منذ قيام النظام الحالي في إثيوبيا، اعتمدت السياسة الخارجية الإثيوبية على السياسات الداخلية. وتؤكد وثيقة السياسة الخارجية والأمن القومي الإثيوبي ذلك من خلال جعل السياسة الخارجية خاضعة لأولويات السياسات الداخلية، التي تركز على تعزيز التنمية الاقتصادية والاستقرار والحكم الديمقراطي. كما حددت السياسة إقامة التعاون الاقتصادي وتعزيز المنافع المتبادلة عناصر رئيسة للدبلوماسية الإثيوبية، وسبيلًا لتحقيق أهدافها.

ويمثل ذلك الأساس لقناعة إثيوبيا بأن السلم والأمن الداخليين للدولة يلعبان دورا حاسما في ضمان تحقيق أهدافها وضمان وجودها الإقليمي، حيث يمكن أن يؤدي الخروج عن سيادة القانون في دولة ما، على سبيل المثال، إلى زعزعة استقرار البلدان المجاورة؛ لأن العنف يمكن أن يمتد عبر الحدود. ويزداد الوضع خطورة بالنسبة للبلدان التي تشترك في نفس المجموعات الإثنية عبر الحدود، حيث إن خطر نشوب نزاعات إثنية وعبورها للحدود وراد جدا. وفي مقابل ذلك فإن توطيد السلم والأمن الدائمين في دولة ما، يهيئ بيئة مواتية للازدهار الاقتصادي وبناء الديمقراطية.

وتخلق هذه القناعة حافزا قويا للعمل من أجل السلام والأمن في البلدان المجاورة. وتعمل إثيوبيا على تحقيق ذلك من خلال وسيلتين: الوساطة وحفظ السلام.

الوساطة

تؤدي إثيوبيا دورا قياديا في محادثات السلام في جنوب السودان، سواء بصفة أحادية، أو في إطار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد). وتقود أديس أبابا عملية السلام في جنوب السودان، بصفتها رئيسة لهيئة (إيجاد)، كما أنها أحد ضامني اتفاقية السلام الموقعة في أغسطس 2015 لتسوية الأزمة في جنوب السودان. كما تستضيف إثيوبيا محادثات السلام التي تعقدها اللجنة العليا المعنية بالتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي والمعنية بالشأن السوداني.

وتقوم إثيوبيا بوساطة أخرى في الصومال، حيث لعبت إثيوبيا دورا هاما في جمع الأطراف المتحاربة في الصومال معا لإقامة حكومة صومالية. وساهمت المحادثات التي جرت في العاصمة أديس أبابا ومنتجع سودري بشرق إثيوبيا، في التوصل إلى تفاهم بين القوى المتنافسة في الصومال.

المشاركة في عمليات حفظ السلام

لإثيوبيا تاريخ طويل من المشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث شاركت في بعثات لحفظ السلام في الكونغو وكوريا ورواندا وبوروندي وليبريا. وفي الوقت الراهن، تتواجد قوات إثيوبية لحفظ سلام في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. كما ساهمت إثيوبيا بكتيبة في قوة الحماية الإقليمية التابعة للأمم المتحدة التي يبلغ قوامها 4,000 فرد ومقرها في جوبا.

السودان

تم اختيار إثيوبيا للمشاركة في بعثة حفظ السلام في غرب السودان، حيث جرى النزاع بين الحكومة السودانية والمتمردين في دارفور؛ مما أودى بحياة نحو 70 ألف شخص، ونزوح ما يزيد عن 2.3 مليون شخص. وقد دفعت تلك التطورات، مجلس الأمن الدولي إلى اصدار قرار بنشر قوة مختلطة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور. وأبدت إثيوبيا تجاوبًا ونشرت تدريجيا قوات عسكرية بلغ قوامها 5000 فرد، إلى جانب 5 طائرات مروحية تكتيكية.

وفي إطار تنفيذ هذا القرار، تم نشر الدفعة الأولى من قوة حفظ السلام الإثيوبية إلى دارفور في عام 2008. وتميزت بعثة حفظ السلام الإثيوبية في دارفور بأنها مختلفة عن البعثات السابقة، نتيجة عاملين: العامل الأول هو أن انتشار القوات الإثيوبية جاء في بلد مجاور هو السودان، والذي تشترك إثيوبيا مع في حدود طويلة وموارد طبيعية ومجموعات عرقية وديانات مماثلة. وتمثل العامل الثاني في أن القوات الاثيوبية تولت مهام النقل وكافة الخدمات اللوجستية والاستطلاع والقوات الجوية وحفر آبار المياه العميقة، بالإضافة إلى أدوارها السابقة في نشر القوات البرية والموظفين والمراقبين العسكريين. وتشكل توليها تلك المسؤوليات الإضافية مؤشرات واضحة على القبول والثقة التي حققها الجيش الإثيوبي في الاضطلاع بمهمته لحفظ السلام، في إطار العملية الهجين للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في دارفور.

عملية حفظ السلام الاخرى الجديرة بالذكر هي عملية أبيي بين السودان وجنوب السودان، حيث تقوم قوة حفظ السلام الإثيوبية بتنفيذ هذه المهمة من جانب واحد. وبعد تقرير مصير جنوب السودان، اندلع نزاع بين حكومتي الشمال والجنوب حول منطقة أبيي الغنية بالنفط؛ مما دفع الأمم المتحدة إلى اقترح نشر بعثة لحفظ السلام في أبيي. وقررت الدول الخمس عشرة الأعضاء في مجلس الإمن الدولى بالإجماع نشر 4400 جندي إثيوبى للقيام بهذه المهمة وحفظ السلام.

وكان الأمر المثير للدهشة بشأن قرار مجلس الأمن الدولي آنذاك أنه لم يكن مجرد قرار توافقي استثنائي اتخذه أعضاء مجلس الأمن، بل استند إلى حقيقة أن طرفي النزاع، شمال وجنوب السودان، أعربا عن رغبتهما في نشر قوات حفظ سلام إثيوبية الأحادية الجانب في أبيى. وكانت تلك المرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة التي قرر فيها الأطراف الثلاثة المعنيين: (مجلس الأمن الدولي ، شمال وجنوب السودان) نشر عناصر من بلد واحد فقط كقوة حفظ سلام في منطقة نزاع.

الصومال

شارك الجيش الإثيوبي في بعثة أخرى لحفظ السلام في المنطقة، وهي بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميصوم). وقد تلقت إثيوبيا دعوة للانضمام إلى قوة حفظ السلام الإفريقية في الصومال وتعزيز بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال في عام 2014. وبناء على ذلك، تم نشر 4,403 فرد من قوات الدفاع الإثيوبية في الصومال، وتكليف قوة حفظ السلام الإثيوبية في القطاعين الثالث والرابع، حيث تضطلع القوة حالياً بمهامها على الوجه المطلوب.

ومن خلال المهمة التي أسندت إليه في إطار بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، فإن الجيش الإثيوبي يعمل كسفير للسلام في الصومال، حيث يعمل الجيش على الحفاظ على السلام في القطاعات التي أسندت إليه، والقضاء على العناصر الإرهابية في الصومال بالتعاون مع قوات أخرى في بعثة أميصوم، ويتعاون في إقامة هياكل إدارية مستقرة مع الشعب الصومالي.

تضطلع إثيوبيا بأنشطة وساطة وحفظ سلام هامة في إفريقيا وخارجها. وقد تمكنت إثيوبيا من تعزيز نموها الاقتصادي، وسعيا للحفاظ على هذا النمو والاستقرار الداخلي، اعتمدت إثيوبيا في سياستها الخارجية على العمل مع البلدان المجاورة من أجل ضمان السلام والاستقرار.

ومع النمو المطرد الذي يشهده الاقتصاد الإثيوبي خلال اثني عشر عاما، فإن حفظ هذا النمو لا يتطلب السلام والأمن الداخليين وحسب، وإنما السلام الإقليمي أيضا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد