ليست علاقة غريبة؛ فهي كانت منذ أن انتشر الإسلام فيها مملكة إسلامية في القرن الأفريقي، وكان طابعها إسلاميًا إثيوبيًا فريدًا تمزج بين الحضارات الأفريقية والإسلامية، ونمط بنائها وحكمها إسلامي حتى إن «جغول» أشبه بالحصون الإسلامية، فالمساجد التي توجد بداخلها لم تأت سدى، بل هي من الواعظ الديني لأهالي تلك المملكة.

فكانت معظم العلاقات لهذه المملكة مع الدول العربية الإسلامية، بل كانت في فترة من الزمن مركزًا لانتشار اللغة العربية وتدريسها في المنطقة، وكان الرحالة والباحثون يحضرون إليها؛ فمثلًا عدد من المؤرخين الغربيين دخلوها بعد أن تعلموا العربية بطلاقة اعتقادًا منهم ان اللغة العربية فيها هي الغالبة، وكل الدلائل تقول إن اللغة العربية في هرر كانت لها مكانة كبيرة، بل تكاد تكون أكثر انتشارًا من اللغات الإثيوبية الأخرى؛ فيوجد عدد كبير من الكتب باللغة العربية دينية وكتب الأحاديث والشرح والتفسير، ومصاحف خطت باليد وبطريقة جميلة، فكانت هنالك طريقة لكتابة بعض اللغات الإثيوبية بحروف عربية، مثل كتاب يوجد في متحف شريف وهو كتاب ديني باللغة الأرومية بالحروف العربية مما يؤكد أن اللغة الأرومية قديمة، وفي فترة حاول بعضهم كتابتها بالحروف العربية، وهذا حسب الحديث الذي أكده له السيد إلياس المشرف في متحف شريف والذي قدم لي كتابًا دينيًا باللغة الأرومية كتب بحروف عربية.

بالإضافة إلى العديد من المعاهد والمدارس الإسلامية الدينية التي تدرس العربية تجد الكثير ممن يجيدون اللغة العربية في إقليم هرر، واللغة الأدرية نفسها خليط ما بين اللغة العربية واللغات الإثيوبية المحلية، وتستطيع أن تفهم كلمات كثيرة منها خلال تجوالك داخل المدينة التاريخية والجزء الحديث.

جولة للبحث عن متحدثي العربية

في حديثي مع بعض سكان المدينة الذين يجيدون العربية عن كيفية إجادة العربية، أكد لي أحدهم أن اللغة العربية في هرر مثلها مثل اي لغة محلية، هنالك من تعلمها من الأهل، ومنهم من يرجع أصوله إلى العرب، وهنالك من درسها في المدراس التي تدرس اللغة العربية، والتي تعد كثيرة، ولأهالي هرر جاليات كبيرة في الدول العربية والتي هاجرت طلبًا للرزق وللدراسة، ومنهم من له علاقات تجارية مع العديد من الدول العربية.

ففي هرر ليس غريبًا أن تتحدث العربية وتجد من يفهمك، ولن تستغرب إن دخلت أحد المتاجر وتحدثت العربية فتجد سريعًا من يرد عليك.

توجد في متاحف هرر كتب قديمة تعود لفترة طويلة، أي قبل ما يقارب من ألف عام منها جغرافيًا توضح الاتجاهات وهي باللغة العربية ومصحف خط باليد وبأسلوب جميل وعليه ألوان ما زال يحتفظ بها، حيث الفهرسة الخاصة به ما زالت محتفظة بجمال ألوانها وشكلها، كان في فترة من الزمن في مدينة هرر علماء قدموا جهودًا كبيرة لنشر الدين الإسلامي في المنطقة، وتوجد جهود توضح أنواع الخط العربي في تلك الفترة وتوجد وثائق متعددة في المدينة لدي بعض الأفراد توضح هذا العمل لفترة بعيدة.

وثائق بالعربية

ما لفت انتباهي أن أغلب المعاملات في تلك الفترة والمنطقة كانت تتم باللغة العربية، مثل ملكية الأراضي ووثائق البيع والاتفاقات التي تتم بين البائع والمشتري، وعقود الإيجار، ووثائق الزواج، كل هذه المستندات توجد منها نماذج، وكانت تكتب بالعربية، وهنالك أختام للأمراء والملوك توضح أن اللغة العربية هي السائدة في تلك المنطقة، وتوجد صور لبعض المكاتبات والمراسلات بين الأمراء والملوك مع ملوك من مناطق أخرى في العالم العربي والإسلامي.

هل ستختفي العربية من هرر؟

بالرغم من أن متحدثي العربية كثر في هرر، فإن انتشار اللافتات العربية قليل جدًا، ويكاد لا يوجد في داخل المدينة كثيرًا مثل بعض المناطق، وقد لا تجد ملامح توضح لك أن اللغة العربية يتحدث بها أفراد هنا، فهذا قد يعود لسبب تعدد اللغات واللهجات في المنطقة في وقتنا الحاضر، وذلك في ظل تحدث كل قومية بلغاتها ومحاولة نشر ثقافتها ولغاتها، فتجد من يتحدث الأرومية والأمهرية والأدرية والصومالية والعفرية والتقرنجة، فمع كل هذه اللغات أصبحت العربية قاب قوسين أو أدنى من التراجع والاختفاء، لولا انتشار بعض المدراس والمعاهد الدينية الإسلامية التي تعمل على نشر العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد