في الحقيقة ما تبذله إثيوبيا من جهود لإحلال السلام في منطقة القرن الأفريقي، شيء يستحق الإشادة والتقدير من كل الأطراف الإقليمية والدولية، فبينما تقوم بحل خلافها الحدودي مع جارتها إريتريا، تحاول جاهدةً للجمع بين الفرقاء في جنوب السودان، من أجل إيجاد حل شامل للأزمة هناك، فضلًا عن قيامها بدعم الحكومة المركزية في الصومال، في مساعيها لإحكام سيطرتها على البلاد، وكفها عن التدخل في شؤونها الداخلية، من خلال إيقاف الدعم للأطراف المسلحة الصومالية، وعليه في هذا التحليل سنقوم بتقييم هذه الجهود، وفرص نجاحها في حل الأزمات الإقليمية من خلال الملفات الآتية:

في ملف الأزمة الإثيوبية الإريترية

في البداية نود الإشارة إلى أن الخلاف السياسي الذي جرى داخل النظام الإثيوبي في الفترة الفائتة، والذي أتى بأبي أحمد إلى رئاسة الوزراء، كان من ضمن أسبابه عدم الوصول إلى تفاهم في كيفية التعاطي مع النظام الإريتري، ومحاولة الاغتيال الأخيرة لأبي أحمد، تدل على أن هناك أطرافًا داخل النظام الإثيوبي منزعجة من التقارب مع أسمرا، وهذا ما أشرنا إليه في تحليلنا المنشور بتاريخ 27 فيراير من العام الجاري، والذي تحت عنوان: «قراءة في مآلات الصــــــراع داخل النظام الإثيوبي»، بصفحة هاف بوست العربية قديمًا، وعربي بوست حاليًا.

ولذلك أول ما صرح به أبي أحمد رئيس الوزارء الإثيوبي، هو إعلانه بجاهزية أديس أبابا لفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع أسمرا، وهذا ما أدى إلى التفاؤل في أن تتحسن العلاقات البينية المتأزمة بين البلدين، وبالإضافة إلى إرسال أديس أبابا رسائل إيجابية لأسمرا، وقبولها بالمطالب الأمريكية، في النزول عن سقف المطالب العالية، والتخفيف من المواقف المتشددة تجاه أسمرا. وهذا ما دفع مؤاخرًا إلى تجاوب النظام الإريتري مع النداءت الإثيوبية المتكررة، حتى أشاد رئيس النظام الإريتري أسياس أفورقي، بالخطوة الإثيوبية، وحسب المصادر الإخبارية المتواترة، قامت أسمرا بإرسال وفد إلى أديس أبابا من أجل التفاوض في الشؤون الخلافية بين البلدين، وهذا ما يعتبر دلائل ومؤشرات إيجابية في سياق حل الأزمة الإثيوبية – الإريترية.

وفيما يتعلق بسبب التقارب الإريتري الإثيوبي الخجول، يجدر الإشارة إلى أن العزلة الدولية التي يعاني منها النظام الإريتري، وغلق السودان لحدودة مع إريتريا، فضلًا عن تعطش أديس أبابا إلى الوصول إلى الطرق التجارة البحرية، دفع البلدين إلى بدء مفاوضات سلام، من أجل إيجاد حلول للملفات الخلافية.

وأما السبب الرئيسي الذي دفع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، إلى التوسط بين الطرفين، وحثهما إلى تحسين العلاقات البينية، يمكننا قراءته في إطار استراتيجية غربية شاملة حيال منطقة الشرق الأفريقي، والتي ترتكز على مبدء توحيد قوة المسيحين في المنطقة، والهدف بالطبع هو منع أن يكون البحرة الاحمر «بحيرة إسلامية»، وبالتالي تأزم العلاقات الإثيوبية الإريترية يضعف قوة المسيحين حسب المنظرين الغربيين، ما قد يتسبب في تهديد مصالح القوى الغربية في منطقة القرن الأفريقي.

وتأسيسًا على ما تقدم يمكنننا التفاؤل بالقول بأن الأزمة الإثيوبية الإريترية على مشارف الحل، في حال استمرار الروح السلمية البادية في موقف قيادة البلدين، وتوصلهما إلى تفاهمات نسبية في الملفات العالقة، بجانب استمرار الموقف الأمريكي الأوروبي الداعم لحل الأزمة.

ولكن لا بد من التذكير بأن النظام الإريتري الحاكم معروف بتصلبه في مواقفه حيال أي أزمة هو طرفٌ فيها، مع العلم بأنها سمة تلازم الأنظمة الدكتاتورية، وبالتالي يمكننا القول بأن النوايا الإثيوبية الحسنة، والمساعي الأمريكية الأوروبية الحثيثة، قد تصطدم بتحجر الموقف الإريتري، وهذا ما سيرجع الخلاف إلى سابق عهده، وقد يؤدي إلى انفجار صراع مسلح من جديد بين البلدين، وخصوصًا في ظل الاصطفافات الإقليمية، وصراع النفوذ الدولي المحموم الجاري في منطقة القرن الأفريقي.

في ملف أزمة جنوب السودان

وأيضًا الجهود الإثيوبية مستمر في إيجاد حل شامل لأكثر الأزمات تعقيدًا في منطقة الشرق الأفريقي، ألا وهي الحرب الأهلية الدائرة في جنوب السودان، وكما هو معروف أن هذه الأزمة يرجع سببها إلى خلاف سياسي عرقي بين التيارات القبلية داخل الحزب الحاكم هناك، «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، حيث انفجر الوضع بعد عامين من استقلال جنوب السودان، من السودان في العام 2011، وتسبب هذا الصراع في هجر الملايين لديارهم، وقتل مائات الألاف، مع موقف غربي عاجز، يتفرج حائرًا أمام ما يدور في أحدث الدول ميلادًا في العالم.

وفي إطار المساعي الإثيوبية المبذولة من أجل إيجاد حل لأزمة جنوب السودان، استطاعت حكومة أديس أبابا أن تُقنع وتحتضن اجتماع طرفي الصراع، حيث التقى سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان، مع زعيم المعاضة المسلحة ونائبه السابق الدكتور رياك مشار بحضور رئيس الوزراء أبي أحمد.

ومن خلال ما رشح في الإعلام من صور وتصريحات للأطراف المجتمعة في أديس أبابا، يلاحظ أن هناك تفاؤلًا لبعض المتابعين والمهتمين، مع العلم بأن الاجتماعات ما زالت مستمرة، وأما بالنسبة لموضوع إثمار الجهود الإثيوبية في حل أزمة جنوب السودان، فيمكننا القول بأن الأمر لا يكفي بأن تتجمع قادة الأطراف المتصارعة هناك، بل يحتاج إلى عقد مؤتمر وطني شامل، يجتمع فيه جميع الأطراف السياسية والقبلية والدينية الجنوبية السودانية، بجانب إشراك الفاعلين الدوليين والإقليمين فيه، بالإضافة إلى إعداد استراتيجية شامل، من أجل بناء دولة على أساس المواطنة، ومبدأ التوزيع العادل للثروات، علمًا بأنه مما تقدم لا نريد التقليل من جهود حكومة أبي أحمد المبذولة في هذا الملف، بل هي الحقيقة التي لا بد من أن تواجهها القيادة الإثيوبية المتفائلة.

وفي النهاية، لا بد من القول بأن كل الجهود المبذولة من طرف حكومة أديس أبابا، لإيجاد حلول شاملة لأزمات منطقة القرن الأفريقي، وخصوصًا أزمتي جنوب السودان وأزمتها الحدودية مع إريتريا، هي محل تقدير لجميع الفاعلين في قضايا القرن الأفريقي، وبالفعل قد تُفلح وتؤدي إلى استقرار بلدان المنطقة، وتنميتها سياسيًا واقتصاديًّا واجتماعيًا، وخصوصًا بأن هناك دعمًا غربيًّا للجهود الإثيوبية، وبالطبع الهدف من الدعم الغربي لإثيوبيا هو جعلها قوة إقليمية فاعلة في الملفات الإقليمية، تضبط من خلالها الأنظمة المارقة في المنطقة كالنظام الإريتري، والأزمات الأمنية التي تمس مصالح القوة الغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك