يخرج علينا بين الفينة والأخرى من يقسم بأغلظ الأيمان أنَّ الإسلام مكتسح أوروبا، وأنه الديانة الثانية فيها، وانتصاره لن يأتي على أيدي أولئك العرب الغٌثاء، إنما سيأتي غضًا طريًا على أيدي أولئك المسلمين الأوروبيين الأنقياء، هذا الكلام وغيره يأخذني على حين غرة، فأجدني في البدء فرحًا، منتشيًا، يكاد قلبي ينطق قبل لساني تكبيرًا وتحميدًا.

 

ولكني أدرك إدراكًا غريبًا مبهمًا بعد إمعان تفكير أنها نشوة كاذبة، وفرحة باهتة، وانتصار زائف،  وكأني غارق في بحر لجي من الريبة، وتتولاني حيرة، ثمة شيء عجيب رابض في كلامه على قدر ما يحمل في نظرة العجلان من  جميل معنى، بديع نظم، أمل مؤنس إلا أنك بعد تدقيق وتمعن تجد فيه  كبير أخطاء، ويسقطك فى هوة سحيقة من المبالغات والمغالطات الفجة، وتدليسً لا أدرى إن كان مقصودًا أو غير مقصود.

 

وما نبغى إلا أن نسلط ضوءً، نلفت نظرًا، نغير فكرًا، لا نعطى الفكرة جاهزة كوجبة سريعة، إنما نداعب العقول بأهداب المعطيات، فتتولد الأفكار التي نظنها حقًا؛ إلى أن يبدو لنا في الأفق أحق من الأول فنتبعه وهكذا دواليك.

 

عندما يقول إن الإسلام الديانة الثانية في أوروبا فتكون إجاباتنا عن سؤاله بسؤال كم في أوروبا من ديانة سماوية  تبشر أو تدعو لنفسها؟ فلن تجد إجابة إلا الإسلام والمسيحية فقط، لأنها ميزة لهما دون سواهما، فاليهودية مثلًا لا تقبل يهودًا جددًا، إلا من كانت أمه يهودية، فصاحبنا كلامه مردود عليه، ولكن لو عدنا إلى منطوقة هل الإسلام الديانة الثانية في أوروبا حقًا؟ الإجابة بكل تأكيد نعم؛ لأنه ليس في المنافسة إلا اثنان: مسيحية وإسلام، مثل من جاء لوالده بارك لي أبي، لقد حصلت على المركز الثاني في المسابقة، فيسأله الوالد كم متسابقًا كنتم؟ فيقول: اثنان!

 

إذا كان الأمر كذلك  فإني أرى أن هذه المقولة وغيرها مدعاة لاستكانة العرب، وحقن ضمائرهم بمسكن ذي مفعول طويل المدى؛ لتهدئ ضمائر طالما أرقتهم. كأن لسان حاله يقول: أيها العربي لن تكون من الجيل المنشود ولا من أرباب  النصر الموعود، ليس لك من الأمر شيء، فالأمر قضاء مقضي، وقدر محتوم.

 

هذا الكلام المفرط في الخيال يقابل هوى نفوس فُطرت على خلافة وعمارة الأرض فتجد نفسها تتحطم أمام واقع صارخًا بأعلى صوته: أنت لا تزيد عن غثاء كغثاء سيل، أو همل بغير وزن ولا قيمة. فيهرب من واقعه، وينسل من حاله بأن يتدثر بتلك الكلمات محل البحث كمخدر فيها مواساة له وهربًا من صراع داخلي محموم بين هدف وغاية من جهة وواقع كاشف عن حقيقته من جهة أخرى. أوروبا الآن ولا أوروبا المستقبل لن تكون مدينة منورة أخرى مهجرًا، ثم احتضانًا ثم انطلاقًا، وفي النهاية تمكين. أوروبا لن تعدو إلا أن تكون حبشةً أخرى مهجرًا ومُقام عدل ليس إلا.

 

والمشكلة الأساس أننا ننظر إلى الحضارة الأوروبية والفكر الغربى على أنه غزو ثقافي، فننسلخ عما فيه من تطور تقني، ونوصد أبوابًا أمام جديدة، وليس هذا وحسب إنما بتنا   ننتظر الفتات عطفًا، أو صدقةً كما حال المتسول المسكين. فننظر إلى الشجرة لا كيفية زراعتها ولا حرث الأرض أو بذر البذور أو طريقة الري، إنما كل ما يشغلنا أن نتسابق، بل ويقاتل بعضنا بعضًا على تلك الثمار الساقطة بفعل ريح أو بفعل الغير.

 

وهنا يخرج عليك أحدهم بإرادة ملؤها الحماسة تتجلى في ارتفاع صوته المتهدج: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين! فلو نظرة إلى هذا الدعاء بشيء من التدقيق لوجدت استسلامًا تامًا، وتواكلًا متناهيًا، ركونًا إلى الأرض، ومن يدريك أيها المستكين، المستسلم، المتكوم على نفسه أن يُهلك الظالمين بعضها ببعض؟ ثم يأتيك الطيبون فتحولهم بضعفك واستكانتك إلى ظالمين، فضعفك هو مصدر قوِتهم وبطشهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوروبا
عرض التعليقات
تحميل المزيد