إن علاقات إثيوبيا بدول الجوار مرت بعدد من العوامل وخاصة خلال الفترة التي تولت فيها الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (الحزب الحاكم) منذ العام 1991م بعد أن سقط النظام الأحمر الشيوعي للعقيد منقستو هيلي ماريام، وكانت هنالك تحولات عديدة لهذه العلاقة أهمها الصراع الإثيوبي الإريتري على مثلث زلامبسا وبادمبي الحدودي بين البلدين والتي أدت لحرب من العام 1998 حتى العام 2002 والتي انتهت بتحكيم دولي.

ومرحلة أخرى كانت خلال دخول القوات الإثيوبية إلى الصومال عقب فشل القوات الأمريكية في العام 1990 مما أدى لتصاعد وتيرة الصراع ما بين مؤيد ومعارض لتدخل إثيوبيا في الصومال.

قال السيد أباي سهاي مستشار رئيس الوزراء للشؤون السياسية والأمنية في تعقيبه لورقة بعنوان نضال شعب تقراي من البداية وحتى المؤتمر التأسيسي الأول، والتي قدمها السفير سيوم مسفن وزير خارجية إثيوبيا السابق وسفير إثيوبيا الحالي في الصين، وذلك ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الأربعين لتأسيس جبهة تحرير تقراي المقامة في مدينة مغلى قال «إن السياسة الخارجية بالنسبة للحكومة الحالية كانت أكبر العقبات في أيامها وتعتبر التحدي الأكبر ولكننا استطعنا أن نحقق العديد من العلاقات مع العرب والغرب وإريتريا وأفريقيا والدول المجاورة لنا وكان لقادتنا أمثال ملس والآخرين دور كبير في تحقيق هذه الأهداف وهي بمثابة عبور للعديد من الحواجز للحكومة في وقتها وبالنسبة لنا تعتبر أهدافًا كبيرة قد تحققت» .

إثيوبيا دولة حبيسة

بسبب الحرب الإثيوبية الإريترية فقدت إثيوبيا موانيَ متعددة على البحر الأحمر ولم تجد موانيَ لتصدير بضاعتها واستيراد استهلاكها، فكانت الحرب الإريترية الإثيوبية من أكثر المشاكل التي جعلت إثيوبيا منعزلة عن العالم وأصبحت دولة حبيسة، وذلك بعد القطيعة التي دامت فترة طويلة وتوقفت مصالح إثيوبيا من استخدام المواني الإريترية وفكرت إثيوبيا بموجبها الاعتماد على موان أخرى بديلة فكانت الفكرة في استخدام عدد من المواني للدول المجاورة وهي:

1/ميناء بورتسودان في السودان.

2/ومواني دولة جيبوتي.

3/ ميناء هارجيسا في أرض الصومال.

4/ ميناء تاجورة في جيبوتي.

فكانت الأقرب هي المواني السودانية والتي تقرب لإثيوبيا وهنالك علاقات ومصالح مشتركة بين البلدين. ولكن هنالك بعض الأشياء التي وقفت أمام أن تكون إثيوبيا دولة مستفيدة من المواني السودانية والتي لها العديد من المقومات التي تجعلها أفضل لإثيوبيا مثل تداخل الشعبين وتواصلهما مع بعضهما البعض وقرب الحدود الجغرافية بين البلدين وشبكة الطرق السودانية التي ربطت بإثيوبيا ولكن بعض النقاط وقفت عائقًا أمام استخدام المواني السوادنية.

العلاقات مع دولة الصومال

التقارب بين إثيوبيا والصومال عمل على تداخل العديد من القبائل على الحدود بين الدولتين، وهنالك إقليم مشترك ثقافيًا وعرقيًا بين الدولتين والذي أصبح محل نزاع فترة طويلة بين الحكومات المتعاقبة على الدولتين، وهو إقليم الصومال الإثيوبي (أوغادين)، وكل هذه العناصر تعتبر من الروابط الأساسية التي تسهل عملية التحرك لعدد من القبائل بين الدولتين والتي قد تصبح أحيانًا مهددًا للأمن القومي الإثيوبي حسب الحكومة الإثيوبية.

إن التشابه والتعدد في العناصر بين الشعبين الإثيوبي والصومالي يصعب التفريق بينهما وخاصة أنها قبائل تشترك في العديد من العناصر الحياتية والثقافية، فنجد القبائل التي تعيش في إقليم الصومال الإثيوبي أوغادين هي نفس القبائل التي تعيش في دولة الصومال وقد لا تختلف كثيرًا إلا ولاؤها للحكومات والانتماء لواحدة من الدولتين وخاصة الأجيال الجديدة.

وقال السفير برهان قبركرستوس والذي كان يعمل في منصب وزير الدولة للخارجية الإثيوبية «إن إثيوبيا قدمت العديد من التعهدات تجاه الحكومة الصومالية في العديد من المواقف وأهمها قضايا الأمن والسلام وكان آخرها تعهد إثيوبيا لتسيير الانتخابات القادمة في الصومال».

الدور الإثيوبي في الصومال

تقوم إثيوبيا بالعديد من الجهود في الصومال أهمها عمليات حفظ السلام بالتعاون مع قوات الاتحاد الأفريقي، بالإضافة للتعاون مع الحكومة الصومالية في محاربة الإرهاب متمثلة في محاربة حركة الشباب الصومالية، والتي بدأت هجماتها تقل داخل الأراضي الصومالية، وتقليص المناطق التي كانت تسيطر عليها من المدن الصومالية، وكان لقوات الدفاع الإثيوبية دور كبير في عملية حفظ السلام على الأراضي الصومالية، الشيء الذي فشلت فيه القوات الأمريكية، وهنالك مجالات أخرى للتعاون مثل التدرب للكوادر الصومالية، مثل الشرطة والخبراء الأمنيين والفنيين في جميع المجالات والمنح الدراسية في الجامعات الإثيوبية وللطلاب الصوماليين، والعديد من الفرص داخل الأراضي الإثيوبية، ويتحرك الصوماليون إلى داخل الأراضي الإثيوبية بكل حرية، وتعتبر إثيوبيا المنفذ لهم عبر مطاراتها إلى بقية دول العالم.

على هامش قمة تانا الخامسة للأمن الأفريقي، والمنعقدة بمدينة بحردار خلال الأسبوع الماضي، التقى كل من رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ماريام دسالنج، والرئيس الصومالي شيخ حسن محمود، وأجروا مشاورات حول مختلف القضايا التي تهم البلدين.

أكد السفير برهاني قبر كستوس، مستشار رئيس الوزراء الخاص «أن المشاورات بين الرئيسين كانت حول التبادل الاقتصادي والتجاري والسياسي بين البلدين، وأكد أن البلدين اتفقا على مراحل تطوير التبادل التجاري والاقتصادي بينهما خلال المراحل القادمة، واتفق الجانبان أيضًا على وضع جدول لقاءات مستمرة لتبادل الخبرات والمنفعة المشتركة بين البلدين».

فكانت زيارة رئيس الوزراء الإيطالي الشهر الماضي لإثيوبيا، أهمها مناقشة القضايا الصومالية مع الحكومة الإثيوبية وقيادات الاتحاد الأفريقي، وقد تحدث السفير الإيطالي لدى إثيوبيا حول الزيارة قائلًا «إن الرئيس ماتاريلا التقى الرئيس الإثيوبي ملاتوتشومي، ورئيس وزرائه، هيلي ماريام ديسالين؛ ورئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، دلاميني زوما، وعددًا من الموضوعات أهمها الملف الصومالي والأمن والاستقرار في المنطقة».

قوات الدفاع الإثيوبي والصومال

تعمل قوات الدفاع الإثيوبية في عملية حفظ السلام على الأراضي الصومالية، كذلك تعمل على تقديم الدعم والتدريب لقوات الحكومة الصومالية والشرطة الصومالية، وتعمل كذلك على محاربة حركة الشباب الصومالية، مما أدى لتراجع انتشار حركة الشباب في عدد من المواقع، وإعادة عدد من المدن التي كانت تحتلها الحركة في الأراضي الصومالية.

إثيوبيا وإريتريا

إن العلاقة مع إريتريا كانت من أقدم العلاقات في المنطقة، خاصة أن إريتريا تعتبر أحد الأقاليم التي انفصلت بموجب استفتاء في العام 1993م، وكانت هنالك تعاملات مالية واقتصادية بين البلدين، ودعم من الحكومة الإثيوبية في كافة المجالات حتى تأسيس دولة متكاملة قادرة على قيادة نفسها، ولكن ما فتئت إلا وانقلبت إلى حالة من اللاحرب واللاسلم بين أبناء العمومة، راح ضحيتها أكثر من مائة ألف شخص من الجانبين وذلك في العام 1998 إلى العام 2002م.

المعارضة الإريترية والإثيوبية

ولقد لعبت المعارضتان الإثيوبية والإريترية دورًا كبيرًا في تأجيج الصراع بين البلدين، وخاصة في الفترات الأخيرة، عقب استضافة أسمرا للمعارضة الإثيوبية، واستضافة أديس أبابا المعارضة الإريترية، الشيء الذي خلق نوعًا من الصراع وتصعيده، وخاصة عقب قطع العلاقات بين البلدين، واستمرت حالات الصراع في المنطقة.

وتتخذ المعارضة الإثيوبية، بشقيها السياسي والعسكري، من إريتريا مقرًّا لها، منذ اندلاع الحرب الحدودية بين البلدين في العام 1998، وتعتبر الجبهة الديمقراطية لتحرير تجراي الذراع العسكري للمعارضة الإثيوبية، فيما تمثل حركة سبعة قنبوت، التي يتزعمها الدكتور برهانو نقا، الواجهة السياسية، كما أن إثيوبيا هي الأخرى تدعم ائتلاف المعارضة الإريترية، في إطار حرب الوكالات بين أسمرا، وأديس أبابا. والذي يضم عددًا كبيرًا من رموز المعارضة الإريترية وعددًا من الأحزاب المعارضة لنظام أسمرا.

إثيوبيا واللاجئون الإريتريون

عملت إثيوبيا على استضافة عدد كبير من اللاجئين الإريتريين، الهاربين من النظام العسكري في أسمرا، وقامت بفتح عدد من المعسكرات منها في إقليم تقراي، في كل شملبا وماي عيني، وفي شرق إثيوبيا في إقليم العفر، في كل من أسعيتا وبرحلي، وفاق عدد اللاجئين الإريتريين القادمين لإثيوبيا في الشهر الواحد حوالي 2000 لاجي إريتري.

وخلال فترة رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي، قام رئيس الوزراء الراحل تضامنًا مع اللاجئين الإريتريين بفتح الحدود لهم، والسماح لهم بالتحرك في كافة المدن الإثيوبية، وإمكانية العمل والاتجار وامتلاك الأملاك في كافة الأراضي الإثيوبية.

ووفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة، فقد فرّ أكثر من 400000 مواطن إريتري خوفًا من النظام الإريتري في أسمرا منذ انفصال البلاد، هذا الرقم  يصل إلى ما يقرب من 8٪ من سكان إريتريا.

وتشهد منطقة راما الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، وهي واحدة من المناطق العشرين التي يعبر بها كثير من اللاجئين الإريتريين، تشهد تحركات مكثفة من القوات بين البلدين، تعمل القوات الإثيوبية على استقبال الإريتريين، أما القوات الإريترية فتعمل على أسر وسجن الهاربين من إريتريا.

مشاهد على الحدود بين البلدين (إريتريا وإثيوبيا)

ويروي الجندي رقيب نوغسي، نائب قائد الفرق 271 لهيئة الإذاعة الإثيوبية، أن ما يجري على الحدود الإريترية من تدفق اللاجئين الإريتريين بشكل مستمر، ويقول «وبما أننا منتشرون في هذه المنطقة نشاهد عددًا كبيرًا من اللاجئين الإريتريين معظمهم من الأطفال ويتدفقون بشكل مستمر إلى إثيوبيا طلبًا للجوء خوفًا من النظام الاستبدادي في إريتريا».

يقول اللاجئ الإريتري عبدو محمد، والذي يعيش في إثيوبيا في أحد المخيمات «وبعد انتهاء الخدمة الوطنية تم تكليفي في ميناء عصب. لكن النظام اعتقلني واتهموني بالتآمر لتهريب عدد من المواطنين من الأراضي الإريترية إلى اليمن. قضيت ثلاث سنوات في السجن من دون أي تهمة والآن هربت وأعيش في إثيوبيا».

ما بين الاتهامات المتبادلة بين كل من أسمرا وأديس أبابا، كل دولة تتهم الأخرى بتمويل المعارضة ودعمها، واتهامات بقلب نظام الحكم والتدخلات في الشؤون الداخلية الخاصة بها.

عملت الحكومة الإثيوبية قبل عام باختراق النظام الإريتري، وخاصة المعارضة المتواجدة في داخلها، وذلك من خلال تجنيد العقيد مولا أسجدوم من قبل قوات الجبهة الديمقراطية لتحرير تقراي، القوة المعارضة والمتواجدة في الأراضي الإريترية، والتي كانت تقوم بتنفيذ العديد من العمليات ضد النظام في أديس أبابا بتمويل إريتري، ولكن عقب تلك العملية عاد عبر الحدود السودانية ما لا يقل عن 800 معارض إثيوبي، بعد معارك متعددة مع القوات الإريترية التي صعدت وتيرة العمليات بين البلدين، وعقبها قامت أسمرا باختطاف عدد 85 من عمال التعدين في شمال شرق إثيوبيا، مما حدا بأديس أبابا للقيام بعدة عمليات عسكرية في تكتم للنظام الإريتري، وضرب عدة مواقع.

يظل الصراع بين أسمرا وأديس أبابا من أكثر المشاكل التي أججت المنطقة، وأصبحت الحالة غير محددة، وسيظل الشعبان الإريتري والإثيوبي أبناء عمومة، ولكن العلاقات المتوترة جعلت الأهالي، والذين بينهم قرابة وتزاوج، منقطعين عن بعضهم البعض.

تقدمت الحكومتان عدة مرات بأنهما لا حاجة لهم لوسيط، إذا رغبا في تصالح وتخطي الصراع الدائر بينهما، وذلك من خلال أيام الرئيس الراحل ملس زيناوي، وكانت هذه التصريحات من القيادتين الإريترية والإثيوبية، ولكن لم يحققا أي خطوات تذكر تجاه هذا السلام، الذي يترقبه الشعبان بل (أبناء العمومة)، وظل الحال كما هو عليه، حالة من اللاسلم واللاحرب.

ولكن ما زالت جهود الحكومة الإثيوبية في الصومال تتواصل في كافة المناحي أهمها استضافة عدد كبير من الصوماليين على الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إثيوبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد