عقب مظاهرات واحتجاجات حاشدة استمرت لأيام، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين تشكيلًا وزاريًّا جديدًا­­ ضمّ لأول مرة منذ وصول «الجبهة الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» إلى سدة الحكم، أغلبية من التكنوقراط والمستقلين، كما راعى التشكيل الجديد تمثيلًا لقوميتي «الأورمو والأمهرا» وهما المجموعتان اللتان شهدت مناطقهما احتجاجات وأعمال عنف خلفت عددًا من القتلى والجرحى.

تشكيل الحكومة الجديدة، خطوة يمكن اعتبارها تنازلًا مطلوبًا، وتصرفًا حكيمًا من رئيس الوزراء، والحزب الحاكم الذي تولى مقاليد الأمور في الهضبة الإثيوبية منذ حوالي 25 عامًا، إذ إنه ليس من السهل على حزب ظلّ مسيطرًا على دولة ما طيلة هذه المدة أن يقدم تنازلات وإصلاحات حقيقية كتلك التي أعلنها ديسالين أمام البرلمان، الأسبوع الماضي.

بالتزامن مع الحكومة الجديدة التي أدت القسم مباشرة، وقّع وزير الدفاع «سراج فقيسا» اتفاق سلام مع زعيم «الجبهة الوطنية المتحدة» المعارِضة «توت بول شاي»، التي قادت حربًا ضد الحكومة الإثيوبية لنحو عقدين من الزمان، بهدف إنهاء كافة أشكال العدائيات والعمل المسلح. وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، «فإن الجبهة الوطنية، ستجد كل الترحيب والدعم من الحكومة الإثيوبية لانتهاجها مبدأ الحوار والتفاوض والعمل السلمي داخل البلاد». كما ذكر وزير الدفاع أنه سيتم استيعاب أفراد الجبهة (في مؤسسات الدولة). وأن حكومة بلاده ترحب بكل من يعود الى البلاد لممارسة العمل السياسي السلمي.

هذه الأحداث والتصريحات الإيجابية المتسارعة، تؤكد وبصورة واضحة أن الحكومة الإثيوبية قررت المُضي قُدُمًا في إجراء إصلاحات حقيقية، تعهد بها رئيس الوزراء عقب إعلانه حالة الطوارئ بداية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وهو أمر نادر الحدوث في أفريقيا التي تعوّد حكامها على الديكتاتورية، والقمع، وعدم الاستجابة لمطالب الأطراف الأخرى.

غير أن طريق الإصلاح وتعزيز المشاركة السياسية ما يزال طويلًا أمام حكومة إثيوبيا، فهناك العديد من الملفات التي تنتظر المعالجة، مثل قضية توسيع حدود العاصمة أديس أبابا التي من المتوقع أن تشمل أجزاءً أخرى من مناطق إقليم «أوروميا»، إلى جانب موضوع أراضي المزارعين التي يرون أن الحكومة انتزعتها منهم لصالح المستثمرين الأجانب. إضافة إلى ذلك نرى أن الحكومة معنية بالمزيد من التواصل مع شعبها وقومياتها المختلفة، فرغم مظاهر الوحدة الوطنية والتجانس بين القوميات والأقاليم الإثيوبية، إلا أن الأحداث الأخيرة ألقت بظلالها على النسيج الاجتماعي، وشهدت بعض المناطق تحريضًا وأعمالًا عدائية ضد أبناء القوميات الأخرى، رغم بساطتهم وعدم تدخلهم في شؤون السياسة والحكم.

يُفاخر ائتلاف «الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» الحاكم بالنهضة والطفرة الهائلة التي شهدتها البلاد في فترة توليه للحكم، خصوصًا في السنوات الأخيرة من عهد رئيس الوزراء الراحل مليس زيناوي، وخلفه الحالي ديسالين، حيث نجحت الدولة في استقطاب استثمارات هائلة غيرت معالم الجمهورية والعاصمة أديس أبابا، ومنحت المستثمرين ميزات تفضيلية حتى أضحى الاقتصاد الإثيوبي من أسرع الاقتصادات نموًا في القارة الأفريقية.

أيضًا نجحت وزيرة الثقافة والسياحة السابقة عائشة محمد التي تم تعيينها وزيرة للإنشاءات والتعمير بالتشكيل الجديد، في جذب انتباه العديد من السياح حول العالم، من خلال اعتماد نوعية جديدة من الدعاية والتسويق الذكي؛ لإبراز كنوز البلاد وأماكنها السياحية والتاريخية، وكذلك تاريخها الإسلامي، حيث تعرف إثيوبيا وإريتريا ببلاد الحبشة في الأدبيات الإسلامية القديمة.

تلك الإنجازات إلى جانب مشروع سد النهضة الذي يتوقع أن ينتهي خلال العام المقبل، تشكل رصيدًا ضخمًا يستند عليه الحزب الحاكم، ما يجعل موقفه قويًّا إذا أطلق حوارًا شاملًا مع الأحزاب والقوى السياسية المعارِضة. وقد نوهنا في وقت سابق بتجربة إثيوبيا الثرة في رعاية جولات التفاوض وجمع الفرقاء، مستفيدة من ثقلها الأفريقي ودبلوماسيتها الهادئة.

إلا أن جمهورية إثيوبيا ما تزال في حاجة إلى مزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، لأنها ما تزال مجهولة للكثيرين، نسبة لانكفاء الإعلام الإثيوبي وتركيزه على إيصال رسالته إلى الجمهور الداخلي، لذلك نتمنى من الحكومة الجديدة أن تهتم بملف الإعلام وتعريف الرأي العام بما يجري داخل البلاد من أحداث. نقترح في هذا الخصوص إنشاء قنوات فضائية بلغات متعددة، كما يمكن الاستعانة ببعض الفضائيات والصحف العالمية في توصيل وجهة النظر الرسمية، والترويج لمكانة الدولة ومعالمها السياحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد