المقال يسلط الضوء على الهوية الموريتانية بطريقة غير نمطية تقليدية تعطي إجابات معلبة للقارئ بل هدفها طرح تساؤلات أمام القارئ للبحث عن إجابة تريح فضوله فلكل منا إجابة تناسبه فلا توجد إجابة جاهزة ترضي كل القراء لهذا تم طرح المقال بأسلوب يحتم على المتلقي استخدام عقله ومسح غشاوة العاطفة عن عينه للرؤية بشكل موضوعي ومنطقي.

فنحن بحاجة ماسة إلى شجاعة التساؤل وتحليل الإجابات المحزومة التي تم إرضاعها لنا منذ طفولتنا وأن نفكر خارج الإطار خارج الصندوق خارج التاريخ خارج المألوف خارج السائد خارج الشائع خارج المعطى خارج المطلوب، فطريقة المجتمع في التعامل مع الأفكار والتفكير جعلت الناس يفقدون القدرة على السؤال والتساؤل وبالتالي فقدان جزء مهم من آدميتنا هو التمييز بين الصواب والخطأ؟

فلماذا يظل التساؤل حول الإجابات المعلبة مجرد استثناء بدلًا من أن يكون هو القاعدة؟ فمجتمعات القطيع ربَــتْنا على أن مجرد استخدام الأسلوب الاستفهامي التساؤلي يعتبر في حد ذاته إهانة؟ إن انتشار الأسلوب الاستفهامي هو المحرك لتقدم المجتمعات فما يوجد لدينا من تاريخ لا يكاد يتعدى شذرات من الحقيقة تعبر عن سرد تاريخي ورؤية من كتبه؟

ولعل هذا ما يجعل من الحديث عن تشكل هوية وطنية جامعة بين الموريتانيين أمرًا مبْهمًا غير واضح المعالم وهذا ما يفسر وجود مشاريع بديلة عن الكيان الواحد مثل القبلية… إلخ، فغياب إرث مركزي للدولة لفترة طويلة، فضلًا عن وجود عقبات اجتماعية وسياسية وبنيوية وجيوستراتيجية وحتى ثقافية، كلها أمور وقفت بحزم في وجه بناء الدولة الموريتانية، وبالتالي في وجه تبلور هوية وطنية للدولة حتى هذه اللحظة؟

للإجابة على هذه التساؤلات يتحتم علينا أولًا أن نحدد معنى الهوية الوطنية وربط ذلك بوعينا بمدى أهميتها وتأثيرها في بلورة دولة المواطنة في بلادنا. فالهوية هي مجموع الخصائص والسمات المشتركة التي تميز أمة أو وطنًا أو مجتمعًا معينًا عن غيره، وتشكل جوهر وجوده وشخصيته المتميزة، والعناصر التي يمكنها بلورة تلك الهوية كثيرة.

فهي نتاج وعينا بذواتنا أو بكوننا نشعر باختلافنا عن الآخر، وبأننا نمتلك من الخصائص ما يجعلنا نشعر حتى بتميز كل واحد منا واختلافه، ولعل هذا ما يجعل لكل منا هويته الخاصة التي قد لا يدركها بنفسه فورًا بمجرد ولادته، ولكنها أي هذه الهوية الشخصية الإرادية أحيانًا واللاإرادية أحيانًا أخرى لكونها تتحدد لحظة مولد كل واحد منا، وذلك من خلال: الاسم والجنس والأبوين لذا فالهوية تبقى حقيقة واقعية، بل ضرورة لا بد منها.

وبالنسبة للهوية الموريتانية فهي هوية عربية أفريقية أمازيغية إسلامية، فهي محصلة عصور طويلة من الامتزاج بين هذه المكونات مثلها مثل العديد من الدول العربية المجاورة. ففي موريتانيا تتعايش عدة إثنيات هم المجموعة العربية التي تشكل في حدود 70 إلى 65% (حسب بعض المعطيات) من السكان الذين يقدر عددهم بما يقارب ثلاثة ملايين وتسعمائة ألف نسمة، تعود بداية الوجود العربي في موريتانيا إلى منتصف القرن الحادي عشر مع دخول الإسلام في هذه الربوع على يد القادة الأوائل ثم تعزز في القرن السابع عشر خلال الموجة الثانية من الهجرات العربية الوافدة عبر المغرب العربي.

والأخرى أفريقية تتكون من «البولار» و«السونوك» و«الولوف» تبلغ نسبة عدد هذه المجموعة حسب تقديرات غير رسمية ما بين 28% إلى 20% من السكان. الأمازيغ والعرقيات الأفريقية هم السكان الأصليون للبلاد فالعرب يتكلمون اللهجة العربية «الحسانية» (نسبة إلى بني حسان الذين فتحوا البلاد في القرن الـ17م) أما العرقيات الأخرى فلكل مجموعة لغتها الخاصة. على كل فإن تاريخ موريتانيا وما قبله لم يكتب وما يدرّس في مدارسنا لا يعدو كونه شذرات تفتقر إلى الدقة.

إن إعلان الاستقلال كان بمثابة إعلان معركة طويلة من أجل استعادة الهوية الوطنية، حيث تم تجنيد أغلب النخب التي تعلمت لحماية التواجد الفرنسي في موريتانيا وإقصاء اللغة والثقافة العربية. إلا أن هذا الإقصاء الذي مورس ضد اللغة والثقافة العربية في بداية بناء الدولة مارسته اللغة العربية على اللغات والثقافات الوطنية الأخرى التي تكتسب شرعيتها من نفس المصدر الذي تستقي منه اللغة العربية شرعيتها ألا وهو الدستور الموريتاني الذي نص على أن اللغات الوطنية هي: الولفية والبولارية والسونوكية والعربية.

إذًا لماذا هذه النرجسية؟ إن قيام الدولة الوطنية الموريتانية ظل حلمًا صعب المنال بسبب الرؤية التي تتعمد صهر هوية مجتمعنا المتنوعة والمتعددة في هوية واحدة؟ وما زال يطرح علينا نحن الموريتانيين وبإلحاح كبير سؤال أساسي مفاده عن أية هوية وطنية لموريتانيا يمكننا أن نتحدث اليوم؟ ما الهدف من محاولة إظهار أن الصراع بين العربية والفرنسية فقط؟ ماذا عن باقي اللغات الوطنية الأخرى السونوكية والبولارية والولفية؟ أليسوا أكثر أحقية من حيث التاريخ المكاني والزماني من العربية والفرنسية الوافدتين على هذه الأرض؟

وهل فعلًا نمتلك تصورًا مشتركًا لهويتنا الوطنية وخاصة في بعدها الثقافي؟ وهل تتناقض هذه الهوية مع حقوق الجميع في المواطنة وفي الخصوصية الثقافية؟ ثم إلى أي مدى يمكن القول إن بناء دولة المواطنة أصبح ضرورة قصوى لبقاء الكيانات الوطنية وحلًا سلميًا للتناقضات الثقافية في البلدان ذات التعدد الإثني كبلادنا؟

بالعودة إلى الوضع الراهن للمشهد القومي للبلاد الموريتانية والعلاقات بين مكوناتها الإثنية يجدر بنا في البدء وضع هذه القضية في إطارها التاريخي أي منذ حصول البلاد على الاستقلال سنة 1960. حيث يبدي الكثير حساسية غير مبررة عند الحديث عن العلاقات بين المكوّنات القومية وربما كان ذلك التهيّب انعكاسًا لميزان القوى الذي هو منذ التاريخ المذكور لصالح نظرة الأنظمة المتعاقبة التي تسيطر عليها فئة البيظان (العرب) فهي لا تريد فتح باب البحث في الموضوع خشية تغيير هذه النظرة فلجأت إلى تسمية سهلة يفترض أن «ترضي الجميع» موريتانيا «همزة الوصل» بين العالم العربي والأفريقي.

فخاض العرب في تلك الآونة نضالًا قويًا تجاوز الإطار المطلبي وزعزع هيمنة اللغة الفرنسية وأعاد للمواطن الموريتاني مع تزامن نشاط التيار القومي العربي أضاف شيئًا من الأمل في مستقبل هوية البيظان (العرب) لكن هذا التيار كان يعبر في بداية أمره عن مشاعر القهر والكبت القومي ليس بميزان الحكمة والتعقل لكن بالعاطفة الجياشة والتعصب، مما أدى إلى تجاهل العرقيات الأخرى ومطالبهم، وبحجة تشبثهم باللغة الفرنسية صنف نشطاء العرقيات الأخرى على أنهم أعداء؟

في فبراير 1966 وقعت أحداث عنف بين التلاميذ العرب وتلاميذ من العرقيات الأخرى على خلفية إدخال اللغة العربية في بعض صفوف الإعدادية. امتدت هذه الأحداث إلى عدة مدن وكانت بداية لتحول عميق لدى المكون الأفريقي الذي اعتبر أن محاولة إدخال العربية في التعليم من طرف السلطات ورغم محدوديتها بمثابة إقصاء لهم وفرض لغة عليهم لم يختاروها مما يهدد مستقبلهم وهويتهم الثقافية ثم توسعت شكاوى العرقيات الأفريقية لتشمل المطالبة بالمساواة والقضاء على تهميشهم في الاقتصاد والتوظيف في ما ذهب البعض إلى اتهام العرب بممارسة نظام «الآبارتايد» ضدهم وهذا ما عجل بميلاد منظمة سرية تأسست بعد أحداث 1966 تحت اسم «جبهة تحرير أفارقة موريتانيا» والمعروفة اختصارًا بـ«فلام». طغى اسم ونشاط هذه المنظمة على المشهد «الأفريقي» بأكمله حيث لم يظهر فيه أي توجه آخر ولا أحزاب ولا منظمات مما ميّز «القضية الأفريقية» بوحدة نضال ملفتة لم يشبها أي اختلاف ولا أي انشقاق خلافًا لأحزاب ومنظمات أخرى تختلف وتنشق وتتفتت إلى كيانات جديدة. هذه الميزة مضاف إليها ديناميكية وروح المخاطرة والتضحية التي يتمتع بها أعضاء المنظمة.

أهم المعارك التي خاضها البيظان «العرب» هي معركة التعريب، وذلك من خلال تنظيم العديد من المظاهرات الاحتجاجية والتغلغل في الأوساط الجماهيرية، وفتح النقاشات حول الأهداف المتعلقة بنشر الثقافة العربية، والاضطرابات العمالية والمدرسية للضغط على الحكومات الموريتانية لفرض التعريب. فتمكنت هذه الحركات من اختراق المؤسسات التعليمية والتحرك الميداني داخلها وإنشاء الكثير من المنظمات النقابية، والأندية الثقافية، مما مكنها من نشر الوعي القومي وتعبئة الجماهير حول مطالب الشعب الموريتاني (فئة البيظان).

إن الأشخاص الذين ينتمون إلى العرب وحدهم من يتبوؤون مراكز قيادية بارزة (حتى الآن) على كل الأصعدة لذلك كان هناك صراع طرفه الآخر العرقيات الأفريقية. هذا الإصرار المستميت على تعريب الدولة يلقي في أذهاننا تساؤلًا هل فعلًا الدستور الموريتاني ينص على أن اللغة العربية لغة بدون شريك؟ ولماذا لا تحترم الثقافة العربية المكونات الأخرى وتعطيها الحق في عدم الانصهار في الثقافة العربية والتمسك بثقافاتها بنفس مستوى تمسك العرب بثقافتهم؟

غير أننا لا يجب أن نقلل من حجم العقبات التي تقف في وجه هوية وطنية واحدة، فالتوظيف الديني والسياسي والقبلي وطغيان النزعات الفردية والاستئثارية بتدبير الِشأن العام بعيدًا عن أي شكل من أشكال المشاركة السياسية في الحياة العامة كلها أمور ما زالت تهدد مستقبل كيان الوطن الموريتاني الواحد وتجعله أكثر عرضة لمخاطر التمزق والتشتت.

يقولون إن العائق الأساسي لكل عمل يرمي إلى إصلاح أي خلل في واقع البلد يكمن في تدني الوعي والتعصب وضيق الأفق لمطبات يكاد يكون من المستحيل معها إنجاز وحدة وطنية للمجتمع إن النخب المثقفة هي السبب في هذا الخلل لتشبثها بالأفكار القبلية المتعالية الإقصائية هؤلاء أكثر فتكًا بوحدة المجتمع من الطبقة غير المتعلمة.

من المعوّقات كذلك غياب الحوار والتواصل الثقافي بين النخب العربية ونخب العرقيات الأخرى وتجاهل بعضهما البعض واتهامه بالخيانة واللاوطنية؟ غير أن الإنصاف والموضوعية يفرضان علينا الاعتراف بأن النخب الأفريقية هي التي ظلت تنادي وحتى اليوم بالحوار حول التعايش بين الفئات القومية لكن دون أي تجاوب من فئة البيظان (العرب).

ظل العرب يتهمون العرقيات الأفريقية بأن أغلبهم غير موريتانيين وأنهم متجنسون جدد لا يبلغون 5% من عموم السكان عند الاستقلال، وهؤلاء يصمون العرب بالعنصرية والإقصائية… إلخ. والواقع أن كلًا منهما – إذا أردنا أن نحكم – معه جزء من الحقيقة فالعرب «البيظان» كانوا في بدايات حركتهم يتبنون خطابًا عنصريًا وإقصائيًا واضحًا وإن عملوا على تهذيبه في ما بعد مستفيدين من مرحلة نضج قد مروا بها لكن بقي ذلك الخطاب المستفز مطبوعًا في ذاكرة إخوتهم الأفارقة إلى اليوم كما أنهم في غمرة نشاطهم المطلبي الثقافي تجاهلوا حق المكون الأفريقي في تطوير ثقافاته ولغاته؟

إن مسار بناء الهوية الوطنية لم يخل من تعثرات وانحرافات أبعدته عن بلوغ الأهداف الوطنية، وفي مقدمتها حسم هوية وطنية جامعة لكل الموريتانيين.

فلماذا لم نتمكن حتى الآن من تجاوز إشكال الانتقال من وضع القبلية المتجذر في العمق البنيوي للمجتمع إلى وضع دولة المواطنة والشعور بالانتماء والولاء لهذا الكيان؟ وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية على حساب الولاءات والانتماءات الضيقة؟ فما هي آليات حسم الهوية الوطنية الجامعة للدولة ودمج كل مكونات النسيج الاجتماعي في الكيان الجديد؟

فأوضاع بلدنا ما زالت بعيدة عن تحقيق مطالب وتطلعات شعبنا فانعكس هذا على الوضع الاجتماعي مظهرًا بوضوح عجز الدولة الموريتانية إلى الآن عن صهر جميع مكونات شعبها في لحمة واحدة ونسيج وطني منسجم، وحول هوية وطنية جامعة، تحترم حقوق المواطنة، مما ترتب عنه غياب الولاء للدولة لدى الكثير من الشرائح والفئات؟

وهذا يعني أن الدولة الموريتانية لم تستطع إلى الآن أن تكون بديلًا حقيقيًا للولاءات الضيقة ولم تتمكن من ترسيخ مفهومها وجعلها أكثر إقناعًا لكل مواطنيها؟ خصوصًا ما يصدر اليوم من تصريحات لبعض النخب السياسية والشخصيات العامة في البلاد والمواقف الحياتية اليومية يعكس حجم الاختلاف حول ما يجب أن يكون ثوابت وطنية من وجهة نظرهم؟

ولكن كيف يمكن أن نتجنب أن تكون هذه الثوابت أداة لإقصاء آخرين هم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع؟ وحول حقيقة التنوع الإثني لمكونات المجتمع وحول حق كل هذه المكونات في خصوصيتها الثقافية؟ إن الاستمرار في الاختلاف حول هذه الثوابت ينذر بالعجز عن بناء الذات الوطنية الموريتانية غير أن بناء هذه الذات الوطنية لا يتم يقينًا في ظل غياب الشعور لدى البعض بالولاء والانتماء لوطن واحد لكل أبنائه، فالدولة التي تكرس الغبن وتفاوت الفرص والحظوظ بين مواطنيها تخلق بالضرورة الإحساس بالحرمان وبعدم المساواة الوطنية.

فالشعور بالمواطنة هو الذي يؤدي بالمجتمعات إلى خلق التجانس والانسجام والتكامل الاجتماعي بين مختلف مكوناتها والابتعاد عن التقوقع داخل الانتماءات الضيقة، كما أن هذا الشعور هو الذي يخلق أيضًا ويعزز من فكرة العيش المشترك التي نسعى إلى تحقيقها.

هل لنا نحن الموريتانيين في ضوء ما تقدم أن نتحدث عن هوية وطنية خاصة بنا، وما ملامح هذه الهوية؟

الهوية ذات خاصية فردية وجماعية، وإذا كان الفرد يستطيع من حين لآخر إعادة تحديد هويته الإرادية أو الاختيارية، فإن قدرة الجماعة على ذلك تبدو أقل بكثير كونها في الغالب مركبة، والأشخاص معنيون بصناعة هوياتهم التي هي: ما يعتقدون أنهم عليه أو ما يريدون أن يكونوا عليه من الثوابت والمصادر الأساسية للهوية الوطنية المشتركة.

إن ظروف نشأة هذا الكيان ومدى الاتفاق حول رموزه المختلفة (العَلَم، النشيد، الشعارات)، ناهيك عن نظرة البعض إليه تارة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من كل، هو الكل العربي ما يعني قبول هويته في هذا الإطار أو ذاك، وتارة ككيان قائم بذاته لا عربي ولا أفريقي بالمعنى الجيني، هي أمور تضيف مزيدًا من الغموض على الهوية الوطنية فالعلاقة بين القطر القومي والأممي وبين الأصلي والوافد وبين الانتماء الجغرافي والانتماء الثقافي ما زالت تقسم الموريتانيين حول هويتهم.

هل يسلم الموريتانيون اليوم بأنهم بلد متعدد الأعراق والإثنيات، تتعايش فيه عرقية عربية تتشارك الثقافة والقيم والعادات والتاريخ مع عرقيات أخرى بولارية وسونوكية وولفية لها مميزاتها الخاصة؟ هذا يفترض في المضمون الثقافي ضرورة التعايش والتفاعل بين اللغات والثقافات الوطنية المتعددة.

فإلى أي مدى وصل هذا التفاعل بين اللغة العربية واللغات الوطنية الأخرى؟ وما هي سبل التوصل إلى معادلة توازن بين المكونات؟ ظاهرة تعدد الإثنيات تطفو بين الحين والآخر مثيرة الجدل حول قدرة الدولة على تحقيق التوازن الدقيق بين حقوق العرقيات ومطالب الأقليات بحماية ثقافتها وتراثها بل وحتى اختياراتها اللغوية في بعض الأحيان؟ كيف تستطيع موريتانيا التوصل لمعادلة توازن بين حقوق مكوناتها الاجتماعية المختلفة؟

مفارقة

في مؤتمر صحفي طلب أحد الصحفيين الموريتانيين الأفارقة من رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغضف أن يترجم إلى اللغة الفرنسية التوطئة التي قدم بها للمؤتمر الصحفي، فرد عليه ولد محمد الأغضف قائلًا «تدبر أمرك فأنت في دولة عربية»؟

ظل الموريتانيون جميعًا يناضلون من أجل عودة هويتهم والدفاع عن وطنهم لأنه لا يمكن الدفاع عن وطن إلا إذا كان له هوية والهوية لا بد لها من لغة أو لغات ولغاتنا حددت بشكل واضح في المادة رقم ستة من الدستور الذي صادق عليه الموريتانيون هي اللغة العربية والبولارية والسونوكية والولفية. هذه المجموعات ظلت مهمشة من الاستقلال إلى الآن وكلما حاولت الحديث عن حقوقها الاجتماعية والطبيعية تعرضت للتخوين والعمالة؟

حكم موريتانيا تسعة رؤساء من الاستقلال إلى الآن كلهم من العرب (البيظان) وهذا يطرح عدة تساؤلات لماذا لا يوجد تناوب في الحكم بين العرقيات الموجودة على هذه الأرض؟ لماذا هذا الاستئثار بالحكم؟

خطاب المجتمع البيظاني (العربي) الإقصائي أكثر جرحًا للعرقيات الأخرى، فلسان حالهم يقول: أنا هنا لماذا لا تراني لأنك تنظر إلي بأذنيك لا بعينيك فلو نظرت إلي فأنا أؤمن بأحقيتك وأن اللغة العربية هي لغتك ويجب عليك أن تدافع عنها وأيضًا لي كامل الحق في الدفاع عن اللغة الفولارية والسولانكية… بنفس المستوى وجعلهم ضمن النظام الإداري والتعليمي في الدولة فسندافع عن حقوقنا التي يكفلها لنا الدستور كجزء من مكونات الهوية الموريتانية.

أستعير مقولة فيلسوف الثقافة مالك بن نبي: «إن كلمة الحق ليست هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب إنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب فهما متلازمتان فالشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدل وضعه الاجتماعي المرتبط بسلوكه النفسي تجاه جميع أجزائه».

يحتم علينا الوقوف مع الحق وليس العاطفة فما فائدة تعليمنا وثقافتنا إذا كنا نخاف أن نخرج خارج الإطار الذي يرسمه المجتمع لنا ويحرم علينا أن نصدح بالحقيقة فالعلم يساوي وعيًا والوعي يساوي تغييرًا هكذا يكون العلم بتغيير الأنماط والسلوكيات المجتمعية السلبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد