كانت وما زالت الحرب الفلسطينية الإسرائيلية التي بدأت منذ عقود، واشتدت في سنة 1948 حرب استقلال وبزوغ الفجر الشديد في نظر الإسرائيليين، أما بالنسبة للفلسطينيين فإنها ستبقى لأبد الآبدين نكبة في تاريخهم العريق. إن ما خلفته تلك الحرب من تهجيرات قسرية ومجازر ارتكبت في حق مدنيين لم يصنعوا شيئًا، سوى أنهم بقوا في أوطانهم، وتدميرًا لمئات القرى، والأحياء السكنية، والطرد الجماعي، هو ليس إلا تطبيقًا لمجموعة من الخطط الممنهجة تحت سقف واحد والتي لو حصلت في القرن الواحد والعشرين لكان سُمي هذا السقف «التطهير العرقي».

لقد فشل العالم الحديث في تسليط الضوء بشفافية على القضية وما زالت الحكومات والبرلمانات في شتى الأرجاء تتجاهل حقيقة ما حصل والذي يعد جزأً لا يتجزأ من إستراتيجية رسمت بعناية ودقة يكمن في أساسها الصراع المستمر إلى الآن في الشرق الأوسط. إن هذه الخطة كانت النتيجة الحتمية للنزعة الأيديولوجية الصهيونية التي تطلعت إلى أن تكون فلسطين لليهود حصرًا. واستجابة سريعة وذكية في إثر إقرار الحكومة البريطانية بإنهاء الانتداب. إن المنهجية والنمط الذي اتخذته المنظمات الإسرائيلية في تنفيذ خططهم المدروسة من أجل تجسيد رؤيتهم تدعونا إلى التساؤل عن السبب الذي من أجله تجاهلت المحاكم الدولية مرتكبي تلك الجرائم في حق الشعب الفلسطيني.

إن التطهير العرقي هو جريمة الإنسانية، والمقدمون على ارتكابه اليوم يعتبرون مجرمين تتم محاكمتهم أمام هيئات قضائية خاصة. ولقد أصبح من المستحيل تقريبًا منذ مطلع القرن العشرين إخفاء الجرائم شنيعة ضد الإنسانية بسبب ثورة الاتصالات وتكاثر وسائط الإعلام، ومع ذلك فإن جريمة الطرد الفلسطيني سنة 1948 نراها ممحاة تمامًا من الذاكرة العامة. مع أنه من الصعب التعامل مع الذين اقترفوا تلك الجريمة في إطار قانوني واضح، إلا أن كمية المعلومات الهائلة المتوفرة حاليًا عن تفاصيل تلك العملية التطهيرية، وأسماء الضباط الذين نفذوا الأوامر والسياسيين الذين مثلوا أفكار المجتمع الإسرائيلي الحديث تجعلنا نتساءل عن السبب الذي نسيت لأجله المحاكم الدولية محاسبة أي فرد من تلك الشخصيات المعروفة في هيكل العظمة الإسرائيلي. إن معظم عمليات التطهير العرقي التي أجريت في القرن العشرين تمت مراجعتها بعدما استقرت الأمور وتمت محاسبة مرتكبيها، أما الذي حدث في فلسطين، فهو ما زال غير واضح في أعين العامة. نعم لقد نجح المؤرخون الإسرائيليون باستخدام الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية أساسًا في إظهار الصورة المزيفة لما جرى آنذاك، وأن الفلسطينيين هم الذين خرجوا من البلاد طوعًا، وليس كراهية، وأن الحرب التي خاضوها حرب أخلاقية نجمت بسبب كره العرب لهم، وليس العكس. وبعدما أن تم وثيق هذا الصورة ورسمها بشكل صحيح، بدأوا في ارتكاب ما يحلو لهم كي يحققوا غاياتهم بشتى الوسائل. والمؤسف أن معظم المؤرخين العرب الذين حضروا كل التفاصيل وكل الثورات والحروب، لم يخوضوا في التفاصيل الدبلوماسية لما حصل، بل فقط للتفاصيل القصص التي رويت والتي لم تدفع أصحاب الضمير إلى القيام بما يتوجب عليهم فعله.

كان البريطانيون يحاولون إيجاد حل مبني على أسس الديمقراطية بين الإسرائيليين والفلسطينيين غير أن صك الانتداب أيضًا تضمن إعلان وعد بلفور، والذي تؤيد الحكومة فيه إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهذا يمكننا من رؤية التعارض الوثيق بين ما كانت تعلن عنه بريطانيا وبين ما تود أن يتحقق على أرض الواقع. إن النقاش بأسلوب ديمقراطي بين شعب كان يقطن أرضًا تسمى فلسطين منذ آلاف السنين مع حركة تهدف إلى الاستيلاء على كامل تلك الأرض من أجل إقامة دولة يهودية يعيش على أرضها مستعمرون جدد ليس إلا دليلًا على مدى لا أخلاقية القرارات التي كانت تصدر بشأن مصير فلسطين.

إن البريطانيين حطموا القدرات الدفاعية للقيادة الفلسطينية آنذاك من خلال قمع الثورات التي أقامها العرب لإنهاء سياسة الهجرة اليهودية المفتوحة وتنامي السلطة الاقتصادية اليهودية. كما أنهم سمحوا للحركة الصهيونية بإنشاء كيات ليكون بمثابة بنية تحتية للدولة العتيدة القادمة. وقد ساعد الضباط البريطانيون على تطوير الجناح العسكري الإسرائيلي من خلال تقديم خبراتهم التي اكتسبوها في الحرب العالمية الأولى في تنمية جبهتهم العسكرية كي تتمكن من أن تسيطر على فلسطين عسكريًا بالقوة إن لم تستطع دبلوماسيًا.

إن منح نصف الأرض لشعب كان عليها منذ آلاف السنين، ومنح النصف الآخر من الأرض لمستعمرين جدد تقودهم حركة أيديولوجية كانت تعلن بصراحة منذ ثلاثينات القرن العشرين عن رغبتها في إزالة عروبة فلسطين يدعونا للتساؤل عما حدث حقًا وقتها وعن الضمير الأخلاقي لدى الشعوب وقتها. فإنه حين يتم تبني والعمل على أيديولوجية إقصائية تحت سقف شديد التوتر يضمن طرفين معاديين لبعضهما البعض، فإن النتيجة المحتمة هي التطهير العرقي لإحدى الطرفين. كما أن إعلان إحدى الطرفين قبل قرار التقسيم عن طموحاته في إزالة الطرف الآخر من المنطقة هو ليس إلا دليلًا على أن أعضاء الأمم المتحدة الذين صوتوا في مصلحة قرار التقسيم 181 ساهموا مساهمة مباشرة في حصول النكبة، وهذا يفسر لماذا أمكن أن يستمر إنكار النكبة حتى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد