نحتاج إلى الأخلاق كما نحتاج إلى الماء والتنفس. وعلم الأخلاق كذلك يبحث في نظرية الخير والشر فيكون موضوع علم الأخلاق إذن هو السلوك. لذا فالأخلاق قادرة على تنظيم المجتمع. وبما أن موضوع الأخلاق يرتبط بالسلوك كان لزاما أن نقوم بتوظيف الأخلاق حتى نقدر على فهم السلوك أولًا ثم تفسيره ثانيًّا بالأخلاق. فالأخلاق تساعدنا على إصدار أحكام تتعلق بالسلوك. وهي أيضًا تساعدنا على فهم مسائل الخير والفضيلة؛ كما تجعلنا قادرين على التمييز ما بين الشر؛ وبهذا تكون الأخلاق هي الأداة التي تصدر الأحكام العقلية على السلوك البشرية عمومًا. وفي هذا الإطار يغلب على الأخلاق الثبات بينما يقابل هذا المفهوم الجمود فالأخلاق إذًا غير قادرة على الحركة كونها تخضع لقواعد سلوكية ثابتة على الرغم من التقادم الزمني والتطور. لا يمكن الحديث عن الأخلاق دون القاء نظرة عامة على التاريخ الإنساني؛ فالحداثة أنتجت ثقافة جديدة وتلك الثقافة بلا شك أثرت في الأخلاق؛ ومرحلة ما بعد الحداثة مثل ذلك.

استطاعت الحداثة أن تخلق السوق بعدما توسعت عن طريق السكك الحديدية والسفن البخارية وماكينات البخارية وجميع هذه الآلات هي من نتائج الثورة الصناعية التي خلقتها الحداثة. فعندما أعلن الإنسان سيطرته على الطبيعة مال هذا العالم ميلة نتج منها ابتلاع الحدود الجغرافية والتمركز العالمي فلم يعد للمكان أي قيمة سوى علاقة واحدة تربط المنتج بالمستهلك لأن ما بعد الحداثة أعادت تفسير العالم بشكل مختلف فلم يعد هناك دول مترامية الأطراف في هذا العالم بل على العكس تمامًا هناك دول مترابطة أو متقاربة تكنولوجيا في عالم واحد. ساعدت ثورة المعلومات على التقدم التكنولوجي ومهدت الطريق أمامها وبعدما مر العالم بالثورة الصناعية والثورة المعلوماتية قفز إلى الثورة التكنولوجية التي انتهت إلى الثورة الرقمية.

كانت مجتمعات الحداثة تتمركز حول السوق. بينما رأينا مجتمعات ما بعد الحداثة وما بعد الصناعية لا تتمركز إلا على فكرة الاستهلاك فكأن هناك عقدًا يجمع بين المستهلك والمنتج وهو: الإنتاج! لقد ساعدت العولمة الاقتصادية على إنشاء سوق عالمية بداية المرحلة الحداثية بينما ساعدت الثورة المعلوماتية والتكنولوجية على سوق عالمية رقمية ذات فائض كبير في الإنتاج. فكأن التاريخ القديم قد ولد الآن بأدوات رقمية جديدة أو بشكل أدق بمنصات رقمية جديدة ليست لها مركزية ولكنها عالمية تعمل بأدوات رقمية وتقنية شبكية تعتمد بشكل كلي على الإنترنت. وتعمل بنظام رأسمالي قديم بأدوات حديثة ومفاهيم قديمة جديدة فالعولمة الاقتصادية في الفضاء الرقمي تعمل بسرعة هائلة والسوق العالمية توجد على هيئة رقمية لا تخضع لأبعاد المكان فلم يعد المستخدم ذا البعد الجغرافي بل أصبح المستخدم ذا الأبعاد العالمية! ولم يتغير أي شيء فالأدوات الرأسمالية القديمة تجددت، ولكنها باتت تعمل بشكل أسرع وأوسع وأقوى. وبتقانة رقمية فائقة السرعة. بينما الثقافة هي نفسها لأن مع فائض الإنتاج توجد ثقافة، ولأن العلاقة بين المنتج والمستهلك هي علاقة قائمة على الإنتاج فإن لها ثقافتها.

لا يمكن السيطرة على المحتوى الرقمي الذي تنتجه منصة «نتفليكس» لأن عملية الإنتاج في غاية التعقيد؛ لذا لا يمكن رصد جميع السلع الرقمية التي تنتجها هذه المنصة نظرًا إلى السرعة الإنتاجية وللسلع المنتَجة. ولكن يمكن وضع هذه السلع التي أُنتجت في سياق عام يساعد على فهم محتواها ومن ثم تحليله واستخلاص فكرة عامة استنادًا إلى تلك السلع التي أنتجتها هذه المنصة الرقمية. تملك هذه المنصة رسالة عالمية لذلك تنتج سلعها الرقمية من عدة بلدان عالمية؛ فهي لا تخاطب بلدًا وشعبًا واحدًا إنما تخاطب العالم بلغة رقمية واحدة يفهمها الجميع. وتنتهج سياسة اقتصادية احتكارية تهيمن بها على المحتوى الرقمي الذي تنتج به هذه السلع التي تعرضها على مستخدميها الرقميين المنتشرين في أنحاء العالم.

كما تملك هذه المنصة أخلاقًا تحاول فرضها على شعوب العالم؛ لذا تحاول فرض رسالتها الأخلاقية على المستخدمين دون أن تلقي اعتبارًا لفكرة الأخلاق الأساسية إنما تهدم فكرة الأخلاق. وتضع أخلاقًا خاصة بها، ومن خلال تلك الأخلاق تدعم حقوق المثليين، وتنشر الشذوذ وتعطي مفاهيم جديدة في محتوياتها الرقمية تحاول من خلالها تشكيل ثقافة جديدة بأخلاق جديدة. لذا هي تحاكي جميع الفئات العمرية باللغة نفسها وتبث أخلاقها إلى العالم أجمع، ولكن بلغة رقمية واحدة هدفها هو صناعة المحتوى الذي يهدف إلى التسلية ولا تراعي فكرة الأخلاق إنما تهدمها من الأساس وتضع أخلاقًا عالمية جديدة رقميًّا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد