إثيوبيا التي مرت بصراعات وحروب متباينة خلال العهود السابقة ما بين الصراعات على السلطة وصراعات دينية داخلية أدت لتشريد الآلاف من المواطنين لدول الجوار؛ مما جعلها أكثر الدول التي استحقت اسم البلاد التي تصدر الحروب والمجاعة واللاجئين إلى دول الجوار.

وعقب هذه التجارب خرجت البلاد بالتجربة الفيدرالية التي قدمت لشعوبها تجربة فريدة نالت بموجبها كل الشعوب والقوميات الإثيوبية حقوقها في نشر ثقافتها وفكرها ودينها ومورثاتها الثقافية المتعددة وصل بهم الأمر أن تم إدخال مادة تعطي الحق لكل قومية تقرير مصيرها، والأكثر من ذلك الآن إثيوبيا تمارس فيها كل قومية معتقداتها الدينية بكل حرية، الشيء الذي كان قد أصبح مضربًا للأمثال، وحاولت العديد من الدول اكتساب الخبرات من التجربة الفيدرالية الإثيوبية.

ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من الخلافات التي بدأت بالحراك الديني، وبعض المطالب للمسلمين في البلاد تحت شعار (يجب أن يسمع صوتنا) هذه الاحتجاجات التي استمرت لعدة أشهر وذلك عقب انتشار ما يسمي مذهب الأحباش في البلاد، المذهب الذي عمل على نشره الشيخ الهرري، واعترض على انتشاره العديد من الأفراد بحجة أن هنال دعمًا حكوميًا لهذا المذهب ضد المذاهب الأخرى، وكان العديد من الاحتجاجات التي طالت المدن الإثيوبية في المساجد والاحتفالات الدينية المختلفة، وأدت لاعتقال العديد من الأفراد من قبل قوات الأمن والشرطة الفيدرالية، ووصلت إلى أن تم فرض الرقابة على العديد من المنظمات والبرامج التي تقام في البلد باسم الدين الإسلامي.

ولكن عقب هدوء الأوضاع في البلاد أثيرت بعض النعرات والصراعات بين بعض القبائل في البلاد بحجة مطالب قوميات كانت تعتقد بأنها مضطهدة، ولم تجد حقوقها كاملة، والتي بدأت بالقمأت في إقليم الأمهرا بما يسمي مطالب قبيلة القمأت داخل إقليم الأمهرا، والتي لها مطالب خاصة بها، فيما يخص حقوقها وإرثها الثقافي، ثم تطور الوضع لبعض الإشكالات في قضية إقليم الأمهرا ضد التقراي في إقليم الأمهرا، والتي بدأت بقضية أراضي ولقايت ودمجها في إقليم تقراي والأراضي التابعة لإقليم الأمهرا وتقراي، والحدود الفاصل بينهما، ولأي الإقليمين تنتمي ولقايت في شمال غرب إثيوبيا ما بين إقليمي الإمهرا، وتقراي، وتطورت الأحداث ما بين المطالب واضطهاد البعض، ونزوح الآلاف من المواطنين من إقليم الأمهرا؛ الأمر الذي جعل الخبراء يرون أن هنالك أيادي خلف تلك الأحداث ترمي لبعض المكاسب من خلف تلك الأحداث.

وتطور الوضع في إقليم أروميا بدأ بأحداث أريتشا في منطقة بيشوفتو، ووصولًا لمنطقة سبتا وحرق العديد من المصانع، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة ستة أشهر، واستمرارها لعام كامل بحجة فرض الأمن في البلاد، الشيء الذي حقق مكاسب للحكومة في السيطرة على الأوضاع الراهنة في تلك الفترة؛ مما قدم خبرات لحكومة إثيوبيا في هذه الأحداث، وجعلها تتخطي تلك الأحداث بإشادة لكبريات الدول والمنظمات الدولية التي اعترفت أيضًا بنجاح إثيوبيا للتصدي لحالة الجفاف التي اجتاحت البلاد مصاحبة لتلك الأحداث.

ولكن الآن في ظل التحديات التي تواجه الحكومة الفيدرالية الإثيوبية باندلاع الصراع في عدد من الأقاليم، مثل أروميا والأمهرا والصراع الأخير بين قوميتي الأرومو والصومال الإثيوبي التي راح ضحيتها عدد من الأفراد، ما بين نازحين وقتلى، يبدو أن الموقف قد بدأ في التأزم من وقت لآخر، خاصة في إقليم أروميا عقب الأحداث الأخيرة وامتناع عدد من طلاب بعض الأقاليم بالذهاب لمواصلة الدراسة في جامعات بعض الولايات الأخري، الشيء الذي اعتبر أكبر تحدي عقب وصول التجربة الفيدرالية الإثيوبية، والتي على ضوئها يتم تويع طلاب الولايات في بعض جامعات الولايات الأخري لخلق نوع من التواصل بين تلك القوميات لخلق جيل جديد واع، يعي أهمية التواصل، وعلى ما أعتقد أن الحكومة كانت تسعي لمحاربة القبلية الضيقة ونبذ النعرات لدي الجيل الجديد عبر التواصل في مختلف المجالات.

هنا يأتي السوأل هل ستدخل البلاد في مطب جديد باسم الصراع القبلي الصراعات المتعارف عليها في جميع أنحاء القارة الإفريقية؟ أم أن البلاد ستخرج من هذا المازق بصورة قوية؟ أم أن هذه الصراعات والخلافات مجرد واجهات لتقوي الحكومة موقفها وللتصدي لبعض الاتجاهات السياسية؟

العديد من الأسئلة تطرح نفسها في ظل مناداة بمعاداة أبناء تقراي في إقليم أروميا، بحجة أنهم أصحاب سلطة، وأنهم داعمو الحزب الحاكم، وهم من يستفيدون، وأن الوقت قد حان الآن لمواجهة تلك الأشياء، ومازالت الحكومة تقف مكتوفة الأيدي لمواجهة مثل تلك الأحداث في بعض المناطق في غرب البلاد في مناطق نقمت ومتو، أم سيكون هنالك أسلوب جديد سيتبعه الحزب الحاكم الذي مازال يواصل كل عام بإقامة احتفال باسم يوم الشعوب والقوميات الإثيوبية في وقت بدأت القوميات الإثيوبية تحارب بعضها البعض نسبة لانتمائها للأحزاب السياسية واختراقها من قبل تلك الأحزاب ونشاط دور الأحزاب السياسية المعارضة والمؤيدة للحكومة!

باتتت الاتجاهات السياسية في البلاد تنشط وتقوى أكثر من الانتماء للقومية التي كانت هي المرجعية في السابق، وهذا إن دل يدل على تطور العمل السياسي في البلاد، وأن الحزب السياسي الحاكم في البلاد بدأ يتخبط عقب فقدانه لقياداته التي كان لها دور كبير في لم شمل الجميع حولها والبعض بدأ يصدر القرارات دون الرجوع لأية جهة في المركز ، وهنا وجدت المعارضة في الخارج والداخل فرصة للنيل من هذا التماسك الذي بدأ ينهار عقب ضعف إيمان بعض القيادات بأحزابها.

قد نواجه موجة من الصراع على أساس القومية في ظل ضعف بعض الأحزاب، ولكن أن تقوم حكومة تتبع لقومية واحدة مستقبلًا، فهذا أعتقد أنه المستحيل لأنه قد يقود البلاد لمرحلة جديدة من الحروب العرقية؛ لأن الواقع الآن داخل البلاد يوضح صعوبة أن تقوم حكومة تتبع لقومية واحدة حتي لو كانت كبيرة العدد لأن التجربة السابقة للأحزاب الائتلافية هي الأكثر نجاحًا حتى لو ضعفت لفترات من الزمن، فالوقع الإثيوبي الآن يقول إن الأحزاب التي لها مرجعية عرقية لن تنجح، ولكن الأحزاب السياسية التي قد تجد فرصتها لم تنشئ بعد داخل البلاد.

المراحل القادمة كفيلة بالرد على العديد من الأسئلة، وخاصة في ظل منع إقامة أحزاب تستند على الأديان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إثيوبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد