباحة لكل شيء، يقع الإنسان فريسة إفراط أو تفريط؛ فما العمل إذا؟

أول شيء لابد على المؤمنين أن يعوا جيدا ضرورة انتقال مركز الثقل الأخلاقي ليصبح الدار الآخرة، وليس الدنيا، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ).

فالابتغاء الأول والأساسي يكون للدار الآخرة؛ للدرجة التى يُذكِر القرآن فيها المؤمن ألا ينسي نصيبه من الدنيا!؛ لأن الإسلام ليس دينا مجردا أو شطحات صوفية، وليس العكس كما هو حالنا الآن، فقد أصبحت الدنيا لها الأولوية، ولعلنا من وقت لآخر نذكر أنفسنا بالآخرة! ولكن هناك معيارا لذلك النصيب من الدنيا، وهو الإحسان كما أحسن الله إلى الإنسان، وما هو الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك) [حديث شريف].

أما المسألة الأخرى فهى ضرورة التعامل مع الأخلاق بحسبها في حالة حركة دائمة والنفس – كل نفس – فيها فجورها وفيها تقواها، لأن الحياة كالمطر تهبط من السماء وتعود إليها وهكذا فلا تتوقف ولا تتجمد، والإنسان ينضج أخلاقيا فيولد الإنسان نقيا، ولكنه لا يموت كذلك، إنما هو في حالة خسران مستمرة (إنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) وكدح في الوقت نفسه (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).

فهناك الحد الأدنى وهو حدود الحلال والحرام (اتقوا الله حق تقاته)، وتلك يدور حلالها حول أركان الإسلام الخمسة وحرامها تجنب الكبائر فحسب، ولا ينبغى الاستزادة منها، فقد يبالغ البعض فى الكبائر ليوصلها الى ما يتعدى السبعين كبيرة! فنجعل الناس فى حرج من دينهم خلافاً لمراد الله (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا).

فمهم أن نفرق بين الكبائر، وهي الذنوب التي أقرت الشريعة لها حدودا كالزنا والسرقة والقتل وما شابه.. إلخ، والصغائر وهي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأخيرا اللمم، وهو ما دون ذلك جميعًا.

أما الحد الأعلى فهو حد الورع، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وتلك يجتهد فيها الناس كلُّ بحسب استطاعته وقدراته قربة إلى الله، وهو جهد فردي لا يجوز تعميمه على كافة الناس، كما لا يصح أن يصبح الإلتزام فيها كوسام استحقاق نتعالى به على الناس، وتلك نزعة طينية فى النفس البشرية تحوِل الأخلاق لسلاح تمايز بين الناس (فأنا كريم) و(أنت لئيم) في حين أن السمو الأخلاقي الحقيقي يتجاوز طلب التكريم الدنيوي؛ لأنه مكرم عند الله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وينبغي أن تكون تلك الحدود العليا لشحذ الهمة، وليس لإحباط النفوس، فالخطيئة التى نرتكبها، إما أن تدفعنا للشعور بالذنب أو الإحساس بالخطأ، في الأولى نتقاعس ونيأس من روح الله، ويتملكنا شعور بالدونية وعدم الاستحقاق مما يفضي إلى السلبية والانهزامية، وتلك الرغبة المرضية لتسكين الألم وتبرير الفشل وتحويله إلى متعة روحية! أما الثانية فإنه يجعل الإنسان ينيب إلى الله ويستغفر ويتوب ويعود مصلحا ما أخطأ فيه معاهدا على عدم الرجوع إليه. والحق هو ما يلتزم به المرء، ويكون متأهبا للمخاطرة في سبيله. فإن شئت أن تعرف معيار الحق عند إنسان، فعليك بملاحظة ما إذا كان يحياه دون تحفظ ويلتزم كل نتائجه.

أما ما بينهما فهو مجال رحب يتراوح بين المستحب والمباح والمكروه، مجال يراعى عموم البلوى، وتغيرات العصر، والضعف البشري (لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسا إِلاَّ وُسْعَهَا).

فالوجود في العالم يتطلب التجربة ولا توجد تجربة دون أخطاء، والخطأ خصيصة إنسانية، وأولئك الراغبون فيها فردوسا أرضيا ويعتقدون الإنسان ملاكا ينتهي بهم الحال إلى الجمود الأخلاقي أو النفاق الأخلاقي أو كليهما؛ فنرى مجتمعا متدينا بطبعه ظاهريا في الوقت الذي يرتكب فيه كل الموبقات فعليا! (انظر مقالنا: فهل نحن منافقون؟)

فأن تخطئ وتندم وتتوب وتستغفر هو أن تكون إنسانا (فو الذى نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) [رواه مسلم عن ابو هريرة].

إن الأخلاق الحقيقية تنشأ من تقويم النفس، والتي تتحمل مسؤليتها، ولابد وأن يتم ذلك في مناخ من الحرية، أما الأخلاق الزائفة (العادات والتقاليد والأعراف) فهي تسلط المجتمع، والتي تتحمل المسؤولية بالنيابة عن النفس في مناخ استبدادى معنويا أو ماديا.

تلك الرؤية الجديدة إما قد تؤدي إلى (تطور ونضج أخلاقي) أو إلى (انحلال أخلاقي)، وهي مجازفة لابد منها إن شئنا ألا نسقط في (الجمود الأخلاقي) أو (النفاق الأخلاقي، إن شئنا أن تكون الأخلاق ذات فاعلية حقيقية في حياتنا.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد