الشباب وتجديد منهجية الخطاب (4)

في إطار معالجة الخطاب الديني الإصلاحي الموجه للشباب عرضنا في مقالة سابقة منهجية جديدة من أُسسها: دراسة المسائل الحضارية الكبرى من داخلها، ووضعها في ميزان الإنسانية المشترك، وإظهار زيف الهالة القدسية التي أضيفت على بعض الأفكار والمناهج. أما المواضيع الجديرة بالدراسة في هذا الصدد نوعان: الأول – ركيزة الإغراء وعامل الجذب، وهو الرايات التي تُنصب كعلامات على تفوق المذهب الحداثي وتفرده، وفي الواقع هو الشِراك الذي يُرمى لاصطياد الغرّ من الشباب وأحداث المفكرين، والغالب إساءة فهمه بسبب النظرة الجزئية المنقوصة. أما النوع الثاني فهو الجانب المظلم، وهو أشبه بالعشوائيات الفقيرة، التي تنمو على أطراف المدن الكبيرة، وهي التي تكشف عوار التقدم المدني وزيف الأضواء في الجانب المشرق من المدينة؛ ولا ينفع دراسة أي نموذج إلا بالتطرق لكليهما معًا. والأخلاق في عالم الحداثة من النوع الثاني. فما قصتها في ذلك العالم؟

إن الحرية هي شرط المتعة، والعلم أساس القوة، أما الأخلاق وجدت لتمنع كل منهما من الطغيان. لذلك فالأخلاق عامة لا تشكل عامل جذب عند الشباب بقدر العلم والحرية، بل قد يغيب عنهم آثار ضعفها أو غيابها، وهم لا ينتبهون إلى التبعات الكارثية لذلك.

مصدر الأخلاق

إن الأخلاق في عالم الحداثة هي الحلقة الأضعف، والحلقة التي تربطها بسلسة القيم الحداثية مفقودة؛ وإن من أعظم الإشكاليات فيه هي تأصيل الأخلاق وتحديد مصدرها، فبعض الصور الأخلاقية العملية مثل: احترام الكبير ورحمة الصغير وحب الجار والكرم والتضحية هي خسائر مادية، وليس هناك ما يبررها من المنظور النفعي والمصلحي. كما أنه ليس هناك حجج وبراهين عقلية لإقناع الإنسان بالامتناع عن أي عمل لا أخلاقي مثل: إبادة شعب ضعيف والاستيلاء على خيراته، أو الإساءة إلى كبير في السن وسوء معاملته، أو الغش والخداع، أو الخيانة.

ولهذا لا نجد للأخلاق مصدرًا سوى الدين، وهي صورته العملية التي تظهر في سلوك الإنسان، أما الأخلاق «العقلية» فليست سوى صورة عن المصلحة، تلبس ثوب الأخلاق والفضيلة (نتعرض لها لاحقًا). وعليه فإن الأخلاق حجة في وجه منكري الأديان، تمامًا مثل الحرية والفن والجمال، فهذه ليس لها مبرر وظيفي، أو تفسير علمي استنادًا إلى النظرة المادية.

السياق التاريخي

لقد ظل الإنسان منذ بداية التحضر الإنساني إلى بدايات عصر النهضة يشكل المحور الرئيسي في الفكر الإنساني، ومركز الكون ونقطة الإنطلاق. ومع بداية الاكتشافات العلمية الحديثة، بدأ يعلو صوت الشك في قدرة حواس الإنسان وكفاءتها على إدراك حقائق للأشياء، ثم انتقل الشك إلى العقل، إذ هو أيضًا عرضة للأوهام والخيالات، وقد صرح بعض العلماء مثل غاليليو بضرورة الاعتماد على التجربة والبرهان الرياضي لفهم طبيعة الأشياء، إذ الكون كُتب بلغة الرياضيات كما يقول، وهذه وحدها تضمن الموضوعية، وعدم تحوير الحقائق. وهنا استقر المنهج التجريبي، وتسربت مبادئه إلى سائر العلوم مثل: علم النفس والاجتماع والأحياء وغيرها، وبهذا أُلغي الجانب الروحي للإنسان، إذ لا يمكن إقامة البرهان عليه، وهكذا ذاب الإنسان في الطبيعة، وأصبح يُنظر إليه على أنه شيء مادي من الأشياء، ولا يخضع إلا للنواميس التي تحكمها؛ وبهذا أيضًا هُمش الإله والدين، باعتبار أنه ليس لهما علاقة بالعالم المحسوس اليقيني.

ولقد كان الدين هو العقبة الأساسية في وجه سيطرة النظرة المادية هذه، حيث يرفض اختزال الإنسان في مادة، فأُقصي عن الحياة. ولما كانت المسؤولية الأخلاقية ما زالت تكبح الإنسان من إطلاق العنان للبواعث المادية الشهوانية، وتحرمه من التمتع بخيالات الأهواء المبتكرة، وتحاول أن تلجمه عن التقوقع على ذاته، وعبادة أهوائه، وتدفعه إلى مشاركة الجماعة والتفاعل معها، وممارسة إنسانيته الإجتماعية، كان لا بد عن إسقاطها أيضًا.

وقد اعتبر نيتشة بنظرته الثاقبة الأخلاق بقايا الأديان فدعا إلى تحييدها، ووضع تصورًا للإنسان الخارق (Superman) الذي لا يعرف الرحمة أو التعاطف، ولايحترم إلا القوة. وهكذا وصلنا في النهاية إلى عصر السيولة أو ما بعد الحداثة، حيث اختفت المرجعيات في حياة الانسان، فلا ثوابت ولا مطْلقات ولا محرمات، وبدل المركز الواحد أصبحنا نعيش في عصر المراكز المتعددة، حيث نجد اللذة والمنفعة على مستوى الأفراد (بنتام)، والمصلحة والقوة في السياسة (ميكافيلي ونيتشة)، والجنس في علم النفس (فرويد)، والصراع من أجل البقاء في علم الأحياء (داروين)، والمرأة مركز الكون عند الحركة النسوية، وهذه المرحلة سماها عالم الاجتماع البارز «زيغمونت باومن» الحداثة السائلة والأخلاق السائلة، حيث تذوب الحدود بين الأخلاقي والاأخلاقي. والمشترك في كل هذا أن كل شيء مباح، وسيطرت الحكمة التالية: افعل ما يحلو لك مادمت مقتنعا، وما دمت لا تؤذي غيرك (ولو كان في ذلك فناء الإنسانية جمعاء على المدى البعيد).

طبيعة الأخلاق

الأخلاق تسير عادة ضد الطبيعة الأصلية للإنسان، فالإنسان جُبل على حب الذات والأنانية والفردانية وحب المال والسلطة، بينما الأخلاق تحث على إنكار الذات والإيثار والتضحية ومشاركة الجماعة والصدقة والشورى وغيرها من محاسن السلوك. أما الفطرة السليمة لدى الإنسان تتجلى في حبه لمكارم الأخلاق وإجلال المكتسين رداءها، ولا يعني هذا سهولة التطبيق العملي، وعدم وجود وساوس النفس وإملاءاتها.

ثنائية المسؤولية والمصلحة

رأيت أن أعرض لثنائية «المسؤولية والمصلحة» بدل التوسع في عرض مظاهر الانحرافات الأخلاقية الكثيرة والمتشعبة، فهذه الثنائية تشكل نموذجًا تفسيريًا يمكن عرض أمثلة الواقع عليه، وتفسيرها به.

إن تحمل المسؤولية الأخلاقية (أو الأمانة) هي الضمان لقيام النظام الأخلاقي ولاستمراريته، واللذة (عند الأفراد) أو المصلحة (عند الجماعة) هي محرك الأحداث في العالم الحديث، وباعتبار الخصومة التاريخية بينهما، فإن الاصطدام حتمي لا مفر منه. والمجتمع يقترب من الإنسانية كلما غلّب المسؤولية على المصلحة، بينما يقترب من الحيوانية كلما غلّب المصلحة على حساب المسؤولية.

وهذا الاصطدام قد يكون واضحًا، لا تخطئه العين كما في مظاهر كثيرة مثل:

  • الحروب (المصلحة الاقتصادية والسياسية على حساب مسؤولية حفظ الدماء).
  • تدمير البيئة وموارد الأرض (المصلحة المالية على حساب المسؤولية الكونية).
  • المثلية الجنسية (اللذة الفردية على حساب المسؤولية الأسرية)
  • العنصرية (السيطرة والنفوذ على حساب التعايش واحترام الآخر)
  • الانطواء على الذات واعتزال المجتمع (الفردانية على حساب المسؤولية الاجتماعية).
  • الانتحار (الخلاص الفردي على حساب مسؤوليات الحياة المختلفة) وغيرها الكثير.

لكن في بعض المظاهر تمتزج المصلحة بالأخلاق وتتلبس بها، ويكون طريقهما واحدًا، فلا نعود نستطيع أن نميز بينهما، إلا إذا انفصلتا من جديد، وهذا ما يمكن أن نسميه الأخلاق العقلية، وذلك عندما يقرّ العقل بعض الصور الأخلاقية التي تؤول غالبا إلى مصلحة على مستوى الجماعة، ومن أمثلتها:

الاتحادات السياسية والاقتصادية بين الدول (في حقيقتها هدنة تتوافق فيها مسؤولية حفظ الدماء مع مصلحة الأمن والرفاهية الاقتصادية)، وقانون تساوي الفرص، وبعض الأنواع من الحريات، والضخ البشري للفارين من الحروب في المجتمعات الهرمة وغيرها.

وفي الحقيقة هذا النوع من المظاهر الأخلاقية في غالبها مختص بالجماعة، وتقرها عادة الهيئات الحكومية والمراكز الإستراتيجية، وهي تقف على أرض رخوة، وبقاؤها مرهون بقدرتها على تحقيق المصلحة المرجوة منها، وقد تتم مصادرتها عند تبدل الأحوال. أما الأخلاق الصافية النقية المجردة من المصالح فلا تأبه الحداثة بها ولا تحميها، لأن مذهب العقل النفعي لا يعترف بالأخلاق.

لماذا يوجد ملحدون على خُلق؟

والحديث عن الانحدار الأخلاقي لا يعني موت الأخلاق كلية، فإنك قد تعايش في الواقع الكثير من المواقف الأخلاقية السامية في العالم الحداثي، وقد تسأل كيف نفسر وجود بعض الملحدين ذوي الأخلاق الرفيعة؟ والجواب تجده عند الفيلسوف الراحل علي عزت بيجوفيتش: «يوجد ملحدون على أخلاق ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي. والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع في مصدرها إلى الدين. دين ظهر في الماضي ثم اختفى في عالم النسيان، ولكنه ترك بصماته قوية على الأشياء المحيطة، تؤثر وتشع من خلال الأسرة والأدب والأفلام… إن الأخلاق دين مضى…».

ويضاف إلى ذلك الفرق بين المنهج والناهج، فالمناهج الوضعية في الغالب أشد قسوة من أتباعها، ذلك أن الإنسان يبقى إنسانًا مهما تشوهت فطرته، ويبقى في نفسه شيء من حب مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وذلك يختلف طبعًا باختلاف الأفراد والظروف.

الأخلاق والحضارة

كل من الأخلاق والعلم (العلوم المادية) يساهم في قيام الحضارات وفي سقوطها، لكن طبيعتهما مختلفتان تمام الاختلاف.
ففي ميدان العلم وصلت البشرية إلى أعلى نقطة في خط صاعد منذ فجر الإنسانية، ذلك أن العلم يحكمه التطور المستمر، وحتمية البناء على ما سبق؛ بينما كل تجربة إنسانية لدى أمة من الأمم في مجال القيم والأخلاق هي تجربة فريدة وجديدة، يمكن فيها الاستفادة مما سبق، ولكن ذلك ليس حتميًا؛ فعالم الفيزياء مثلًا لا بد أن يبني على نتاج من سبقه ليستطيع تقديم الجديد، بينما الفلاسفة وعلماء الأخلاق يبحثون تقريبًا نفس المسائل منذ آلاف السنين، وما زالوا ينتجون أفكارًا ومناهج مختلفة، وقد يأتي الواحد من هؤلاء فينسف جهود من قبله ويبتكر نظرية جديدة في تفسير ظاهرة من الظواهر، أو يدعو إلى أعمال يعتبرها فضيلة، بينما يراها غيره رذيلة أو العكس، وغالبًا لا يوجد أدلة قاطعة على صدق نظريته أو خطئها، إذ إن العلوم الإنسانية لا يمكن أن تخضع لقوانين الرياضيات أو التجربة المثالية، لذلك لا يوجد فيها حدود واضحة وفاصلة بين الصواب والخطأ. وهذا يفسر كيف يمكن أن يحصل الانحطاط الأخلاقي من وجهة نظر الدين لدى أمة من الأمم بإرادتها وبتوجيه مفكريها ومباركة علمائها.
إن السمو الأخلاقي إلهام من عالم الغيب وإشراقة في عالم الروح وقبسة من قبسات النور تضيء مسيرة الإنسان، وهو قبل كل شيء هداية وهبة من الخالق.
ولو قلنا إن الأخلاق تطورية كالعلم لأفضى ذلك إلى القول بأن القرن المعاصر أسمى القرون أخلاقًا، وهذا قولٌ بيّنٌ خطؤه، ولكن ذلك يصدُق في مجال العلم. وهذا يعني أن التقدم في مجال العلم لا يستلزم التقدم في المجالات الإنسانية الأخرى.

إن الحضارة لها جانب مادي ( المدنية) وجانب أخلاقي (الثقافة)، والدولة التي تنشأ دون رسالة أخلاقية قد تعلو في الجانب المادي، ولا تلعب الأخلاق في استمرارها دور كبير، فهي تعتمد على صرامة القانون في الحفاظ على ثوابتها وقيمها، وسقوطها يستلزم سقوط الأسس التي قامت عليها أولًا (مثل القوة العسكرية، العلم، الاقتصاد…)، بالإضافة إلى ضرورة توفر العامل الخارجي الذي يكون حاسمًا في معظم الأحيان.

أما مقولة حتمية سقوط الحضارات بانحدار الأخلاق، فهذا ينطبق على الحضارات ذات الرسالة الأخلاقية، ذلك أن قوتها المادية تكون عادة نتيجة البعث الروحي والأخلاقي الذي حصل لها في طور النشوء، والذي يؤهلها لتحمل مسؤولية الاستخلاف وعمارة الأرض. أما في المدنية فيقتصر دور الأخلاق على شرعنة تمدد القوة وصيانة الأسس المادية التي تضمن بقاءها.

خاتمة

إن هذا الصوت الناقد في المواضيع التي تناولناها ليس صدى صراع حضاري أو رفض للمخالف، ولكنه أصبح رأي كثير من مفكري الغرب أيضًا، الذين انتبهوا إلى خطورة المسلك الحداثي، فأطلقوا صيحات الاستغاثة ونادوا بضرورة الإصلاح.

هذه محاولة متواضعة لتطبيق بعض خطوات المنهجية المقترحة في مجالات العلم والحرية والأخلاق، ويمكن محاكمة غيرها من المجالات مثل: حقوق الإنسان، الرفاهية، المؤسساتية، تداول السلطة، الحس النقدي وغيرها وتقييمها بهذه المنهجية، فذلك أحرى أن تُرى الأمور بشكل أوضح، وأن يخبو صوت الانبهار والفتون.

وهكذا بعد تأمل الصورة مكتملة في المجالات المذكورة نستشعر الخطورة المحدقة بالإنسان، ولا سيما بالجانب الروحي، ولرأينا كذلك أنه لا تجد ارتقاء في مجال ما إلا ويقابله انحطاط في مجال آخر، ولوجدنا أيضًا أن شعور الراحة والسيطرة والإنجاز، الذي أفرزه التطور المادي الأحرى أن يتحول إلى شعور بالقلق والترقب من الآتي، بل أن يتحول إلى مشاريع إنسانية عملية في عدة مجالات لاستباق الأزمات الإنسانية الروحية القادمة وما يتفرع عنها.

وأخيرًا نقول بعد هذا العرض المختصر لهذه النماذج (العلم، والحرية، والأخلاق) أن النموذج الحداثي لا يمكن أن يشكل الطريق المثالي لتحقيق سعادة للإنسان، ولا خدمة القيم الإنسانية المشتركة (مثل كرامة الإنسان، الأخلاق، العدل)، حيث ينطلق من تصور مشوّه لطبيعة الإنسان، ومخالف للفطرة والبداهة، ولا يمكن إصلاحه إلا بإعادة النظر والبحث في طبيعة الإنسان وسماع صوت القلب والفطرة وتأملات العقل وأحوال الروح بعيدًا عن السفسطة الكلامية والغرور والسطحية والاختزال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أخلاق, أزمة, عالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد