لا شك أن مشهد تعارض الرؤى بين أطراف سد النهضة الإثيوبي هو المشهد الغالب على مسلسل اجتماعات المتفاوضين في أغلب المرات، حتى أدى ذلك إلى تلوين البيئة التفاوضية بالغموض والتوجس والتقلب في المواقف، وانعدام الثقة بين الأطراف؛ مما أفرز واقعًا متصادمًا في العلاقات الثلاثية بين الدول بدلًا عن لغة التعاون والتشارك التي سادة فترات الماراثون التفاوضي الأولية.

إن النتيجة الوحيدة المستخلصة من التصريحات التي تتواتر من عواصم الدول المتفاوضة هي حرب الإرادات المستعرة منذ أن شرعت إثيوبيا في إنشاء سدها المزعوم؛ إذ يسعى أي طرف إلى فرض رؤيته، وتغليب إرادته على الآخر من خلال استخدام أسلوب المناورة التفاوضية والترويج لمقاربته عبر التحركات الدبلوماسية في العواصم المختلفة، وأروقة المنظمات الأممية والإقليمية، وتفعيل دور الدبلوماسية الشعبية.

وبالعودة إلى توقيت شروع إثيوبيا في إنشاء سدها المزعوم كان دليلًا واضحًا على سوء نيتها في استغلال المياة كأداة تركع من خلالها دول المصب «Downstream Countries»، فضلًا عن مساعي سنها لسنن جديدة في قضية تقاسم المياة بين دول حوض النيل. ولذلك نرى القيادة الإثيوبية الحالية المتحكمة بمقاليد الأمور في أديس أبابا كلما اجمتعت الأطراف في عاصمة من عواصم التوسط في هذه القضية تزج بمسألة تقاسم المياه التي لم تحدد في بنود القانون الدولي الموقع في العام 1997.

ومن خلال تتبعنا للنتائج التي تخرج بها الأطراف عقب كل جولة تفاوضية يمكننا القول أن كل طرف يريد أن يحقق أقصى نتيجة مرضية له ولشعبه وتجاهل تخوفات الأطراف الأخرى، وفي هذا السياق يعتقد البعض أن إثيوبيا التي فقدت العقلانية في موقفها والراجحة في طرحها حتى باتت تبث مقاربات لا يقبلها العقل السليم الذي يؤمن بالتشارك المعقول مع شعوب تجاورت عبر آلاف السنين، بتعبير آخر يعلم الجميع أن سد النهضة كان يحظى بدعم وإجماع سوداني شبه شامل، ولكن بعض السلوكيات التي بدرت من القيادة الإثيوبية الحالية وادعاء أحقيتها لمنطقة الفشقة السودانية انقلبت القناعات السودانية تجاه إثيوبيا، وباتت عدوًا يتربص بأمن واستقرار أهل السودان طبقًا كما فعلت في خطوة ملء الأولى لسدها المزعوم.

مستقبل حرب كسر الإرادات الثلاثية

لا شك أن قيام سد النهضة بحسب الرؤية والإثيوبية ينذر بتأزمات خطيرة تلحق بعلاقات شعوب دول حوض النيل؛ إذ لا يعقل لطرف يتأذى من سياسات طرف أن تنتظر منه الصبر والاحتساب، وبالتالي يمكن القول إن سد النهضة الإثيوبي سيكون مولدًا للأزمات في المنطقة، بدلًا عن الكهرباء الرخيصة التي يحلم بها الشعب السوداني.

قد يتحلى الجيل السوداني والمصري الحالي برؤية إثارية لا يرى من خلالها حجم الضرر الذي سيقع على الأجيال القادمة، ولكن بطبيعة الحال وفي ظل الاحتياجات المائية المتزايدة بصورة مطردة في دول الإقليم ستتصادم شعوب هذه المنطقة وستستنزف مواردها في حروب عبثية.

بالطبع إن استشراف المستقبل واستقراء أحداثه قد يحتاج إلى المزيد من التجاسر والتبصر واصطحاب معطيات الحاضر، ولكن الثابت في مثل هذه الأمور أن الشعوب تكافح لأجل البقاء، وليس لأجل التنمية، كما تروج القيادة الأمهرية في إثيوبيا، وبالتالي المساس بحق شعوب وادي النيل «السودان ومصر»، وكسر إرادتهما، واستسهال حقهما في الحياة، سيكلف المنطقة، وإثيوبيا بالتحديد، المزيد، لذلك على القيادة الإثيوبية الحالية أن لا تسعى إلى توحيد داخلها المتشظي من خلال سياسات مائية مرحلية قد لا تعود بالنفع على شعبها القابع في ذيل قائمة التصنيف الأممية الإنمائية.

في المحصلة لتفادي الصراع بين الدول الثلاث يتوجب على كل الأطراف تفهم بعضها، وأن تتخلى الأطراف عن المعادلات الصفرية، وأن لا تحاول فرض إرادتها على الأطراف الأخرى؛ لأن لكل طرف أدواته واختياراته للتعامل مع المهددات التي تجابهه، وتحتم عليه استخدامها ما أن يتطلب الأمر ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد