أعلنت دولة إثيوبيا في فبراير (شباط) 2011 عن عزمها إنشاء سد مائي على مجرى نهر النيل الأزرق، والذي يقع على بعد 20-40 كم من الحدود السودانية بسعة تخزينية تقدر بحوالي 16.5 ملليمتر مكعب والتعاقد مع شركة «ساليني» الإيطالية المتخصصة في بناء السدود المائية بالأمر المباشر، وتم الشروع في وضع حجر الأساس لهذا السد في 2 أبريل (نيسان) 2011، وهو يمثل أحد السدود الأربعة التي اقترحتها دراسة الأمريكية تعود إلى عام 1964.

ويمكن عرض مجموعة حقائق حول هذا السد الأثيوبي – سد النهضة – أو سد الألفية الكبير كما تطلق عليه الحكومة الأثيوبية تتلخص في التالي:

منذ فترة طويلة وأثيوبيا تسعى لبناء سد يوفر لشعبها الاحتياجات المائية، ولكنها لم تقدم فعليًا على هذه الخطوة إلا مؤخرًا حيث بدأت في بناء السد عام 2011.

يقع السد في منطقة بينيشانغول، وهي أرض شاسعة جافة على الحدود السودانية تبعد 900 كيلو متر شمال غربي العاصمة أديس أبابا، الذي مكن الحكومة الأثيوبية من توفير مساحة واسعة من الأراضي لبناء هذا السد الذي يستوعب مساحة تبلغ 1800 كيلو متر مربع؛ ويبلغ ارتفاع سد النهضة 170 مترًا؛ ليصبح بذلك أكبر سد للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

تكلف المشروع نحو 4.7 مليار دولار مولت أغلبه الحكومة الإثيوبية فضلًا عن بعض الجهات الإقليمية والدولية التي لها مصالح آنية أو مستقبلية في بناء السد بعد الحصول على توقيع اتفاقية مبادئ مع الحكومة المصرية في مارس (آذار) 2015.

السعة التخزينية للسد لـ74 مليار متر مكعب، وهي مساوية تقريبًا لحصتي مصر والسودان السنوية مجتمعة من مياه النيل.

وللسد القدرة على توليد نحو ستة آلاف ميجاواط من الطاقة الكهربائية، وهو ما يعادل ثلاثة اضعاف الطاقة الكهربائية المولدة من المحطة الكهرومائية لسد أسوان المصري.

تأثير السد على دولتي السودان ومصر الذي حذر منه الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري المصري السابق، من سعي دولة إثيوبيا لإقامة العديد من السدود على نهر النيل، مشيرًا إلى أن إعلان أديس أبابا عن إقامة أضخم سد على النيل – الألفية العظيم – لتوليد 5250 ميجاواط من الكهرباء يؤكد أنها ستواصل خططها للتحكم الكامل في مياه النيل الأزرق الذى يمد مصر بـ85% من حصة الدولة من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.

إن الجوانب الكارثية لهذا السدّ تتمثل فيما اعلنه الدكتور جمال صيام في دراسته التي نُشِرت بعنوان (الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المُحتمَلة لسدّ النهضة الإثيوبي وانعكاساتها على مستقبل الزراعة المصرية)، ومن أهم ما جاء فيها ما تُصرّ عليه إثيوبيا من أنها ترغب في تخزين المياه خلف سدّ النهضة في أقل من ثلاث سنوات وليس ست سنوات كما طالبت الدول المحايدة، وأن قِصَر هذه المدة يعني الجفاف لمصر، وأنه سيناريو سيّئ جدًا إذا ما قرّرت إثيوبيا أن تملأ بحيرة السدّ في ثلاث سنوات فقط فسترتفع الكمية المحجوزة سنويًا خلف سدّ النهضة إلى 24.7 مليار متر مكعب نصيب مصر منها 18.5 مليار متر مكعب سنويًا ترتفع إلى 25.5 مليار متر مكعب سنويًا في حال الفيضان الضعيف.

الأمر الذي يعني تبوير 4.6 ملايين فدان أي أكثر من 51.5% من الرقعة الزراعية الحالية. أما بالنسبة إلى التوزيع الجغرافي للمساحة الزراعية المفقودة فيتوقّف على أيّ المناطق أكثر تضرّرًا.

ويتوقّع أن تتفاقم الفجوة الغذائية وتتجّه إلى الاتّساع بشكل جوهري نظرًا لأن محاصيل الحبوب وهي عَصَب الأمن الغذائي سوف تتأثّر سلبًا بدرجة أكبر بالمقارنة للزروع البستانية، وتتركّز محاصيل الحبوب في منطقة الدلتا التي ستضرَّر أكثر من غيرها من المناطق الزراعية.

أما عن الآثار الاجتماعية فإن السدّ سوف يُنشئ ظروفًا غاية في الصعوبة لقطاعات عريضة من السكّان الريفيين خاصة في المناطق المُتضرِّرة بنقص الموارد المائية. وبصفة عامة يمكن تقدير عدد السكّان الزراعيين المتضررين بشكل تقريبي. وذلك على أساس أن العدد الكلّي للسكّان الزراعيين 40 مليون نسمة يتعيّشون على المساحة الزراعية الإجمالية البالغة 9 ملايين فدان، فتكون حمولة الفدان من السكّان 4.4 أفراد، أي أن كل مليون فدان يعول 4.4 ملايين نسمة. وفي حال يكون طول فترة تخزين المياه خلف سدّ النهضة لأكثر من ست سنوات والتي سيتم فيها فقد 1.6 مليون فدان، يفقد 7 ملايين نسمة مصدر دخلهم الرئيس، أما في حال تكون فترة ملء السد في فترة أقل من ست سنوات تخزين مياه فيزيد عدد السكّان الزراعيين مصدر دخلهم إلى 12.8 مليون نسمة. وفي حال المقترح الثالث الذي تتمسك به إثيوبيا وهو أن تكون الفترة ثلاث سنوات، فسوف يقود إلى زيادة عدد السكّان المُتضرّرين الفاقدين لدخولهم 20.2 مليون نسمة أي نصف عدد السكّان الزراعيين. وسينشأ عن هذه السيناريوهات – كما تذهب دراسة صيام الخبير المائي والزراعي المعروف – مشاكل خطيرة تتعلّق بالهجرة الريفية المُتزايدة إلى المدن وارتفاع معدّلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة قد تكون سببًا في خلق قلاقل اجتماعية على نطاق واسع.

أما تداعيات بناء السد على ليبيا تلك الدولة التي ليست دولة منبع ولا ممر ولا مصب لنهر النيل؛ تكمن في تلك الارتدادات المزلزلة الناتجة عن بناء السد وتأثيراته الخطيرة المباشرة على دولتي مصر والسودان، وخاصة مصر.

وامتدادها يصل بطريقة غير مباشرة، ولكنها مؤثرة تأثير عميق وجذري على الدولة الليبية التي تمتلك حدود برية واسعة مع مصر والسودان.

في حين هي تمتلك مساحات شاعة من الأراضي تطفو على بحار من النفط مع قلة في عدد السكان, وفي ظروف سياسية معقدة تتمثل في انقسام حاد في مؤسساتها السيادية وانهيار المؤسسة العسكرية والامنية مع احتراب داخلي واقع تحت مؤثرات إقليمية ودولية متجاذبة ومتصارعة على الاستفادة من مقدرات الدولة الليبية.

نجح المحيط الاقليمي والدولي في استقطاب العناصر الليبية المتصارعة وجعلها أطرافًا مرتهنة للطرف الداعم لها كل حسب مصالحه مع الطرف الداعم، وكان لمصر دور بارز في تأجيج الصراع بين الأطراف الليبية بتخليها عن دور الوسيط واصطفافها إلى جانب طرف ترى أنه الجدير بتحقيق المصالح والأهداف المصرية المتصاعدة في ليبيا بصفة عامة والشرق بصفة خاصة. لكونه يمثل القرب الجغرافي وبكونه منطقة غنية بالنفط الذي تفتقده مصر، وهو ما أعلن عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر من رغبة المجلس العسكري الحاكم آنذاك في الاستيلاء على الشرق الليبي المعروف تاريخيًا بإقليم برقة، وتبعه الكثير من التصريحات للمسؤولين المصريين وأعضاء برلمان وكان آخرها رفع دعوة أمام إحدى المحاكم المصرية للنظر في تبعية جزء من التراب الليبي برقة للدولة المصرية.

تلا هذه التصريحات والدعوات تصريحات من بعض القادة العسكريين الليبيين المتنفذين في الشرق تصب في نفس الموضوع منها تقديم مصلحة مصر على ليبيا ومنها الدعوة إلى تصدير النفط الليبي إلى مصر دون مقابل واعتباره حقًا لها، وكذلك تصريح أحد النواب بأنه يفضل أن تحكمه مصر على أن يبقى تحت حكم طرابلس، وآخر تصريح لمسؤول عسكري كبير في الشرق الليبي قال فيه أن ليبيا تحتاج إلى توطين 10 مليون إنسان للمشاركة في عملية التنمية، وهو ما لاقى استياءً كبيرًا وقلق شديد لدي الكثير من الليبيين.

والخطورة لم تعد في بناء السد، الذي شرعت الحكومة الإثيوبية في بنائه وقطعت شوطًا كبيرًا في مراحل البناء بوتيرة متسارعة وبدعم دولي وإقليمي كبير، سهل أمامها إنجاز مراحل البناء إلى أن قاربت 70/100، مما تجاوز النقاش حول أصل بناء السد الذي أصبح أمرًا واقعًا إلى النقاش حول المدة الزمنية التي تستغرقها فترة ملء السد، والتي تعمل الحكومة الإثيوبية على أن تكون مدة ثلاث سنوات، بينما الحكومة المصرية تطالب أن تكون فترة تعبئة السد لا تقل عن سبع سنوات على أضيق تقدير يمكن أن تتحمله؛ إلا ان الحكومة الإثيوبية مصرة على مسابقة الزمن في تعبئة السد لتفعيل المشاريع الزراعية وإنتاج الكهرباء، وهو الغرض الأساسي الذي أقيم السد لأجله، وهو ما يعود على مصر بتبوير أكثر من 4 ملايين فدان من الأراضي الزراعية التي يعيش عليها ما يقارب من 25 مليون مزارع مصري، أي بنسبة تصل إلى ربع العدد الإجمالي من سكان القطر المصر، وهو ما يدفع بهم إلى هجر الأراضي التي سوف تتحول إلى بور نتيجة تداعيات التعبية المتسارعة للسد؛ مما يضطرهم إلى هجرة داخلية وخارجية، ونظرًا لشح المياه في الداخل سوف يكون أكبر عدد من المهاجرين سوف يتجه إلى الخارج، وسوف تكون ليبيا هي الوجهة الأقرب والأسهل للمعطيات التي ذكرنا سابقًا.

فهجرة عدة ملايين من المصريين تجاه ليبيا سوف تأخذ أحد الطابعين، الأول سوف يكون على شكل تدفق هجرات عبر الحدود باتجاه الغرب في البحث عن فرص العمل وتتمدد مع الوقت في العمق الليبي، والطابع الثاني ربما يكون عن طريق تدخل عسكري تحت أي شعار مصحوب بموجات بشرية كبيرة ومتلاحقة يؤمن لها الاستقرار في ليبيا والانتفاع بما فيها من ثروات نفطية كبيرة مع التخفيف من حدة الكثافة السكانية في مصر التي تضررت بسبب نقص مياه النيل.

وبالنظر إلى الكثافة السكانية المحدودة في ليبيا والتركيبة الاجتماعية التي تمر بتمزق كبير فإن هذه الموجات سوف تؤثر على التركيبة الديموغرافية الليبية وتقلبها راسًا على عقب على المدى القريب، وليس البعيد، وربما نجد شكلًا آخر أو ربما مسمى، أو مسميات أخرى وجديدة لدولة ليبيا إن لم تستطيع الحكومة المصرية كبح جماح إثيوبيا وإجبارها على تبني خطة طويلة نسبيًا في عملية ملء سدها، وكذلك إن لم يأخذ الليبيون بكافة توجهاتهم السياسية والجهوية والمصلحية خطورة تداعيات ملء سد إثيوبيا عليهم، وعلى مستقبل بلادهم الواقعة بين الاحتراب الداخلي وخطر التغيير الديموغرافي الذي تفرضه ظروف دوليه وإقليمية لا تضع مصلحة ليبيا ولا الليبيين في عين الاعتبار طالما لا تؤثر هذه الأخطار على مصالح تلك الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد