يُعد الاتحاد الأوروبي كيانًا فريدًا من نوعه، وأحد أكثر الإبداعات السياسية تميزًا في القرن العشرين. وهو مؤسسة للتعاون فوق الحدود الوطنية، ولا تصل إلى مستوى الاتحاد الفيدرالي، ولكنها أكثر تأثيرًا وحيوية من المنظمات العالمية. منذ تأسيسها في النصف الثاني من القرن العشرين، لم تصبح وسيلة لأطول فترة سلام عاشتها القارة الأوروبية فحسب، بل أيضًا مصدر تقدير وإلهام للتكتلات الإقليمية الأخرى في العالم.

ومع ذلك، يبدو أن الأزمات المالية والمهاجرين والخروج البريطاني تركت أثرًا بالغًا في اقتصاد الاتحاد الأوروبي ووحدته، وأثارت أيضًا شكوكًا وتساؤلات حادة حوله. في ظل هذا تحاول هذه المقالة الإجابة عما إذا خسر النموذج الأوربي بريقه بعد هذه الأزمات؟ ودلالة هذا بوجود ثغرات أساسية في نظريات التعاون الإقليمي أو استمرارية وعود النموذج.

أولًا، لم ينطفئ ضوء الاتحاد بعد؛ إذ كشف استطلاع جديد عن قفز شعبيته إلى أعلى المستويات منذ عقد من الزمان، وتراجع الثقة عن حكومات الدول الأعضاء. ورأى حوالي 45% من المشاركين، مقابل 17%، سير الاتحاد في حالة إيجابية، كما أن أكثر من 60% تفاءلوا بمستقبل الكتلة، إضافة إلى 56% يعتقدون أن أصواتهم مسموعة في الاتحاد.

ثانيًا، خلال الأزمة المالية لم تخرج أي دولة من منطقة اليورو. وأدت الإصلاحات إلى استبدال سياسة عدم الإنقاذ الصارم بالمؤسسات التي توفر الدول العاجزة ائتمانيات عامة كافية للاستمرار. وهذا بجانبه خفض الاستقلالية في سياسات الميزانية للأعضاء. مما أكسبها أيضًا طابعًا مركزيًّا على التنظيم والرقابة النقدية، كما جعلت الأزمة المواطنين يدركون بشكل متزايد الترابط بين الاقتصاديات الأوروبية وتأثير الاتحاد في مستقبل الاقتصاديات الوطنية لدول الأعضاء.

بجانب آخر، اختلفت الكتلة على كيفية حل تدفق المهاجرين. وذلك لأن تهديدها أقل مقارنة بالأزمة المالية. والتكلفة الاقتصادية لعدم الاتفاق حولها متواضعة حتى ولو علقت شنجن بالكامل. ولهذا ركزت الجهود على منعهم (المهاجرين) من الوصول إلى الحدود الأوروبية.

وأخيرًا، توقع كثيرون أن يصبح لخروج بريطانيا التأثير السلبي الذي يحدد بداية النهاية للكتلة، ولكن بعد ثلاث سنوات من الاستفتاء البريطاني، لم يحدث سوى تراجع الأحزاب المناهضة عن مطالباتهم للاستفتاءات. وبدأت الأحزاب تقدم أنفسها بوصفهم مصلحين يريدون إحداث إصلاحات داخل الكتلة وليس تفكيكها. وهذا يجعل بريكست لقاحًا ضد دعايات الاتحاد الأوروبي كما فُسر هذا استجابة عقلانية للتكلفة الاقتصادية والسياسية المتصورة للخروج، ولا سيما بعد النتائج السلبية على الاقتصاد البريطاني فور صدور نتائج الاستفتاء.

نظريات التعاون الإقليمي

تُنتقد الأعمال التي تناولت العملية التكاملية بنظرتها المنحازة المعيارية. ويرى الاتحاديون والوظيفيون الجدد سير الاتحاد ببطء إلى اتحاد أوروبي ديمقراطي. وينظر أصحاب النظريات العابرة للحكومات إلى الاتحاد بوصفه مجموعة من الدول القومية القوية التي تتعاون معًا فقط لتحقيق مصالحها المحلية، وبالتالي في نظرهم، تعد الكتلة حالة خاصة من الكونفدرالية. ومع ذلك فإن الأزمات الأخيرة لم توجه الكتلة إلى أي من الاتجاهين اللذين طرحتهما المجموعتان.

أما لايسبت هوغي، وغاري ماركز يريان أن هذه النظريات لا تحتوي على خطأ جوهري، وتحسن فهمنا للأزمات التي شكلت الكتلة خلال العقد الماضي، وتحاول كل واحدة منها تقديم منظور مختلف لعملية التكامل الأوروبي باستخدام مجموعة من الأدلة؛ محاولة التفكير في سلوك الجهات المؤثرة، والحيز الذي تعمل به، والآلية التي تربطها بالنتائج.

الكتلة الواعدة

تظهر وعود نموذج الاتحاد الأوروبي من حيث القيم التي ينطلق منها: السلام والديمقراطية والحرية والتعددية، وأيضًا المساواة والقيم المشتركة للأوروبيين. وعلى أساسها بُنيت الوحدة الأوروبية، وهي التي أعطته أيضًا قوة معيارية ناعمة يتميز بها عن باقي القوى العالمية.

ساعد الاتحاد في رفع مستوى معيشة مواطنيه؛ إذ تضاعف متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد تقريبًا على مدار العشرين عامًا الماضية. ويتمتع أيضًا بحالة اقتصادية جيدة، حيث تبلغ القيمة الإجمالية لصادراته حوالي 5.8 ترليون يورو، ويمثل هذا أكثر من ثلث إجمالي الصادرات العالمية، وأكثر من مرتين ونصف صادرات الصين، وأكثر من ثلاثة أضعاف صادرات الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تسهِّل مؤسساته المفاوضات الدبلوماسية بطريقة تستند إلى القواعد وتتسم بالكفاءة. وفي عام 2017م على سبيل المثال، كان هناك 92 يومًا لاجتماع وزراء الأعضاء، و3 آلاف أخرى لفرق العمل، إضافة إلى التبادلات المنتظمة بين الرؤساء. وتوفر هذه الاجتماعات بيئة لتبادل الخبرات والاتفاق على استجابات سياسية مشتركة.

في النهاية، يُلاحظ أن الاتحاد الأوروبي تمكن من تعميق تكامل مالي واقتصادي لأعضائه بعد الأزمات الأخيرة. وحصوله على تأييد الشعوب الأوروبية لا تؤكد استمراريته فقط، بل أيضًا تجعله جريئًا في دفع عملية التوسع والتكامل الأوروبي نحو الأمام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد