اهتمّ أبناءُ الحضارةِ الإسلاميّة على تعاقُبِ عصورها واختلافِ مللهم وأمْصَارِهِمْ بعلمِ التأريخِ، وبادئُ هذا الاهتمام يوعزُ إلى بدء البحث وتدوين التأريخ استنادًا إلى النّظرة الغائِيّة في القرآن الكريم التي ترى التأريخ امتدادًا وتجسيدًا لـ«سنّة الله» من بادئ الأمم تنتهي بزوالِ هذا العالمِ والبعث، وضرورة البحث في أسباب النّزول مع بادئ الدّعوة الإسلاميّة. كما جسّد هذا التأريخ الرؤية العربيّة السّابقة للإسلام التي رَوَتْ وعُنِيَتْ بأيّام العرب، فابتدئ تدوين التأريخ أيّامًا وحولِيّات، حتى تعاظمَتْ رقعة الدّولة وخالطتْ أبناء الشعوب الأخرى وموروثهم الحضاريّ، السّياسيّ والدّينيّ. (انظر وجيه كوثراني، تأريخ التأريخ، ص47 عن النّظرةالغائية القرآنيّة، وص55-56 عن رؤية التأريخ وأيّام العرب).

تَهْدِفُ هذه المقالة إلى تقليبِ صفحاتِ التّدوين التّأريخيّ الإسلاميّ الذي اشتمَلَ تحديدًا على السّياسة وآدابها وكَيْفَ ينبغي للمَلِكِ – واصطلاح المَلِكْ هوَ الإصطلاح الذي انتهجَهُ المؤرخون المسلمونَ بغالبيتهم إبّان الحديث عن النّظريّة السّياسيّة الخاصّة بهم لا الخليفة وقد يكون ذلكَ راجعًا لتأثيرِ نقلهم عن الفُرْس – أَنْ يَحْكُم، وبأيّ الأخلاقِ يتحلّى.

لهذا الغَرَض ولاتّساع الكتابات التأريخيّة ستعرِض المقالة أقوالًا من عدّة كتُبٍ في هذا النّوع من التأريخ والآداب، يمكنُ منها استخلاص أخلاقِيّات قد تُفيدُ الإنسان العربيّ في عصرِنَا الحديث. وهذا المبحَث ضروريّ ولازِم لبِنَاء مرجِعِيّة حضاريّة عربِيّة تقتضي أحيانًا تقليب صفحات هذه الكتُب الّتي هيَ كنزٌ أخلاقِيّ حضاريّ إنسانيّ، لما تحويهِ من قواعد السّلوك الإنسانيّة على اهتمامها بالسّياسة أو الأدب السّلطانِيّ.

المقالةُ ستذكُرُ على التّوالي اسم الكاتِب ونستخلصُ من كتابٍ لهُ قاعدة أخلاقيّة أو قواعِد، لإصابةِ الوُضوحِ، وإثبات التّسلسُل.

الجاحظ وكتابه التّاج في أخلاقِ المُلوك: يكتُبُ الْجَاحِظُ (ت. 255هـ – 868م) في كتابهِ التّاج في أخلاقِ المُلُوكِ، عن آداب مجالسة الملوك ومنادَمَتِهِمْ، ويخصّ بذكرهِ الملوك الفُرْس ثمّ بني أميّة وبني العبّاس- كمُلوكٍ عَرَب. عدا أخلاق مجالسةِ المُلوكِ، نجِدُ الْجَاحِظُ يوعِزُ بوسيلةِ غَلَبَةِ الْمَلِكِ وهيَ الإصغاءُ إلى حَدِيثِهِ، فيَقْتَبِسُ الأقوال الآتيَة: «وكَانَ أسماء بن خارجة الغزاري يقول: ما غَلَبَنِي أحد قطّ غلَبَة رجلٍ يُصْغِي إلى حَدِيثي. وكَانَ معاوية يقول: يَغْلِبُ الْمَلِكُ حَتّى يركب بشَيْئَيْن: بالحِلْمِ عِنْدَ سَوْرَتِهِ، والإصغاءِ إلى حَدِيثِهِ» (ص18). الجاحظ يستحضر هنا مُعاوِية كنموذَج للملِك، وليسَ مُسْتَغْرَبًا ذلكَ، إذ يكتُب ابن خلدون بأنّه أوّل من قلَبَ الخلافة إلى الملك في مقدّمَتِهِ (مقدّمة ابن خلدون، ص17 من الجزء الثّاني)، وقدْ غُلِبَ بالإصغاء. إذًا فالقاعِدَة الأخلاقيّة التي تُسْتَخْلَص هنا هيَ أهمّيّة الإصغاء عندَ الحديث، ومع أيّ كانَ. في عصرنا الحَدِيث، لا نتعامَلُ مع مُلوكٍ بالمعنى التّقليديّ، ربّما نتعامل أكثر مع مسؤولين في العمل أو حتّى في المعاملة بينَ النّاس عامّة، نجدُ أنّ الإصغاء يُمْكِنُ أنْ يكونَ دومًا وسيلة مُثْلَى للثّبات على موقِف أو المرونة في التّعامل معهُ، كما أنّ من شأنِ تطوير هذا الخُلُق عندَ السّياسيّ العرَبِيّ، أن يكون وسيلة للتّعامُل المرِن إستراتيجيًّا في السّياسة العالَمِيّة.

ابن مسكويه وكتابه الحكمة الخالِدة «جاويدان خرد»: يُعَدّ هذا الكتاب كتابًا جامِعًا نقلَ ابن مسكويه بعضَهُ عن مخطوطٍ قديمٍ بالفارسيّة وجمَعَ إليهِ أيضًا أقوال الحكماء والفلاسفة المسلمين في السّياسة إلى جانب آرائهم في السّعادة الدّنيويّة. ويبتدئ ابن مسكويه طرحَهُ قبلَ الدخولِ في أيّ من رواياته عن الملوكِ الذين يقتبِسُ أقوالهم بمبدئ «معرفة النّفس» (ص23)؛ وفيما يَلِي بعضُ قولهِ: «لو كانَتْ معرفةُ النّفسِ أمرًا سهلًا ما تَعِبَتْ لها الحُكَمَاء، ولا تَبَرّمَتْ بها الجُهّال، ولما أُنْزِلَ في الوحي القديم: «يا إنسان! اعرِف ذاتَكَ»؛ وقد قال الله عز من قائل: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة! إِرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ». إنّ ابن مسكويه يقومُ هنا بربطٍ مثيرٍ للاهتمام بينَ قاعدة فلسفيّة قديمة في معرفة الذّات وبآية قرآنيّة تدلّ على أهمّيّة النّفس المُطْمَئِنّة، والأكثر إثارة للاهتمام أنّه يبدأ بمعرفة النّفس كمُقَدّمة للخوض في حديثه عن الملوك وأقوالهم في السياسة والأخلاق وحكماء العرب، مَا يدلّ على أنّ من لا يَعْرِف نفسهُ لا يُمكِن لهُ أن يكون سيَاسِيًّا وقائِدًا ناجِحًا. والمعرفة هيَ معرفة الذّات فكرِيًّا وفلسفِيًّا كما هيَ برأيِ كاتبة المقالة ومعرفة إيمانيّة في آن.

بعدَ حديثه عن معرفة النّفس كمُقَدّمة أخلاقِيّة، يذكُر ابن مسكويه خُصْلة المُرُوءة ويربطها بالعقلِ والعفو، إذ يقْتَبِسُ روايَةً عنْ بهمن المَلِك أنّهُ سألَ مُجالِسِيهِ عن كلمَةً تجمَعُ المكارِم في إيجاز، فذَكَر أحد الجلساء إيتاء المَعْرُوف دونَ مَنّ وآخر شُكر النّعَم (ص62-62)، فيُجيبهم الملِك أنْ «قد قُلتُم فأحْسَنْتُم. ولكن: من أخذ بمجامعِ المروءة واحتوى على الشّرف فليترك الإنتصار وهو قادِر. وأبلغ من ذلك: احتِمَال الكلِمَة المُوجِعَة عن أهل القِلّة، والحِلْم عن أهل الذّلّة، والعَفْو عندَ المَقْدِرَة» (ص63)، وهنا الملِك يفسّر المروءة بالقدرة على ترك الإنتصار مع القدرة ثُمّ يبدو أنه يذهب بالمروءة لمنحى أبعد وهوَ الحِلْم والعَفْو. يمكن كاستنتاج استخلاص القاعدة الأخلاقِيّة «المروءة» كجامِعَة للحِلْم، وهيَ خُصْلَة أخرى تُفيدُ بالغَ الإفادة فيما نُواجِهْهُ من عصرنا الحاليّ الذي يمتازُ بالعَجَلَة، وبالتّنافُس، ما من شأنهِ إبعاد من لا يحْذَر عن «المروءة» وما يتّصِل بها من القدرة على بلوغ السّعادة، وهذا الرّبط يقوم به ابن مسكويه في نفس الكتاب حيثُ يرجِع إلى قول الأقدمين: «المروءات محتاجة إلى العقل..والسّعادة مقرونة بالعقلِ» (ص62). والسّعادة هيَ غايَة الإنسان في كلّ زمَن، ويجدُ الإنسان الحديث صعوبة في الوصول إليها، فيمكن أن تنفَع رؤية ابن مسكويه الإنسان العربي الحديث بالعودة إلى ميراثه الحضاريّ الواسع وإيجاد السّبل إليها.

الغزاليّ، التبر المسبوك في سياسة المُلوك: الغزالي (ت: 505هـ – 1111م)، والذي عُرِفَ أكثر كمَنْ كَتَبَ في الفلسفة الدّينيّة، وضعَ كتابهُ التبر المسبوك في سياسة الملوك لنَصيحة «الوَالي» في سياسة الرّعيّة، وأوردَ فيهِ من الأحاديث النّبويّة والحِكَم الإسلامِيّة لتدعيم نصائحه، إلى جانب أبواب في الحكم الفارسيّة واليونانيّة القَدِيمة. ينظر الغزاليّ في كتابه لخصلة العَدْل كخِصْلَة مركزِيّة عند الحاكم ويربطها بالعَقْل على غرار ربط ابن مسكويه المروءة بنفس الإصطلاح. يتحدّث الغزاليّ أوّلًا أنّ من على من يُريد حفظ العدل أن يُرَتّب عمّاله على العدل ويحفظ أحوال العمار وينظر فيها كما ينظر في أحوال أولاده ومنزله ويُتابِع: «ولا يتمّ له ذلكَ إلّا بحفظ العدْل أوّلًا من باطنه؛ وذلكَ أن لا يُسَلّط شهوته وغضبه على عقله ودينه» (ص22) ولا يكتفي بذلك، بل يذكُر أنّ ظهور العدل من كمال العقل وهُوَ: «أنْ تَرى الأشياءَ على ما هِيَ، وتُدْرِك حقائق باطنها ولا تغترّ بظاهرها» (ص23). ماذا يُمكن أن نستخْلِص من ذلكَ؟ الإجابة هِيَ بأنّ العَدْل في المنظور السّياسيّ الإسلامِيّ عند الغزاليّ وثيق الصّلة بمعرفة «الحقائق» أي فهم الأمور كما هِيَ، وفي هذا نرى العدْل يُشَجّعُ على تحصيل العِلْم وليسَ هذا فحسب، بل يُشجّع على العدْل مع الذّات، في تأمّل الشّؤون الدنيويّة، وعلاقة الإنسان بغيره، وما يسعى لتحصيله وإعطائه قدرهُ، وهذا بالغ الأهميّة في العصر الحديث، حيثُ يُمكِن أن يُعِير الإنسان أمورًا معيّنة أهمّيّة أكبر من اللّازم كتحصيل الكماليّات وغيرها ما يُلْزِم إعادة النّظر والعدل مع الذّات أوّلًا وآخِرًا.

إنّ ما ذُكِرَ أعْلَاهُ لَا يَعْدُو كوْنَهُ بِضْعًا منْ ما بذَلَ لَهُ أبناء الحضارة الإسلاميّة أقلامهُم، وسَعُوا فيهِ جهدَهُمْ، ليَصِلَ لأبناء وبنات الأجيالِ الآتيَة، فواجبنا أنْ نُوفي جهدَهُم حقَّهُ ونُعنَى بقراءةِ وتطبيقِ مَا دوّنُوا منَ الحِكَمْ، المتّصِلَة بقَدِيمِ الزّمَن، وفي ذلكَ احترامٌ لهُمْ وفائدَة لنَا كأبناء هذه الحضارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد