منذ ثلاثة أيام والثلج يتساقط في الخارج. وأنا واقف هنا لأراقب من هذه النافذة الزجاجية حركة الثلج وسقوطه من السماء إلى الأرض بأثر الرياح.

يختلف السقوط في الفيزياء عن معنى السقوط الأخلاقي الذي نستخدمه بالمعنى المجازي في اللغة. السقوط في الفيزياء نرى فيه جمال الطبيعة؛ كسقوط الثلج على الأرض وتدحرجه في الهواء، بينما السقوط في الأخلاق يكون فيه انهيار المبادئ والقيم ثم خسارة الإنسان لنفسه.

كان المشهد رائعًا من النافذة التي رأيت من خلالها بحيرة مرمرة وبرج العذراء وتلك الأبراج العالية التي تعانقها حبات الثلج في الهواء. لتهبط على أسقف البيوت الخشبية الصغيرة المتهالكة تحتها فمنظر كهذا يختصر الثقافة الرأسمالية في أبشع صورها البغيضة.

 وقفتْ ساندرا في لباسها الأسود بقرب النافذة ومدت يديها إلى النافذة فأغلقتها؛ وانتهى بذلك منظر الثلج الطبيعي ليبدأ مشهد إنساني جديد تجسده الآنسة ساندرا بصوتها الحزين وبدموعها وآلامها.

ساندرا في الثقافة الرأسمالية لا تتعدى كونها فتاة ليلٍ يتسلى على جسمها الجميل أبناء الأغنياء مقابل ذلك المال المدفوع لها؛ من أجل أن تقضي معهم تلك الساعات الكئيبة التي تذهب بأنوثتها وإنسانيتها. فتلك هي وظيفة ساندرا بكل اختصار. ولكن وظيفة ساندرا ليست هي حقيقة ساندرا، إذ يوجد فرق بين الوظيفة التي تجني منها ساندرا الدولارات وبين الأنثى الجميلة المشوهة في سلوكيات ساندرا.

جلست ساندرا أمامي على مقعد من حديد يمتد تحت ظهرها بمساحة كبيرة ويميل قليلا عند منطقة خصرها، وله أجناب طويلة من الخشب كأنه قد أعد للملكة بلقيس؛ بلونه الأحمر الأنيق المتناسق مع ملابسها السوداء وجسمها الأبيض الرشيق الممتلئ وشعر رأسها الفاحم الناعم الطويل.

وبدأت تتحدث معي وفي صوتها نبرات حزينة حاولتْ إخفاءها بابتسامتها الجميلة وضحكتها العذبة وقبل ذلك قالت لي: أنا متعددة الشخصيات بعد أن أخبرها أصدقائي بأنني مهتم بعلم النفس التحليلي سقطت منها هذه الكلمة مع ابتسامة رقيقة وقعت من ثغرها.

لقد أحيت الموسيقى المكان بأنغامها السعيدة، وبعثت في روحي السعادة وفي نفسي بعدما نظرت إلى ساندرا وهي جالسة أمامي وتلتفت أرجاء المكان وتضحك مع أصدقائي بوجهها ولكن قلبها معي وعينيها كذلك هكذا شعرت عندما رأيتها أول مرة هناك في بهو فندق الآنتيل!

ساندرا تقابل في اليوم الواحد عشرات الأشخاص. لذا قد لا تتذكر أي شخص تقابلت معه؛ وبحسب الوظيفة التي تجني منها المال فرضت عليها موهبة الذكاء الاجتماعي والقدرة على تكوين العلاقات بشكل آني ثم التخلص منها فورًا بعد انتهاء تلك الساعات المتفق عليها.

وهي ذكرت ذلك في حديثها معي، وقد احترمتها كثيرًا لأنها أعطتني قيمة أخلاقية في حديثها: كالصدق وأكملت قائلة: نحن نجيد فن التمثيل ثم ختمت: نعم نحن كذلك مجرد ممثلين وأنا لن أتذكر أي واحد منكم بعد انتهاء هذا المجلس!

لم أتفاجأ من هذه الكلمة فهي تعبر عن أخلاق ساندرا؛ ولكل إنسان أخلاقه ولا يوجد أي إنسان بلا أخلاق ففي شخصية كل إنسان خصال حميدة تعبر عن فلسفة الأخلاق التي يؤمن بها لذا يجب أن نتأمل!

ترشدنا الأخلاق دائمًا إلى جلب الفضيلة في السلوك؛ لذا فالأخلاق تهدف إلى تحقيق ما يجب أن يكون على اعتبار المستقبل وموضوع الأخلاق يدور حول معرفة الخير والشر ضمن المسائل الأخلاقية الكبرى!

 والأخلاق هي: الستار الإنساني الذي يفصلنا عن الحيوان؛ وإذا تجاوزنا ذلك الستار فإننا قد خرجنا من حدود الآدمية إلى حدود البهيمية التي ينتهي عندها الوعي والالتزام، ويبدأ فعل كل شيء لا تبيحه الأخلاق!

فساندرا أنثى ولها أخلاقها، حتى وهي تقوم بهذه الوظيفة التي يتم فيها استغلال جسمها من قبل الذئاب البشرية الرجالية الذين لا يراعون خصوصية الأنثى ولا يفهمون أي شيء من المرأة إلا جسمها!

بعد انتهاء ذلك اللقاء أقبلت إلي ساندرا وعلى خديها آثار الدموع وبين الدمعة والأخرى تنهيدة يخرج معها ألم في القلب تقوم الدموع بترجمته على خديها! ولو أن ساندرا التزمت بفلسفة الأخلاق لما كانت حزينة بهذا الشكل، ولكنها أداة الاختبار الأخلاقي التي نكتشف من خلالها قوة إرادتنا وفلسفة أخلاقنا.

عجبا كيف تتحكم فينا غرائزنا؟ وكيف نخرج على الأخلاق التي تحفظ لنا إنسانيتنا لندخل إلى عالم البهيمية التي نفقد فيها كرامتنا وفضيلتنا؟ إنه المال الذي أباح للرجال استغلال جسم ساندرا وسلب أنوثتها وأخلاقها التي حفظتهما الشريعة والدين.

*صديقي مختار لم أنس مقال «فلسفة الموت» ولكني الآن منشغل في كتابة موضوع ساندرا وصديقاتها، وكما تعلم أجواء مدينة إسطنبول، وهواءها البارد هما من أوحيا إليّ بهذا الموضوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد