«إن كانت الجنة في السماء فهي فوق بوسعادة، وإن كانت تحت الأرض فهي تحت بوسعادة». الرسام ناصر الدين دينيه

الطريق إلى مدينة بوسعادة «مدينة السعادة» الجزائرية «بوابة الصحراء» يحملك إلى أجواء ساحرة أشبه بغفوة الحلم؛ هذا الطريق سلكه قبلك العشرات بل المئات من العلماء والمفكرين والأدباء والرسامين منذ القرن التاسع عشر؛ جميعهم اتفق على شاعرية المكان وجماله وبساطته في  الوقت ذاته، وإن اختلفت آراؤهم، مشاربهم وأهدافهم، حين تطل على الواحات تكاد تقفز من مكانك؛ هنا بهجة الروح وسكينة القلب هذا الجمال العفوي، والبسيط لا يعادله إلا غنى روحي ونشوة لا وصف لها؛ منظر النخيل والماء المنساب في الوادي والأفق المنبسط في شكل تلال مذهبة تتناثر عليها نخلات باذخة، ورجل يمشي في تؤدة إلى نخيله أو غلاته تشعر وكأن الزمن تجمد على اللحظة، نَخَلَها من أكدار المدنية، وشوائب القلق الحضاري والوجودي معًا، وأزاح عن القلب الرّان، هذا السأم الوجودي الذي طالما وصفه كيركجارد علامةً ثابتةً على أزمة الإنسان الحديث. إذا كنت معنيًّا بفن الرسم أو شاعرًا أو مصورًا، تهتم بالبحث عن اللحظة الفارقة واللقطة التي لا تفوتها بشعرك أو ريشتك أو عدستك؛ فتنقل إلى العالم ما يغني عشرات الأفلام ومئات المقالات، سكينة الصحراء بساطتها عفويتها، روحانيتها جلالها البسيط، وتعرف أن مثل هذا اللحظة الفارقة كانت الشغل الشاغل لكل رسام وشاعر ومصور ومفكر، وإن وفقت إلى ذلك؛ «فكل الصيد في جوف الفرا» أي في جوف تلك اللحظة التي وفقت لاقتناصها.

كذلك عني الفنان العالمي ألفونس إيتيان دينيه باريس(1861/1929) سليل العائلة البورجوازية، والذي اشتغل والده بالقضاء، وآنس من والده حب الفنون والموهبة فيها؛ فأرسله إلى مدارس الفنون حتى تحصل على منحة دراسية للجزائر، ومكث بها خمس سنوات يتعرف على الصحراء خاصةً التي أولع بها ولعًا لا حد له وتكللت مسيرته الفنية بميداليات أولها عام 1884، من صالون الفنون لقصر الصناعة والميدالية الفضية عام 1889، من المعرض العالمي؛ حيث أطبقت شهرته الآفاق كرسام مقتدر .

كانت الجزائر منذ القرن التاسع عشر مهوى أفئدة الرسامين والشعراء، وتردد عليها كثيرون، ينشدون الراحة، يستجيبون لنداء غريزي فيهم، هو البحث عن الغرائبية والعجائبية والتمدد بعفوية تحت شمس شمال أفريقيا الحارقة يجوبون الأزقة والحارات، يختلسون النظرات إلى النسوة الملتفة في عباءاتهن وملاحفهن، أو يذهبون في رحلة صيد للغزلان في الصحراء، أو التمتع بطقوس حفل زفاف، أو ختان ويمكن القول براحة أن معظمهم كان يحمل نظرة استشراقية للشرق؛ تلك النظرة التي أدانها إدوارد سعيد، وعبد الله العروي، وحسن حنفي نظرة مهدت للاستعمار، أو وطدت أركانه بتبريره من هوجو إلى ماركس وإنجلز؛ الذين رأوا في الجزائر مجرد أرض جغرافية، لا يمكنها المرور إلى الاشتراكية إلا تحت مظلة الرأسمالية الفرنسية؛ فليس الشرقيون سوى همج يتكفل الغربي المتفوق والمتمدن بتمدينهم؛ فالشرق في عمومه ليس سوى شبكة صيد لأشعة الشمس الحارقة والكسل واقتناص المتعة ، الشرق الذي أسلم عمره الفاني إلى الميتافيزيقا وإلى التقاليد التي أحكمت قبضتها على العقل والروح معًا، يتجلى ذلك في النظرة الشرقية للمرأة وإدانة الجسد وحجبه كممنوع في الفضاء العام، ولكن لا بأس من اختلاس المتعة بعيدًا عن النظرة الرسمية ذات الخلفية الفقهية في الأساس، هذه هي النظرة الاستشراقية للشرق؛ والتي كنت تأتي إلى شمال أفريقيا لتأكيد هذه الأراء المسبقة في ملامح النساء، وفي الأزقة وفي الأسواق وفي السهرات الليلية، في السراديب حيث تختلط رائحة التبغ برائحة الأجساد المكدودة من الرقص والسمر، ولم يخرج عن ذلك أحد من الغربيين من دولاكروا إلى ماتيس إلى ألفونس دوديه إلى أندريه جيد، في القرن العشرين؛ تمثيلًا لا حصرًا.

وتلك كانت بداية إيتيان دينيه الفنية؛ فمعرفته بالعربية وبثقافتها مكنته من معرفة التابوهات والأعراف والتقاليد، فعرف متى يظفر باللحظة التي يقارب فيها الممنوع؛ فيرسمه وتجلى ذلك في لوحاته؛ حيث رسم أجواء التعري؛ حيث المتعة فراديس معلقة على حيطان الحذر والترصد، وكان في ذلك مثله مثل أي رسام غربي يهتم بالأجواء الغرائبية أو الشبقية؛ حيث المرأة ليست أكثر من مثير جنسي مقموع أو مترصد للحظة أو جسد ناعم بض حالم ينطوي على العالم الداخلي الخاص؛ كما في نساء الجزائر لدولاكروا، وشمال أفريقيا كلها؛ عالم أحمر تنز منه الشهوة والبهجة معًا ودفء الحميمية؛ كما في لوحات ماتيس خاصة في لوحة «تحت شمس طنجة»، ولم ينس الرسامون أن يترصدوا المواضيع التي تؤكد تخلف الشرق فرسموا الإماء عاريات الصدور تتدلى أثداؤهن؛ كما في سوق العبيد بمراكش في مطلع القرن، أو امرأة تطل بحذر من خصاص الباب على الزقاق؛ كأنها تتلصص وهذا لتأكيد حطة النظر إلى المرأة، وتأكيد رجعية الشرق، ولكنهم لم يبحثوا عن مواضيع للوحاتهم؛ إذ استبد الغربي الكولونيالي بالأرض والعرض والإنسان؛ فنهبهم معًا بغير وجه حق، وظهر للعيان زيف دعوى التمدين. ،خضع دولاكروا للنظرة المركزية الأروبية حول المرأة؛ فبحث عنها في عالم الحريم، ولم يجدها في الحقول؛ حيث تعمل سخرة لفائدة المستعمر، أو جسدًا انتهكه الآخر الأبيض بالعسف واغتصبه؛ لم ينتبه دولاكروا لظاهرة الوشم على الوجه والذي أتقنته المرأة الجزائرية حتى ينفر منها الجنود، ولا يغتصبونها فهم يعافون الوشم الأزرق على الوجه، بكل تأكيد غابت هذه المواضيع الحساسة عن الريشة الفرنسية؛ لأنها لا تغني صاحبها في المزادات العلنية في معارض الرسم العالمية.

لكن دينيه تعرف على الصديق الأبدي سليمان بن إبراهيم الذي أحبه وتصافى الود بينهما فكان لقاء ومحبة روحية لا مثيل لها، تعرف من خلالها إلى الإسلام واعتنقه رسميًّا عام 1913، وفي هذه المرحلة الفارقة تخلى دينيه رسميًّا عن اسمه إيتيان وأصبح ناصر الدين وتخلى عن النظرة الغربية للحياة، وللآخر المختلف فلم تعد شمال أفريقيا مسكن الهمج أو البرابرة ولا هو عالم التابوهات، ومرتع اللذات المختلسة تحت الشمس الحارقة بل صار الشرق الحضاري والروحاني المختلف، ولكنه لا ينفك يمد الإنسان بأسباب الراحة النفسية، والتوازن الوجودي بين متطلبات الروح والجسد، وتجسد هذه الفكرة في لوحات تخلى فيها عن رسم النساء العاريات، وركز على مواضيع العفة والطهر والاحتشام وركز على الجمال الروحي ورسم مشاهد رائعة بمقاربة فنية تتلمس المحاكاة، وتجسيد الواقع الإثنوغرافي، وهي لوحات تدخل في نطاق الرسم الانطباعي والواقعي معًا؛ إذ رسم الشيوخ ينتظرون هلال رمضان وركز على الابتهاج بمقدمه من خلال رسم معبر للوجه وللعين الراصدة والصلاة الجماعية، ورحلة الحج ومعلم الكتّاب، والحياة العربية البسيطة في البيت، وفي الزقاق ولعب الصبيان والفَلَقَة (طريقة معاقبة في الكتّاب على باطن القدم بالعصا) السقي، البيوت، المساجد، الواحات، النخيل، عالم فني يقترب من 500 عملًا فنيًّا، يختلف بالكلية عن الرسم الاستشراقي الذي مارسه الفنان الغربي من قبل؛ حيث النظرة الاستعلائية والمركزية الأروبية ظاهرة في الأعمال بخلاف أعمال دينيه؛ حيث تظهر روح الاحترام والندية والاعتراف بالآخر المختلف؛ بل الاندماج في روحانيته ونظرته واعتناقها.

لم يكتف دينيه بالرسم وسيلةً لحوار الشرق، حوارًا حضاريًّا قائمًا على الندية، والاعتراف الممزوج بالتقدير؛ بل مارسه عن طريق الكتابة والتأليف فكتب السيرة النبوية ورسم بعض المشاهد المعبرة من السيرة المحمدية، ونقل هذا الكتاب إلى العربية شيخ الأزهر عبد الحليم محمود، والحج إلى بيت الله الحرام وأشعة خاصة بنور الإسلام والشرق كما يراه الغرب، وبالرغم من أن كتاباته لا تنطوي على عمق كبير، ولكنها تنطوي على صدق ومقاربة روحية للإسلام تستخلص روحانيته.

حج دينيه عام 1929، وعاد إلى باريس ليقع فريسة المرض، وحين أحس بدنو أجله، كتب وصيته إلى صديقه سليمان بن إبراهيم يوصيه فيها أن ينقل جثمانه إلى الضريح الذي أعده؛ ليكون فيه مرقده ليدفن هناك وليسدل الستار على حياة رجل فنان ومفكر موضوعي وعاشق كبير للصحراء وللشرق معترفًا بنديته على الرغم من العثرة التي يعيشها نتيجة ظروف تاريخية قاهرة لها أسباب عند أهل التفكير والتاريخ، ولكنه شرق لا ينفك يلهم، ويسحر، ويقارب السماء ببساطة المكان وسحره في آنٍ واحدٍ.

في المرحلة الأولى قبل إسلام دينيه عام 1913 كان مثله مثل أي فنان غربي يبحث عن الغرائبية والأساطير الشرقية وأجواء السحر والشعوذة ورحلات الصيد وعالم النساء ذوات الأجساد البضة الناعمة أو بائعات الهوى، ورفاهية الطبقة المعمرة الجديدة، وعملائها، وخلال هذه المرحلة أسس دينيه «جمعية الفنانين المستشرقين الفرنسيين» عام 1893، وهذه هي النظرة الاستشراقية التي صورت الاستعمار ونقلته إلى العالم كحالة حضارية إلى حد أن الناس سعداء باستعمارهم كما نقلت تلك الأجواء اللوحات الفنية، ولكن المرحلة الثانية في حياة دينيه، اختلفت بالكلية فلا ننس أنه حرر بيانًا عنوانه «ارفعوا أيدكم عن بوسعادة» للاحتجاج على ألوان الإبادة لمعالم المدينة، وأشكال الحياة الفريدة ولا يغيب عن أذهاننا أنه رسم البسطاء والكادحين، وأجواء الفقر والمعاناة وشظف العيش في لوحات مثل «الأرملة» و«العمياء» و«عهود الفقر» و«الأهالي المحتقرون»، وكانت طريقة ناعمة للاحتجاج على السياسة الاستعمارية؛ فلم يكن بوسع الفنان أن يحتج عاليًا على سياسة فرنسا، فيتعرض للإقصاء، وربما التصفية وهو الفنان الطامح إلى الحضور في المعارض العالمية، ولا ننسى أنه بمجرد إعلانه الإسلام، وصفه مواطنوه الفرنسيون بالخائن، وتحمل تبعات ثقيلة جراء ذلك، وتعرض للتهميش بسبب نظرته المغايرة للنظرة الكولونيالية. بالرغم من لوحاته التي تزين كبريات المتاحف العالمية، مثل باريس ولندن وفيينا، وكذا معجم لاروس.

ظل وفيًّا لواقعيته، ولانطباعيته ناقلًا للواقع بمحاكاة كبيرة، مع حسن استخدام للألوان والتعبير بواسطتها عن مختلف الحالات الشعورية. إن استخدام التأثيرات الضوئية وتوزيع الظل بمهارة فائقة، ولكن لا يمكن أن تخطئ العين اللمسة الروحية في كل لوحة وتوفيق الرسام في اقتناص اللحظة، تلك الحالة من النشوة والفرح المغمور بالسكينة والتي هي أشبه بحالة النرفانا، والتي يعيشها العربي في لحظة تفاعله مع محيطه الخارجي وفي أداء طقوسه الدينية، وفي انخراطه في الحياة العامة، ويزيد اعتدال الجو وإشراق الشمس، وانفتاح الأفق على المدى البعيد، وتناثر الخضرة في الواحات، على جعل اللوحة مغمورة بالضوء، ذلك الضوء الذي يعكس حالة الصفاء في النفس الإنسانية. إن ذلك الحرص منه على رسم أداء الناس للشعائر الدينية والأعياد مثل لوحة «سحور رمضان» و«المغادرة إلى مكة»، والعناية باللباس وتقاليده، والانتصار للعفة والحياء في رسم المرأة، كانت تقول للعالم بصوت واضح أن هذا الشعب الذي قدمه الاستعمار على أنه فرنسي يختلف بالكلية عنه، وهو في الواقع دفاع فني عن الهوية الجزائرية، وبطريقة ذكية لا تتماهى مع النظرة الاستشراقية النمطية، التي يصر بعضهم على إقحامه فيها دون مراعاة الشروط التاريخية التي عاش فيها الفنان.

بيت دينيه اليوم في مدينة بوسعادة – حيث ضريحه – والتي خصها الفنان بـ 130لوحة، والتي تبعد عن العاصمة الجزائر بحوالي 260 كلم، صار متحفًا منذ عام 1993، وصار معلمًا من معالم المدينة مثل طاحونة فيريرو، والواحة، والشلالات، وزاوية الهامل التي تبعد بحوالي 13كلم، والتي مر بها جاك بيرك، ومالك بن نبي، ومحمد البشير الإبراهيمي وكثيرون.

حوار حضاري هادئ مارسته هذه المدينة – بوابة الصحراء – بلا صخب إعلامي، وألانت ما اشتد من جبروت الغرب، وطوعته، ومازالت اليوم تستقبل عشاقها بلوحات «دينيه» الجميلة والمعروضة هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد