قام رئيس وزراء جمهورية إثيوبيا هيلا ماريام دسالين بزيارة رسمية إلى دولة قطر خلال الفترة من 13 إلى 15 نوفمبر 2017، لبحث العلاقات الثنائية بين إثيوبيا وقطر، بيد أن الزيارة قوبلت باهتمام إعلامي من بعض وسائل الإعلام المصرية التي أولتها بتأويلات مختلفة وربطتها بسد النهضة، وهو ما دأبت عليه وسائل الإعلام المصرية في السنوات الأخيرة متجاهلة حقيقة أن إثيوبيا ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية متنوعة مع دول الخليج، ولا تستهدف مصر بأي صورة كانت.

تم خلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي إلى قطر التوقيع على ثلاث اتفاقيات: اتفاقية للتعاون الدفاعي بين وزارتي الدفاع الإثيوبية والقطرية، واتفاقية حول إلغاء متطلبات التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والخدمة، واتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار، ليرتفع بذلك عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين إلى أكثر من 18 اتفاقية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي عند وصوله إلى مطار أديس أبابا كشفت عن توصل البلدين إلى اتفاقيات لتوسيع التعاون في مجالات جديدة، تشمل الغاز الطبيعي، وإنشاء مصنع للأسمدة في إثيوبيا، في ظل الطلب المتزايد على الأسمدة للقطاع الزراعي الإثيوبي، والتعاون في تطوير حوض نهر «أومو – جيبي» أحد الأحواض النهرية التسعة في البلاد، التي تسعى الحكومة الإثيوبية إلى تطويرها في إطار جهودها التنموية.

كما نال التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين اهتمامًا خلال الزيارة، حيث بحث وزيرا الدفاع العلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات الدفاعية والعسكرية وسبل تعزيزها، بما في ذلك تبادل الخبرات والدورات التدريبية العسكرية، بالإضافة إلى بحث التعاون في مجال محاربة الإرهاب بما في ذلك عبر تبادل المعلومات ودعم بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وتعزيز جهود منع الاتجار بالبشر وغسيل الأموال وحماية البيئة وتغير المناخ، والتي تعد من جملة تحديات أمنية مشتركة تهدد المنطقة.

قوبلت الزيارة باهتمام إعلامي من بعض وسائل الإعلام المصرية التي أولتها بتأويلات مختلفة وربطتها بتعثر الجولة السابعة عشر للمفاوضات حول سد النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر، التي استقبلتها القاهرة خلال يومي 11-12 نوفمبر الجاري، وزعمت بوجود دور قطري في تمويل السد، الأمر الذي دأبت عليه وسائل الإعلام المصرية في السنوات الأخيرة متجاهلة حقيقة أن إثيوبيا ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية متنوعة مع دول الخليج، ولها حساباتها وأهدافها الرامية لخدمة مصالحها القومية، ولا تستهدف مصر أو أي دولة أخرى بأي صورة كانت.

تأتي زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي إلى قطر في ظل تقدم مطرد تشهده العلاقات الإثيوبية القطرية. والمتابع لسير تلك العلاقات يدرك أنها شهدت مدًا وجزرًا منذ العقد الماضي، وصل حدته بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد اتهام إثيوبيا لقطر باستخدام إعلامها ضدها ودعم جماعات إرهابية في إثيوبيا، إلا أنها استؤنفت بعد عملية حوار أنهت القطيعة وفتحت فصلًا جديدًا في علاقات البلدين وركزت على تعاون يحقق أهدافهما المشتركة.

لا يمكن قراءة الزيارة بشكل منفصل عن التوجهات العامة للسياسة الخارجية الإثيوبية خلال العقدين الماضيين مع العالم العربي، ومع دول الخليج بصورة خاصة، ولا سيما خلال السنوات القليلة الماضية.

وثيقة السياسة الخارجية والأمن القومي الصادرة عن وزارة الخارجية الإثيوبية في عام 2002، والتي تحدد نظرة وتعامل إثيوبيا مع محيطها الخارجي، وضعت التنمية على سلم أولويات الحكومة الإثيوبية، وموجهًا لعلاقاتها وسياستها الخارجية بما في ذلك مع الدول العربية، ووضعت السياسة تحقيق التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر الذي ظلت تعانيه الشعوب الإثيوبية عبر عقود طويلة أحد أهدافها الرئيسية.
وقد رأت إثيوبيا في تطوير إمكانياتها ومواردها الطبيعية والبشرية الهائلة أحد الوسائل الممكنة لتحقيق هذه الغاية، فكان التركيز على جذب الاستثمار الخارجي عبر تنويع مجالات الاستثمارات وتسهيل السياسات وتهيئة البيئة المواتية للمستثمر الأجنبي، مما جعل إثيوبيا ضمن مصاف الدول الأكثر جذبًا للاستثمار في القارة الأفريقية، ومن بين الاقتصادات الاسرع نموًا للبلدان غير المنتجة للنفط عالميًا، بنسبة نمو بلغت 11% العام الماضي، مما أسهم في تدفق الاستثمارات من مختلف دول العالم، بما في ذلك من الصين والهند وتركيا ودول الخليج، التي تعتبر استثماراتها مجتمعة من بين أكبر الاستثمارات الأجنبية في إثيوبيا بعد الصين وتركيا بحسب بيانات هيئة الاستثمار الإثيوبية. ويأتي اهتمام إثيوبيا بجذب الاستثمار الخليجي بما في ذلك الاستثمار القطري نظرًا لعدة عوامل من بينها القرب الجغرافي والإمكانيات المتاحة لدى الجانبين الإثيوبي والخليجي، والتي ترى إثيوبيا أنها تشكل منطلقًا لشراكات استراتيجية هادفة تخدم المصالح المشتركة، بما في ذلك أهداف الأمن الغذائي للدول الخليجية وتحقيق النمو الاقتصادي الإثيوبي.

علاوة على الجانب الاقتصادي، فإن المهددات الأمنية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بما في ذلك الإرهاب والتطرف وانعكاساتها المباشرة على الاستقرار الإقليمي وما تستدعيه من تعاون وتنسيق مشترك، تشكل أحد المجالات الرئيسية للتعاون الإثيوبي الخليجي، خاصة في ظل التأثير المباشر لأمن القرن الأفريقي على استقرار منطقة الخليج وحرص إثيوبيا على مواصلة القيام بدورها المحوري في ضمان استقرار منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنيًا في السنوات الأخيرة، والذي انعكس في دورها في الصومال وجنوب السودان وبين السودان وجنوب السودان.

كما ترى إثيوبيا في التطورات الجارية مؤخرًا في منطقة الخليج تأثيرًا مباشرًا على استقرارها ويستدل على ذلك بموقفها في الأزمة الخليجية حيث تبنت الحياد الذي طالما اتسمت به سياستها الخارجية التي تنتهج عادة عدم الانحياز إلى أي جانب في المسائل الدولية أو الإقليمية بهدف اتباع خط متوازن براغماتي يراعي مصالحها وأهدافها، إلا أنها أعربت عن دعمها للوساطة الكويتية واستعداداها للعب دور في حل الأزمة، كما أوفدت وزير خارجيتها إلى الكويت لنقل رسالة دعم إلى أمير دولة الكويت في جهود بلاده لرأب الصدع في البيت الخليجي.

إن علاقات إثيوبيا مع دول الخليج ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية، وتظهر المؤشرات أنها تتجه نحو شراكات استراتيجية خلال السنوات المقبلة أبعد ما تكون عن استهداف أي دول أخرى، واختزال تلك العلاقات في استهداف مصر أو تصوير إثيوبيا على أنها أداة للإضرار بمصر لا يدل سوى على قصور كبير في الإعلام المصري ورؤيته للحقائق على أرض الواقع. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد