تحدثت الفيلسوفة اليهودية القديرة حنة آرنت، على أن اكتشاف القارة الأمريكية شكَّل حدثًا أساسيًّا في تشكيل العقلية الغربية المتّسمة بالمشروع الحداثي؛ فقد أعاد هذا الاكتشاف هيكلة الخريطة العالمية التي كانت منبسطة تنتهي ببحر الظلمات الغامض، لتُصبح كروية تحوي قارة جديدة سُمِّيت بـ«العالم الجديد».

إنه «جديد» رغم أنه كان موجودًا هناك سابقًا، فكلمة «جديد» تعني بالتدقيق «تدخُّل الرجل الأبيض في الأمر»، فالهنود الحمر كانوا أصلًا هناك، لكن لسوء حظهم لم يكن يعلم الرجل الأبيض بهم. فما كان يعرفه الرجل الأبيض قد سمَّاه «بالعالم القديم»، أما ما عرفه الآن بعملية «الاكتشاف» فقد سماه «العالم الجديد».

إذن، الرجل الأبيض هو الفيصَل بين القديم والجديد. لقد صار الرجل الأبيض الحامل للمعيار العالمي لتحديد الجديد والقديم. وبالطبع، هو من سيقسم التاريخ العالمي إلى قديم وأوسط وحديث ومعاصر، وهو من سيُحدِّد الأقوام البدائية والمُتحضِّرة، وهو من سيحمل البوصلة لتحديد الشرق والغرب، رغم أن الجهات لا تتحدد إلا بنسبية مكان الوقوف، ومع ذلك فإن الرجل الأبيض هو الذي يملك الذات التي تجعل من المكان الذي تتأصل فيه المرجع الأساسي لكل الأماكن في العالم.

لقد «اكتشف» الرجل الأبيض إذن «العالم الجديد»، فكلمة الاكتشاف منطقيًّا ترتبط كمدلول على فعل يفعله الإنسان لتحويل الانتباه «لحقيقة جرت معرفتها أخيرًا بعد أن كانت غير معروفة»؛ لهذا فالاكتشاف هنا لا يرتبط بالإنسان بشكل عام، وإنما بالرجل الأبيض فقط؛ فالهنود قد سبقوا الأوروبي إلى القارة التي يقطنونها، لكن مع ذلك أُلغي اكتشافهم، وجرى تعويضه بالاكتشاف الذي قام به الرجل الأبيض.

قال الكوميدي الأمريكي الساخر إيدي جريفن في عرض مسرحي كوميدي (ستاند آب):

«اكتشاف أمريكا؛ يارجل! إنها أكبر تفاهة سمعتها في حياتي. كيف بحقك تكتشف مكانًا وهنالك أشخاص يعيشون فيه؟ هذا أمر غير منطقي. إنهم عندما يقومون بتفاهة ما يأتون إليك بكلمات مثل «اكتشاف»، والتي تعني «سرقة». هذا ما تعني كلمة اكتشاف في القاموس، يجب أن تكون هكذا، اكتشاف تساوي سرقة، سأخرج عندما أُنهي هذا العرض، وسأقوم باكتشاف سيارة، ليس هناك أحد فيها، لقد اكتشفتها ولا يهمني حتى ولو كنتَ فيها، سوف أصوب المسدس على رأسك وأعطيك استضافة في صندوق السيارة، هذا مافعلوه مع الهنود الحمر…».

«اكتشاف» أمريكا التي تعني السرقة، غيَّرت المعيار العالمي لبناء الفوقية والتحتية في الكينونة الإنسانية، فبعد أن تحوَّلت الخريطة من المنبسطة إلى الكروية، وضع الرجل الأبيض المكان الذي يقطنه في الدرجة الأعلى، والذي يُسمى بالشمال، بينما جعل الجنوب في الأسفل، فما المنطق العلمي الذي يجعل الشمال فوق الجنوب؟

في الماضي كنت أعتقد، انطلاقًا من رؤيتي لمجسم الكرة الأرضية، أن وادي النيل ينبع من البحر الأبيض المتوسط في سيلانه متدفقًا نحو الجنوب. ولكن بالكاد استوعبت أن المجسم ليس منطقيًا، فالنيل يبدأ من الجنوب ليَصب في البحر الأبيض المتوسط.

إذن، الرجل الأبيض تعمَّد أن يجعل نفسه في الأعلى على مجسم الكرة الأرضية، وأن يُدير هذا المجسم في مكتبه كما يريد، وكأنه الإله «الجديد» للأرض. أصبح الشمال موطن الإنسان الإله، الذي سيخلق المبررات العقلية التي ستقوده إلى السيطرة على باقي الأرض؛ أي سينظر إلى الجنوب كمنطقة لا بد أن يصلها شعاعه الإله، لا بد للبياض أن يلمس السوَاد.

لقد قام مجسد الكرة الأرضية بوضع مفهوم «الرجل الأبيض»، في وضعية المؤسس الجديد للعالم، المنبع والأصل والمعيار. المصدر الشعاعي للإنسان الحقيقي. لقد أصبح اسم «الحضارة» دلالة على جنة عدن، والتي تقع في الأعلى، هناك في الشمال، أما الجنوب فهو المجال الأرضي الذي يغرق في خطيئة السقوط من جنة عدن، إنه المجال الذي يُعبِّر عن «البدائية»، أي المرحلة التي وجد الإنسان فيها عاريًا متَخبِّطًا في العشوائية بسبب سقوطه من جنة عدن.

في ذهنية الأوروبي، سقط أهل الجنوب البدائيين من حضارة الشمال، لهذا يجب أن ينزل الإنسان الحضاري إلى الأسفل لإدخاله إلى الجنة إنقاذًا له، وتعبيرًا عن ملائكية الرجل الأبيض الإنقاذية. إن الرجل الأوروبي نزل من سمائه إلى الأرض لإنقاذ الرجل الجنوبي من خطيئته، وإعادته إلى الجنة، لكن ما حدث حقًّا، هو أن الرجل الملائكي أو الإلهي قد جعل الرجل الجنوبي عبدًا ليجد شرطًا أساسيًّا لبناء الجنة في الشمال.

ملاحظة حنة آرنت المهمة تصب في مضمار الأنثربولوجيا اللاإستشراقية (كمشروع إدوارد سعيد)، التي تحاول استشراف فهم جديد للإنسان. قائم على توضيح جينيالوجيا المشروع الحداثي المركزي، الذي يجعل من الرجل الأبيض «الأنا» العالمي، الذي يقوم كشرط أساسي لتحديد «مكان الآخر».

فالرجل الأبيض يقف ويشعر بـ«أناه» أولًا، وبما أنه الرجل الذي يُعبِّر عن هذا ثانيًا، وبشكل شمولي يشمل العالم الكروي، فإنه إذن الرجل الذي سيحدد من سيكون في الأعلى، ومن سيكون في الوسط، ومن سيقع في الشرق، ومن سيكون في الغرب.

فالمسؤول الأول على تقسيم العالم إلى «شرقي وغربي» هو «الأنا» التي يشعر بها الرجل الأبيض، لقد سحق النسبية وجعل من أناه المرجع الجغرافي (شرق أقصى، شرق أوسط، الجنوب)، والتاريخي (التاريخ الميلادي، والتوقيت العالمي جرينيتش)، والعلمي (تحديد الوحدات القياسية للأوزان والمسافات والأحجام)، والحضاري (المبادئ الإنسانية التي بدأت بماجنا كارتا). لقد سرق الرجل الأبيض كل الإرث العالمي، وجعل من ثقافته وتاريخه البداية والنهاية، وقد عبر فوكوياما وقبله هيجل عن نهاية التاريخ، ليؤكدوا عجرفة الرجل الأبيض الذي يعمل على اختزال التاريخ البشري في مراحله التاريخية، التي تبدأ من فلاسفة الإغريق، وتنتهي مع الليبرالية الرأسمالية.

إذن هناك أسئلة مهمة تنبجس من هذا المقال؛ هل الشرق الأوسط أو الأقصى سيكون كذلك لمن يعيش في الصين أو الهند؟ وما الذي يجعل توقيت جرينيتش هو المرجع العالمي وليس توقيت مكة أو هونج كونج؟ لماذا السنة الميلادية هي الأساس العالمي للسنة الشمسية؟ هل من الضروري أن تتضمن السنة اثني عشر شهرًا؟ لماذا قسَّم الغرب الفيزياء إلى كلاسيكية ومعاصرة؟ ولماذا جعل من الوحدات القياسية التي اختارها وحدات عالمية؟ هل من معيار لتكون كذلك؟ ولماذا لا يتحدث عن إنجازات علمية عالمية سابقة كشروط مسبقة لظهور الإنجازات العلمية الحديثة؟ هل المبادئ الإنسانية لم تبدأ إلا بإعلان الإنجليز للماجنا كارتا في القرن الثالث عشر؟ وهل نهاية التاريخ ستتحدد بالليبرالية الغربية، أو باشتراكيتها، أو بأرستقراطيتها؟ هل لا يمكن للشعوب الأخرى أن تُحدد بداية تاريخها ونهايته؟ (مفهوم نهاية التاريخ لا يعني نهاية العالم، وإنما يعني الوصول لواقع يتوافق عليه البشر بسعادة وحرية).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد