الشباب وتجديد منهجية الخطاب (4)

نصل مع هذه المقالة إلى نهاية سلسلة «الشباب وتجديد منهجية الخطاب»، وقد انطلقنا من محاولة حل إشكالية الخطاب الإصلاحي الديني المعاصر، الذي لا يلقى آذانًا مصغية عند الشباب، وتبين أن التجديد يبدأ من بذل الوسع في فهم الواقع، وطبيعة المخاطب، وبناء النظرة الكلية، كما وضحت ضرورة توافر الخطاب على الجرأة في نقد السائد من الأفكار، وعرض الأفكار القيمية الأصيلة دون خجل، وذلك كي لا نبقى ندور حول أنفسنا، ونحصر ذاتنا في خانة الدفاع.

وهكذا نريد أن نقفز من ضفة المدافعين إلى ضفة الواثقين، فندرس المسائل الحضارية الكبرى من داخلها، ونزنها بميزان الإنسانية المشترك، ونبين زيف الهالة القدسية التي أضيفت على بعضها، وفي النهاية نريد أن ننتج خطابًا إنسانيًا شاملاً، ليس للمسلمين فقط ولكن لكل الدنيا. ذلك أن الحداثة مذهب ضد الإنسانية عامة، تسلط على الروح والأخلاق بشكل مخصوص. وهي ليست ضد دين بعينه، ولذلك نأمل أن يتعاون كل المؤمنين بالقيم والإنسان وإلا ضاع الإنسان.

وقد تعمدت في البداية عدم تعريف مصطلح الحداثة، فهو مصطلح فضفاض يلفه الغموض، وكل من الباحثين يقصد به شيئًا في نفسه، وهكذا الحال بالنسبة لمصطلح «ما بعد الحداثة»، وعلى كل حال لن نتوقف عند التعريفات الأكاديمية، إذ الواقع خير شارح لما نقصد: فعندما يريد تاجر بمرتبة رئيس أن يحتكر الدواء، ثم يبيعه ليملأ خزائنه ذهبًا، أو عندما تسطو دولٌ تمتلك الأسلحة النووية، والطائرات النفاثة، على أدوات العلاج، ضاربة بعرض الحائط المواثيق الدولية التي وقعتها بأيديها، فهذه هي الحداثة. الحداثة هي تفلت من الأخلاق والقيم، وما بعد الحداثة هي محاولة القضاء عليهما، وعلى كل ما له قيمة، وما يشكل مرجعية، هذا بعبارة مختصرة ما خطر لي.

إن الحرية هي أساس المتعة، والعلم أساس القوة، أما الأخلاق وجدت لتكبح كل منهما من التعدي. لذلك فالأخلاق في عالم الحداثة لا تشكل عامل جذب عند الشباب بقدر العلم والحرية، بل قد يغيب عنهم آثار ضعفها أو غيابها، وهم لا ينتبهون إلى التبعات الكارثية لذلك.

مصدرية الأخلاق

إن الأخلاق في عالم الحداثة هي الحلقة الأضعف، والحلقة التي تربطها بسلسة القيم الحداثية مفقودة؛ وإن من أعظم الإشكاليات فيه هي تأصيل الأخلاق وتحديد مصدريتها، فبعض الصور الأخلاقية العملية مثل: احترام الكبير ورحمة الصغير وحب الجار والكرم والتضحية هي خسائر مادية، وليس هناك ما يبررها من المنظور النفعي والمصلحي.

كما أنه ليس هناك حجج وبراهين عقلية لإقناع الإنسان بالامتناع عن أي عمل لا أخلاقي مثل: إبادة شعب ضعيف والاستيلاء على خيراته، أو الإساءة إلى كبير في السن وسوء معاملته، أو التخلص ممن لا يرجو نفعه في العمل والإنتاج من المعاقين والعجزة ، أو الخيانة الزوجية.

ولهذا لا نجد للأخلاق مصدرًا سوى الدين، وهي صورته العملية التي تظهر في سلوك الإنسان، أما
الأخلاق «العقلية» فليست سوى صورة عن المصلحة، تلبس ثوب الأخلاق والفضيلة (نتعرض لها لاحقًا). وعليه فإن الأخلاق حجة في وجه منكري الأديان، تمامًا مثل الحرية والفن والجمال، فهذه ليس لها مبرر وظيفي، أو تفسير علمي استنادًا على النظرة المادية.

السياق التاريخي

لقد ظل الإنسان منذ بداية التحضر الإنساني إلى بدايات عصر النهضة يشكل المحور الرئيسي في الفكر الإنساني، ومركز الكون ونقطة الانطلاق. ومع بداية الاكتشافات العلمية الحديثة، بدأ يستقر الشك في قدرة حواس الإنسان وكفاءتها على نقل الصور الحقيقية للأشياء، ثم انتقل الشك إلى العقل، إذ هو أيضًا عرضة للأوهام والخيالات، وقد صرح بعض العلماء مثل غاليليو بضرورة الاعتماد على التجربة والبرهان الرياضي لفهم طبيعة الأشياء، إذ الكون كتب بلغة الرياضيات كما يقول، وهذه وحدها تضمن الموضوعية، وعدم تحوير الحقائق. وهكذا ذاب الإنسان في الطبيعة، وأصبح يُنظر إليه على أنه شيء من الأشياء، وهو جزء منها، ولا يخضع إلا للنواميس التي تحكمها؛ وبهذا تم تهميش الإله والدين، باعتبار أنه ليس لهما علاقة بالعالم المحسوس اليقيني، وصار الإنسان حسب هذه الرؤية مخلوقًا بسيطًا ذا بعد مادي واحد.

ولقد كان الدين هو العقبة الأساسية في وجه سيطرة النظرة المادية هذه (النموذج الحداثي)، حيث يرفض اختزال الإنسان في مادة، فأُقصي عن الحياة. ولما كانت المسؤولية الأخلاقية ما زالت تكبح الإنسان من إطلاق العنان للبواعث المادية الطبيعة الشهوانية، وتحرمه من التمتع بخيالات الأهواء المبتكرة، وتحاول أن تلجمه من التقوقع على نفسه، وعبادة أهوائه، وتدفعه إلى مشاركة الجماعة والتفاعل معها، وممارسة إنسانيته الاجتماعية، كان لا بد من إسقاطها أيضًا.

وقد اعتبر نيتشة بنظرته الثاقبة الأخلاق بقايا الأديان فدعا إلى تحييدها، ووضع تصورًا للإنسان الخارق (Superman) الذي لا يعرف الرحمة أو التعاطف، ولايحترم إلا القوة. وهكذا وصلنا في النهاية إلى عصر السيولة أو ما بعد الحداثة، حيث اختفت المرجعيات في حياة الإنسان، فلا ثوابت ولا مطْلقات ولا محرمات، وبدل المركز الواحد أصبحنا نعيش في عصر المراكز المتعددة، حيث نجد اللذة والمنفعة على مستوى الأفراد (بنتام)، والمصلحة والقوة في السياسة (ميكافيلي ونيتشة)، والجنس في علم النفس (فرويد)، والصراع من أجل البقاء في علم الأحياء (داروين).

والمشترك في كل هذا أن كل شيء مباح، وسيطرت الحكمة التالية: افعل ما يحلو لك ما دمت مقتنعا، وما دمت لا تؤذي غيرك (ولو كان في ذلك فناء الإنسانية جمعاء على المدى البعيد).

ماهية الأخلاق

الأخلاق تسير عادة ضد الطبيعة الأصلية للإنسان، فالإنسان جُبل على حب الذات والأنانية والفردانية وحب المال والسلطة، بينما الأخلاق تحث على إنكار الذات والإيثار والتضحية ومشاركة الجماعة والصدقة والشورى.

وضع الأخلاق في عالم الحداثة

رأيت أن أعرض لثنائية «المسؤولية والمصلحة» بدل التوسع في عرض مظاهر الانحرافات الأخلاقية، فهذه الثنائية تشكل نموذجًا تفسيريًا يمكن عرض أمثلة الوقع عليه، وتفسيرها به.

إن المسؤولية هي الضمان لقيام النظام الأخلاقي ولاستمراريته، واللذة (عند الأفراد) أو المصلحة (عند الجماعة) هي محرك الأحداث في العالم الحديث، وباعتبار الخصومة التاريخية بينهما، فإن الاصطدام حتمي لا مفر منه. والمجتمع يقترب من الإنسانية عندما يغلب المسؤولية، أما عندما تغلب المصلحة فيقترب من الحيوانية.

وهذا الاصطدام قد يكون واضحًا لا تخطئه العين كما في مظاهر كثيرة مثل:

  • الحروب واحتلال البلاد الأخرى.
  • تدمير البيئة وموارد الأرض (المصلحة المادية على حساب المسؤولية الكونية).
  • المثلية الجنسية (اللذة الفردية على حساب المسؤوليات الأسرية).
  • التفكك الأسري (اللذة الفردية على حساب المسؤوليات الأسرية أيضًا).
  • الاستعلاء والعنصرية (السلطة على حساب التضحية والتواضع).
  • الانطواء على الذات (الفردانية على حساب المسؤولية الاجتماعية).
  • الانتحار (الخلاص الفردي من عبء المسؤوليات المختلفة) وغيرها كثير.

وقد يتحول هذا التصادم إلى توحد، عندما تلتبس المصالحة بالأخلاق، ويكون طريقهما واحدًا، فلا نعود نستطيع أن نميز بينهما، إلا إذا انفصلتا، وهذا ما يمكن أن نسميه الأخلاق العقلية. ومن أمثلته:

  • الاتحادات السياسية والاقتصادية بين دول تحاربت قرونًا (في حقيقتها هدنة، تتوافق فيها مسؤولية حفظ الدماء مع مصلحة الأمن والاتجار).

الحداثة ليست لديها قيم أخلاقية تحميها، لأن العقلية النفعية لا تعرف الأخلاق، لذلك ليس عندها محرمات أخلاقية. وفي عالم الحداثة فإن صوت الشهوة مسموع، واللذة تفرض على القيم الخضوع، لذلك فإنه من الطبيعي أن تفر الأخلاق من هذا المحيط السائل، الذي ذابت فيه الحدود بين الأشياء، فأصبحنا نعيش في عصر الحداثة السائلة كما يرى عالم الاجتماع الشهير زيغمونت باومن.

والحديث عن الانحدار الأخلاقي لا يعني موت الأخلاق كلية في نفوس الأفراد، فإنك قد تعايش في الواقع الكثير من المواقف الأخلاقية السامية في العالم الحداثي، وقد تسأل كيف نفسر وجود بعض الملحدين ذوي الأخلاق الرفيعة؟ والجواب تجده عند الفيلسوف الراحل علي عزت بيجوفيتش: «يوجد ملحدون على أخلاق ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي. والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع في مصدرها إلى الدين. دين ظهر في الماضي ثم اختفى في عالم النسيان، ولكنه ترك بصماته قوية على الأشياء المحيطة، تؤثر وتشع من خلال الأسرة والأدب والأفلام… إن الأخلاق دين مضى… ».
ويضاف إلى ذلك الفرق بين المنهج والناهج، فالمناهج الوضعية في الغالب أشد قسوة من أتباعها، ذلك أن الإنسان يبقى إنسانًا مهما تشوهت فطرته، ويبقى في نفسه شيء من حب مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وذلك يختلف طبعا باختلاف الأفراد والظروف.

الأخلاق والحضارة

لا تعاني البشرية في زماننا من مشكلة علمية، إذ وصلت إلى أعلى نقطة في خط صاعد منذ فجر الإنسانية، ذلك أن العلم يحكمه التطور المستمر، وحتمية البناء على ما سبق؛ ولكن مشكلتها هي إنسانية عموما، وأخلاقية خصوصا، ذلك أن كل تجربة إنسانية في مجال القيم والأخلاق هي تجربة فريدة وجديدة، يمكن فيها الاستفادة مما سبق، ولكن ذلك ليس حتميا، تشبه الفنان الذي يعبر في أعماله (الإنسانية) عن مشاعره هو، وتجربته هو، دون الحاجة لاستلهام تجارب الآخرين، وقد يصل بعمله إلى قمة الإبداع، فلا يصل إليه من بعده. ومعلوم أن الفكر الحداثي يسخر من منظومة الآباء والأسلاف في تفسير ظواهر الكون، لاتكالها أحيانا على الغيبيات، التي لا يعرفها العلم الحديث.

خاتمة

إن هذا الصوت الناقد في المواضيع التي تناولناها ليس صدى صراع حضاري، أو تنافر ثقافي، ولكنه أصبح رأي كثير من مفكري الغرب أيضا الذين انتبهوا إلى خطورة المسلك، فأطلقوا صيحات الاستغاثة.

وأخيرًا لو وضعنا -بعد هذا العرض المختصر لهذه النماذج- قوة العلم ونشوة الحرية وضمور الأخلاق في نفس الإطار، ثم تأمّلنا الصورة، لاستشعرنا خطورة الموقف على الإنسان، وخاصة على الجانب الروحي، ولتعجبنا من علو الأصوات الداعية إلى إنقاذ البيئة والحيوان، بينما أصوات إنقاذ الإنسان بجوهره لا تكاد تسمع.

ولرأينا كذلك أنه لا تجد ارتقاء في مجال ما إلا ويقابله انحطاط في مجال آخر. ولو أمعنا النظر أكثر لوجدنا أن شعور الراحة والسيطرة والإنجاز التي أفرزها التطور المادي الأحرى أن يتحول إلى شعور بالقلق والترقب، بل وأن يتحول إلى مشروع إنساني عملي لاستباق الأزمات الإنسانية الروحية القادمة وما يتفرع عنها.

ولا بد أن نشير في النهاية إلى أن التوحش المادي والفوضى العدمية، وإن بسطت سيطرتها في الغرب، إلا أن خصومتها ليست مع الشرق أو الإسلام حصرًا، إنما مع كل من يؤمن بالقيم والأخلاق والإنسان، بما في ذلك الغرب نفسه.

هذه محاولة مستعجلة لرسم صورة كلية أولية بحاجة للإضافة والتعديل عن هذه المجالات الثلاث (العلم والحرية والأخلاق)، ويمكن محاكمة غيرها من المجالات مثل: حقوق الإنسان، والرفاهية، والمؤسساتية، وسلمية تداول السلطة، والحس النقدي وغيرها وتقييمها بهذه المنهجية، فذلك أحرى أن تُرى الأمور بشكل أوضح، وأن يخبو صوت الانبهار والفتون.

وهكذا نأمل أن الصورة قد وضحت لدى الشباب، وظهرت ضرورة التروي في الحكم على بعض الظواهر، ولكن ذلك لا بد أن يخلّف فراغات معرفية حتمية، تدفع إلى التساؤل: ما هو المطلوب، وما البديل؟
وهذه الخطوة مرتبطة بشكل وثيق بمشاريع الإصلاح والتغيير المعاصرة، وهذه أيضا لا تخلو من إشكاليات منهجية، ولا بد أن تخضع لبعض المعايير المعرفية الكلية لتؤتي ثمارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أخلاق, حداثه, مأزق
عرض التعليقات
تحميل المزيد