بخطا واثقة دون أدنى شك أو ارتياب يسير الإثيوبيون لملء سد النهضة في يوليو (تموز) المقبل، بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق مع مصر من عدمه بحسب ما أعلن، بينما اقتصر التحرك المصري بشكوى لمجلس الأمن الذي لم يحل يومًا قضية إلا بتوافق الكبار على مصلحة أو دور فيها. فالتماس أشواط إضافية للحوار هو في حد ذاته إقرار بالهزيمة ومنح وقت ثمين لاستكمال بناء سد النهضة بشكل نهائي.

في الوقت الذي يحذر فيه الخبراء من أن شعب مصر سيعيش سنوات قادمة من الجفاف، والقحط، والاختلال المائي، يواصل النظام العسكري في القاهرة استعراض عنترياته وجوقته الإعلامية لتصوير منجزات ومشاريع وهمية بميزانيات خيالية، في إشارة لغياب أي بوصلة تنموية تحدد أولويات هذا البلد الذي مر بثورة عام 2011، لم يقطف أحد ثمارها سوى جماعة السيسي الذي وصفها – هذا الأخير – بالفوضى التي لن تتكرر.

السيسي يعلم أن مصر انهزمت أمام إثيوبيا في معركتي غوندت وغورا عامي 1875 و1876 وربما أبلغ أيضًا أنه بالرغم من التفوق العسكري المصري على إثيوبيا كمًا ونوعًا، إلا أن الطائرات المقاتلة التي تمتلكها مصر لا يمكنها الطيران 2500 كيلومتر الفاصلة دون التزود بالوقود. وإذا حُلت مشكلة التزود بالوقود فإن الطيران المصري عليه أن يجتاز الأجواء السودانية، وهي مشكلة ثانية؛ إذ لم يبلور السودان موقفًا واضحًا من الأزمة، وثمة فوائد ستعود عليه من بناء السد، مثل ضبط منسوب الفيضان والاستفادة من الكهرباء، فضلًا عن أن الظروف السياسية الحالية في السودان ربما تجعل الخرطوم تفضل عدم التورط في مشكلة من هذا النوع مع جارتها إثيوبيا، وإذا تم اختيار دول جوار إثيوبيا مثل إريتريا، وجيبوتي، والصومال، فإن ذلك أيضًا سيواجه عوائق، أبرزها أن هذه الدول ربما تخشى رد الفعل الإثيوبي، فضلًا عن أن أديس أبابا حسنت في الفترة الأخيرة علاقاتها بجيرانها سياسيًا واقتصاديًا.

تفوق ديبلوماسية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام وتصريح رئيس هيئة الأركان الإثيوبي الجنرال برهانو جولا على أن إثيوبيا ستدافع عن مصالحها حتى النهاية في مسألة سد النهضة حتى إذا وصل الأمر إلى حرب ضد مصر، جعلا السيسي يظهر كمن يبحث عن خصم في المتناول لاستعراض عضلاته وعن مستنقع أقل تكلفة وتعقيدًا لزج الجيش المصري فيه وإبعاد الأنظار عن الأمن المائي باعتباره القضية الأولى لشعب مصر.

العبرة بليبيا لتحقيق البطولة وشارة المشير عن استحقاق وسحق الإخوان وإخافة الإثيوبيين أكثر للعودة لطاولة التفاوض والحاق الهزيمة بالأتراك الذين وصفوه بالانقلابي وضمان الدعم الأوروبي والخليجي بـ«الأرز»، هكذا فكر، أو قيل له، ولذلك اعتبر في تصريحاته أكثر من مرة أن ليبيا مسألة أمن قومي، وكأن ليبيا مدينة مصرية خرجت عن سلطة الدولة في السعي لاستعادتها.

حماسة السيسي الزائدة التي ظهرت جليًا حين طرح مبادرته «إعلان القاهرة» متعاليا بشروطه التعجيزية وإلى جانبه حفتر وصالح، التي جاء فيها حسب قوله تسليم سلاح المليشيات وتفكيكها، يعيد للأذهان حرب عبد الناصر سنوات الستينات من القرن الماضي حين زج بـ70 ألف مقاتل في بلد اسمه اليمن يبعده بـ2212 كيلومتر نكاية في الأنظمة الملكية تاركًا على حدوده المباشرة عدوًا إسرائيليا استغل ضعف قواته وتشتتها لينتزع منه صحراء سيناء كاملة بمساحة 60088 كم² في هزيمة 1967.

للتنفيس عن الأزمة الإثيوبية التي اختنق بها تذكر السيسي أخيرًا شيئًا اسمه «الشرعية» التي انقلب عنها في الأمس ليبرر تدخله، ويضيف لمنجزاته جبهة جديدة ستستنزف إن طالت الجيش والاقتصاد وجيوب المصريين المتهالكة أصلًا، حرب ما كان لها أن تكون لو لم يحس السيسي أن رفيقًا عسكريًا انقلابيًا وابن عمومة يتقاسم معه نفس الطريق وجب مساندته ولو على حساب مقدرات الدولة.

من الملاحظ أن الأطراف المتدخلة في ليبيا تبحث عن مصلحة أو جزء من خيرات وثروات هذا البلد باستثناء نظام السيسي الذي يذكرنا بالأنظمة العسكرية التي تبنى فيها القرارات المفصلية الموجهة لحاضر ومستقبل الدولة وفق عقلية وهوى شخص، وليس مؤسسات فيما يشبه الوكيل الذي يدعم بالسلاح لتحصد موسكو وباريس الثمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد