مقدمة

اليوجينيا Eugenics هو العلم الذي يهتم بتحسين الصفات الوراثية لعرق بشري أو سلالة بشرية عن طريق التحكم بالتزاوج بين البشر!

ويمكن تعريف اليوجينيا أيضًا بأنه الفلسفة والحركة الاجتماعية التي ترى أنه من الممكن تحسين الجنس البشري والمجتمع من خلال تشجيع الإنجاب عن طريق أولئك الذين يملكون الصفات المرغوب فيها، أو ما يطلق عليه: اليوجينيا الإيجابي، أي الجينات الجيدة السليمة، وتثبيط أو منع تناسل أولئك الذين يملكون الصفات غير المرغوب فيها، أو اليوجينيا السلبي، بمعنى الجينات السيئة التي تسبب الإعاقات والأمراض. وأول من اخترع واستخدم هذا الاسم هو العالم الإنجليزي فرانسيس غالتون Francis Galton، وهو ابن عم الإنجليزي الآخر تشارلز دارون، صاحب نظرية التطور الشهيرة، وملحقها مبدأ: البقاء للأصلح، Survival of the fittest في أنواع الحيوان والنبات، حيث لا يستمر في الحياة إلا الأنواع القادرة على التأقلم مع التطورات البيئية.

ثم تطور مبدأ البقاء للأصلح على يد الإنجليزي الآخر هيربرت سبنسر ليُطبق على البشر، فيما يسمى الدارونية الاجتماعية، والتي ترى أن البشر لا يختلفون عن الحيوان والنبات في مبدأ البقاء للأصلح، سواء في المجال الوراثي- من ناحية لون البشرة والذكاء والعرق- أو الاقتصادي ومقياسه القدرة على المنافسة في اقتصاد السوق الحر laissez-faire، أي عدم تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد. ولكنهم لم يتركوا مبدأ البقاء للأصلح – من الناحية الوراثية – يأخذ مجراه الطبيعي عند الإنسان كما في النبات والحيوان، بل بدأوا بتطبيقه يدويًا ـ إن صح التعبير ـ بتحديد مَنْ يكون أبًا ومن يجب تعقيمه كي لا ينجب معاقين أو غير أسوياء، تحت مسمى Eugenics أو تحسين النسل!

اليوجينيا في بريطانيا

كتبت الأستاذ المساعد بكلية الأحياء في جامعة سان دييغو الأمريكية لورا ريفارد Laura Rivard، بالاشتراك مع زميلتها تيرن بوش Teryn Bouche من كلية الطب البيطري بجامعة ولاية واشنطن، مقالًا بتاريخ 18/9/2014 تحت عنوان: تاريخ أمريكا المخفي: حركة اليوجينيا، شرحتا فيها حركة اليوجينيا في كل من بريطانيا وأمريكا.

قالت الأستاذتان إن أول اقتحام أكاديمي لفرانسيس غالتون في علم اليوجينيا، هو تحليله لمواصفاتٍ كالذكاء الفائق للطبقات الاجتماعية الإنجليزية العليا، واستنتاجه بأن هذه المواصفات وراثية، وعليه فيمكن تمريرها عبر الأجيال. ودافع عن برنامج إنجاب انتقائي يخص الإنسان في كتابه العبقرية الوراثية عام 1869، وأكد أنه كما يمكننا تحسين سلالة كلاب أو خيول بمواصفات ممتازة، يمكن لنا أن ننتج جنسًا بشريًا موهوباً عن طريق ترتيب زيجات حكيمة خلال عدة أجيال. وانضمت لهما الدكتورة كارين نورغارد Karen Norrgard المتخصصة في علم الوراثة الإنساني؛ لتقول إن غالتون طرح نظريته عن تحسين النسل، بعد أن وجد أن نسبة التوريث الفعّال للذكاء والقدرات الفائقة من عائلات إنجليزية عريقة لأبنائها كانت 20%؛ مما حدا به لتسمية نظريته اليوجينيا أو المولود النبيل well born. وأوصى بعدها بتحسين النسل البشري عن طريق تحفيز الذين يمتلكون الصفات الإيجابية لزيادة نسلهم! أي أن حركة اليوجينيا الإنجليزية التي دعمها غالتون نفسه روجت لليوجينيا الإيجابية عن طريق نسل (إنجاب) انتقائي للصفات الإيجابية، عكس اليوجينيا الأمريكية.

اليوجينيا في أمريكا

أما في الولايات المتحدة، تتابع ليفارد وبوش، فقد قاد حركة اليوجينيا في بدايات القرن العشرين كل من تشارلز دافينبورت (Charles Davenport (1866-1944، وهو عالم أحياء بارز، وهاري لافلين Harry Laughlin، وهو أستاذ سابق مهتم بالنسل. فأسس دافينبورت عام 1910 مكتب سجل اليوجينيا (ERO): لتحسين الصفات الطبيعية والجسدية والعقلية والمزاجية للعائلة البشرية. وقد اهتم العاملون في الميدان التابعون للمكتب تحت قيادة لافلين بجمع صفات الأجداد فيما يخص توريث الصفات البدنية والعقلية والأخلاقية. واهتموا بشكل خاص بمنع توريث الصفات غير المرغوب فيها undesirable traits، مثل الفقر المدقع (الإملاق)، والإعاقة العقلية، والتقزم، والإجرام، والمجون! لذلك ساعدت حركة اليوجينيا بإصدار قانون التعقيم sterilization، أي جعل ذوي الصفات السلبية عقيمين؛ كي لا ينجبوا أطفالًا من ذوي الصفات السابقة! ونتيجة لهذا القانون فقد عُقّم 64,000 إنسان في أمريكا بالرغم من إرادتهم. وفي بداية حملة التعقيم استُهدف المعاقون، ثم استهدف مَنْ جريمتهم الوحيدة هي الفقر، إضافة لسكان الأقليات وغير المتعلمين! ووجدت برامج التعقيم هذه دعمًا قانونيًا من المحكمة العليا! ولم تبخل السينما بدعم اليوجينيا عن طريق فلم اللقلق الأسود The Black Stork عام 1917، والذي صوّر طبيبًا على أنه بطل؛ لأنه سمح لطفل مصاب بالسفلس أن يموت، بعد أن أقنع والديه بأنه من الأحسن تخليص المجتمع من منبوذ آخر!

اليوجينيا في ألمانيا

على أن أسوأ الحركات اليوجينية كانت في ألمانيا في الثلاثينات من القرن الماضي. حيث سنّت حكومة النازيين عام 1933 قانون منع إنجاب ذوي الأمراض الوراثية، الذي تم بموجبه تعقيم 400 ألف ألماني بغير إرادتهم؛ لأن لديهم أمراضًا، كالصرع والأمراض العقلية والتشوهات البدنية. واستمرت هذه الإجراءات طوال عقد الثلاثينات، ووصلت الأمور إلى القتل الرحيم أي euthanasia، والذي استهدف البالغين والأطفال ذوي الإعاقات العقلية والبدنية. ويقول جون توماس John P. Thomas الكاتب في موقع أخبار تأثير الصحة healthimpactnews.com أن النازيين قتلوا ستة ملايين يهودي، وخمسة ملايين إنسان آخر صُنفوا على أنهم غير مرغوب بهم، من بينهم مسيحيون أحرار – صرحاء في التعبير عن آرائهم – وقساوستهم الذين لم يذعنوا للنازية. وشملت قائمة القتلى أيضًا الغجر، والشاذين جنسيًا، وذوي الإعاقات العقلية والبدنية، والمرضى بالصرع والعميان والصم، والسود، وكل من حمل الجنسية البولندية في ألمانيا.

لا فرق بين الإنسان والحيوان

إذن يعتقد علماء تحسين النسل eugenicists – حسب جون توماس – أن ماهية البشر وسلوكهم محددان ومقرران مسبقًا، وبشكل شبه كامل بالتركيبة الجينية لكل فرد. فإن كان لدى الانسان جينات سيئة، تلك التي تسبب الأمراض والإعاقات بكل أنواعها، فلا يمكن لبشر تغيير وضعه الحياتي، بالرغم من مستوى الطب المتقدم جدًا! فيرى هؤلاء العلماء أنه يجب إنقاذ المجتمع البشري من المشوهين والمعاقين، إما بتعقيم الناس ذوي الجينات المسببة لهذه الآفات أو حتى التخلص منهم بالقتل أو العزل أو التعقيم! ذلك أن البشر لا يختلفون عن حيوانات الحقل، فالفلاح يربي الأبقار والحيوانات القوية والمفيدة عمومًا، كالأبقار التي تدر الحليب، ويمنع الحيوانات ذات الصفات السلبية من التكاثر! ولذلك فهم يهدفون من تطبيق اليوجينيا إلى خلق مجتمع فعّال ومنتج وخالٍ من ذوي الإعاقات الذهنية والبدنية والنفسية. ومجتمع يسوده الأغنياء؛ لأنهم موهوبون أكثر من الفقراء، وأكثر نجاحًا في الحياة!

عوائق اليوجينيا

وتؤكد الدكتورة نورغارد أن اليوجينيا كان محكومًا عليها بالفشل، بالرغم من انتشارها؛ لأنه لم يكن هناك إلا القليل من الأساس الجيني (الوراثي) للصفات التي درسها علماء اليوجينيا. ذلك أن الصفات السلبية المراد القضاء عليها، كالصرع، والإجرام، والإدمان على الكحول، والاضطراب ثنائي القطب، والحماقة التي ينضوي تحتها كل أشكال التخلف العقلي، وإعاقات التعلم، كانت معقدة وذاتية التحدي، أي ليست عامة، فتنطبق على الجميع؛ مما يجعل تعقبها صعبًا. كما رُفض تأثير العوامل البيئية، كتواضع المسكن، وسوء التغذية، والتعليم غير المناسب لنمو هذه الصفات السلبية، بل تأكد أنها نتيجة المادة الجينية لكل شخص!

كما أنه على المجتمع أن يعي أن هناك فروقًا في تحديد معنى إعاقة ما. فمثلًا، يرى البعض أن الطرش إعاقة، فيما يراه آخرون أسلوبًا مختلفاً للعيش. ففي عام 2002 طلبت مثليتان مصابتان بالصمم حيوانات منوية من متبرع أصم، وهذا ما حصل، وولدتا طفلين أصمين! ولكن لو طلبت هاتان المثليتان العكس، أي طلبا متبرعًا سليمًا حسب التقنيات الحديثة، كالتشخيص الوراثي قبل الغرس (الزراعة) لاختيار أجنة خالية من العاهات، فإن هذا سيلفت الانتباه ويثير الجدل حول تصميم الأطفال designer babies، وهل يحق للمجتمع إذن اختيار أنواع المواليد؟ وكل هذه الأمور مدعاة لعدم اليقين، بل الشك والرفض لأسس اليوجينيا. على أن أهم المعوقات حاليًا – ولو ظاهريًا- هو حقوق الإنسان المزعومة ومكافحة التمييز العنصري، علمًا بأنه يجري على قدم وساق في الغرب وصرح به غير مسؤول!

إلا أن، وبالرغم مما سبق من معوقات تعرقل اليوجينيا- حسب الدكتورة كارين روغارد- فإن الكثير من الأشخاص المؤثرين لايزالون يؤيدون اليوجينيا ويرحبون بمنع ولادة ذوي الاضطرابات الجينية، والخلل المعرفي أو الإعاقة البدنية. وهناك من يؤمن -كما يقول جون توماس – أنه يحق لوالدي الطفل المعاق بأي نوع من الإعاقات السابقة أن يجهضوا الطفل حتى سن الخمس سنوات! وتعني كلمة يجهض هنا يقتل، ولكنها استعملت للتخفيف. حيث استبدلوا بكلمة قتل تعبير إجهاض بعد الولادة! وبهذا فإنهم يعتبرون الطفل إنسانًا محتملًا حتى سن الوعي الذاتي، وهو سن الخمس سنوات تقريبًا، أي أنه disposable يمكن التخلص منه في هذه السن بسبب إعاقته، أو ربما لأن لون شعرها ولون عيونه لم يعجبا الوالدين!

الخاتمة

لا شك أن اليوجينيا كما رأيناها الآن تعطل إحساس الناس بقيمة الحياة الإنسانية. ولكن أرباب هذا التوجه لا يزالون قائمين عليه بشكل غير معلن، بالرغم من العوائق التي ذكرناها. فلديهم فائض من القوة في كل المجالات، والشعور الديني كالإنساني لا وجود له لدى القائمين والداعمين لنظرية التطور الدارونية ككل، فهم كما قال الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز: الإنسان ذئب للإنسان! حتى الزواج بين الرجل والمرأة سيقرره علماء اليوجينيا وأطباء الأحياء، وليس الحب أو التفاهم! ما يعني أن الروابط العائلية المعتلة الآن، قد تنتهي وللأبد! ولليوجينيا من يؤيدها حتى في بلادنا وإن بشكل نادر، حيث يزعمون أن صحة المجتمع الإنساني أهم. ويستشهدون بآراء رجال مشهورين قدموا الكثير للبشرية، ولكنهم أيدوا اليوجينيا. ومنهم الكاتب الإنجليزي الشهير وحامل جائزة نوبل جورج برنارد شو، ومخترع الهاتف غراهام بيل!

هل سينقرض الفقراء الأكثر استهدافًا -كما يبدو- من قبل علماء اليوجينيا؟ هل ستُفرض الدارونية بكل فروعها: نظرية التطور، والدارونية الاجتماعية، واليوجينيا كدين جديد على البشرية؟ هل سنكون بشرًا آليين robots لا حس إنساني لدينا ولا حتى حيواني؟! وأنت أخي القارئ، هل تؤيد؟ ما هو رأيك؟ أم لديك اقتراح؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد