وفجأة أصبح العالم بأسره قرية صغيرة يتجول فيه المرء بمجرد انخراطه في عالم وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة، التي قربت البعيد وبعدت القريب، لما تعرفه من سلب للعقول وانغلاق تام عن من حولنا، حيث حطمت أدبيات التواصل وزرعت الوحدة والانطوائية دون الشعور بذلك، وفتحت بابًا آخر غير مغلق يحمل في طيه عادات وأخلاق دنيئة، كسرت به بنية منظومة القيم، فالكثير من الأسر اليوم تعاني في صمت من هذا الداء الفتاك الذي سلب من الحياة قيمتها، ووجه إلينا تهمة الإهمال للآخرين، بذريعة أننا نتواصل عبر هذه الوسائل. فالطفل ما عاد يبحث عن أمه لتلعب معه، بل يحتاج فقط إلى هاتفها ليظل عاكفًا عليه حتى ينام، والتلميذ ما عاد يحتاج إلى نصائح معلمه ولا والديه، بل يريد أن يتمتع بالحرية المطلقة وأن يكون سيد نفسه، دون تدخل أي آخر في قراراته، وهذا يولد لديه نفورًا من الآخرين والتوجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتفريغ تلك الأحاسيس والمشاعر فيها عبر تدوينات حاقدة بلغة دنيئة.

مست هذه الوسائل الحديثة مجموعة من القيم التي تبني المجتمع وترتقي به، فالأخلاق باعتبارها قيمًا تتصدر الضروريات التي يجب أن تكون جسم أي مجتمع، لتصبح في الوقت الراهن تعيش لحظة اضمحلال حقيقي، لما يسود في المجتمعات من قيم أخرى متدنية من قبيل السب والشتم وكذا التعنيف والضرب، بل وصل الأمر إلى تفشي ظواهر أخرى كالتحرش واستعمال الكلام النابي باعتباره وسيلة لإبراز مظاهر التحضر، دون النظر إلى العواقب التي قد يحدثها هذا السلوك غير المقبول. فالأعراف توجه السلوك الإنساني إلى ما هو أفضل، فقد كانت المجتمعات تعيش في حالة طبيعية تتخللها قيم وسلوكات سليمة مقبولة وتؤطرها عادات وتقاليد بناءة ومتجدرة يتشبت بها كل فرد أينما حل وارتحل، لتأتي هذه الموجة الجديدة بسلوكات أخرى تنفي معظم السلوكات السائدة في الماضي، وتبني لدى الناشئة سلوكات خاصة بها وغير مقبولة عند الكبار، لينشق المجتمع وينقسم إلى قسمين، قسم ملتزم ومحافظ يعترف بالعادات ويتبناها في حياته ويرسخها في خلفه ومحيطه، أما القسم الثاني فهو الذي انخرط في العشوائية الأخلاقية واستسلم لأمر الواقع، دون مقاومة أو رفض، ليوجه إرادته لما تقتضيه الظروف والحياة والدخول في دوامة الانحطاط الأخلاقي مبررًا ذلك بأنها الحرية الشخصية أو حقه في التعبير.

لقد أصبحت وسائل الإعلام والتواصل تؤثر بنسبة كبيرة في حياة كل فرد، حيث يصعب على أي شخص أن ينفصل عن هاتفه أو يتخلى عنه،لأنه اعتاد عليه دون انقطاع أو تردد، فهناك الكثير من الحالات التي تزور الأطباء لأنهم أصبحوا مدمنين على هذه الوسائل وكذا بعض المواقع مثل الفيسبوك والواتس آب. لكن رغم كل هذه السلبيات التي ذكرناها  والتي لها آثار كبيرة في حياتنا اليومية، هناك وجه إيجابي مشرق يغطي لنا بعض هذه السلبيات في حياتنا، فلولا وجود التكنولوجية وهذه الوسائل سيكون للعالم طعم آخر يختلف حسب ذوق كل واحد منا، فهذه الوسائل كما قلت في البداية استطاعت أن تصغر العالم وتجمعه في جهاز صغير تتحكم فيه بمجرد الضغط على زر واحد، ليكون بإمكان كل واحد منا التحرك ومعرفة كل ما يدور ويجول في كل بقاع العالم، كما أنها فتحت لنا نوافذ العلوم والمعارف ولخصت لنا الزمان والمكان لتبني لدينا تصورات ومعتقدات مختلفة.

إن هذه الأزمة تحتاج إلى خطة واستراتيجية فعالة تعمل على ضبط السلوكيات اليومية للفرد بدء بالأطفال الصغار، وذلك من خلال تعديل المناهج والمنظومات العلمية وجعلها تعالج الإشكالات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع في زمن التكنولوجيا والعولمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد