هل بالفعل يسعى رجب أردوغان أن يكون ديكتاتوريًا من خلال تعديل بعض مواد الدستور عن طريق الاستفتاء المزمع إجراؤه في 16 أبريل القادم الذي يهدف إلى تحويل تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي؟

أعتقد أن هذا الأمر لا يمكن الإجابة عليه بشكل دقيق؛ حيث تكمن الإجابة عند الشعب التركي، الذي لديه من الوعي ما يجعله يقرر مصيره ويعرف أين تكون مصلحته سواء مع أردوغان رئيسًا بصلاحيات أوسع إذا تمت الموافقة على الاستفتاء أو مع غيره والإبقاء على النظام البرلماني.

تابعنا محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي وأحداثها وكيف تصدى الشعب التركي لها، بما فيهم المعارضة رغم اختلافها مع حزب التنمية والعدالة الحاكم، لأن الشعب عانى من عدة انقلابات دموية سابقة ولذلك تصدى بكل قوة لانقلاب العام الماضي في ظروف كانت توصف بأنها صعبة للغاية وبدأت كثير من الدول الأوروبية في وضع سيناريوهاتها للتعامل مع سلطة الانقلاب إذا نجح.

وإذا كانت التعديلات تخص تركيا وحدها لأنها دولة مستقلة وذات سيادة، فلماذا تدخلت ألمانيا وهولندا وبعض دول الاتحاد الأوروبي في شأن داخلي يخص أنقرة طالما أن هذه الدول تتشدق بالديمقراطية كل يوم وباحترام حقوق الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه… إلخ.

لماذا منعت ألمانيا وزيرين تركيين من حضور فعالية عن التعديلات مع جاليات تركية تحت زعم أسباب أمنية؟

بل تجاوز الأمر أساليب اللياقة والدبلوماسية عندما منعت هولندا طائرة وزير الخارجية التركي من الهبوط على أراضيها، ومنعت وزيرة العمل من الدخول إلى مبنى قنصليتها، وبناء عليه انتقدت تركيا هذا الموقف واتهمت هولندا بأنه تصرف «نازي».

تخشى دول أوروبا من تحول تركيا إلى نظام رئاسي يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع تناسب المرحلة القادمة، يؤهل الدولة لتحقيق مزيد من الإنجازات واتخاذ قرارات مصيرية تواكب الظروف الآنية.

شئنا أم أبينا، تخشى أوروبا من نفوذ قوة مثل تركيا في المنطقة، قوة لها توجه إسلامي، ورئيس مسلم، وهذا ما يزعج الاتحاد الأوروبي، ويجعله قلقًا من تحول تركيا إلى النظام الرئاسي، رغم أن هناك دولًا أخرى كثيرة تطبق هذا النظام منها الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا وغيرها.

تمارس أوروبا ديمقراطية انتقائية، حسب الموقف وحسب الظرف. هناك دول في الاتحاد الأوروبي تدعم أنظمة ديكتاتورية بعينها رغم رفض شعوبها لها ومحاولة تغييرها.

تقف أوروبا صامتة إزاء تدخل دول بعينها قوية مثل روسيا والصين في سوريا ودعم نظام الأسد المجرم الذي تسبب في تهجير 12 مليون مواطن ما بين لاجئ ومشرد؟

لم تتحرك دول في أوروبا عندما ترى الإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل كل يوم ولم تقدم أي نتيجة ملموسة لوقف هذا الإرهاب.

لماذا لم تحترم أوروبا ودول أخرى حرية الشعوب في اختيار مستقبل بلادهم واختيار من يمثلهم؟

منذ أيام أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكمًا أيدت فيه منع ارتداء الرموز والألبسة الدينية بما فيها الحجاب في أماكن العمل.

بموجب هذا الحكم، تستطيع الشركات وأرباب العمل في دول الاتحاد منع المواطنين من ارتداء أي لباس له رمز أو دلالة دينية أو سياسية أو فلسفية بما فيها الحجاب.

كيف تتحدث عن الديمقراطية وهي تمارس ديكتاتورية في عدم السماح للمواطنين بالتمتع بأبسط الحقوق، وعدم السماح لمسلمة مثلًا بارتداء الحجاب، بل تنامى في الآونة الأخيرة تعصب وكره للمواطنين المسلمين، وتم طرد بعض السيدات المسلمات من العمل لأنهن كن يلبسن الحجاب.

أين إذن ديمقراطية أوروبا، وأين حقوق الإنسان التي تتمسك بها كما تدعي؟

بالنظر إلى التعديلات الدستورية، سنجدها تتضمن عدة مواد أبرزها:

– تلغى المحاكم العسكرية، بما فيها المحكمة القضائية العليا العسكرية والمحكمة الإدارية العليا العسكرية.

– زيادة عدد مقاعد البرلمان من 550 إلى 600.

– خفض سن الترشح في الانتخابات العامة من 25 إلى 18 سنة.

– مدة ولاية رئيس الدولة 5 سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من مرتين.

– صلاحيات البرلمان هي الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات.

– للبرلمان الحق في طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة.

– تُجرى الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل 5 سنوات.

هذه أبرز مواد الاستفتاء إلى جانب مواد أخرى، إذن ما الذي يضير أوروبا من إجراء هذه التعديلات؟

في تعليق له على التعديلات الدستورية التركية، قال أحمد المسلماني خلال تقديمه برنامج «الطبعة الأولى» المذاع «لو كنت مواطنًا تركيًا لصوت بنعم على الاستفتاء» وأضاف أن الأتراك يرون أن هناك حقدًا ورغبة أوروبية في تدمير الدولة التركية، كونها توشك أن تصبح من أكبر 10 دول في العالم، وأشار أن قوة تركيا أن تكون دولة رئاسية، وما يفعله أردوغان صحيح ولمصلحة بلده.

ما الذي يضر أوروبا من التعديلات الدستورية، طالما أنه شأن تركي، فقد ظلت تركيا تنظر انضمامها للاتحاد قرابة 10 سنوات وحاولت أن تطبق شروطه لكنه في النهاية لم يقبل انضمامها بسبب بعض الممارسات كما زعم، لكن السبب الواضح والجلي للعيان أن تركيا دولة تدين بالإسلام حيث تبلغ نسبة المسلمين بها حوالي 97%، ولها حضارة وتاريخ إسلامي عريق، ولهذا السبب دول أوروبا لا تريد تركيا ضمن الاتحاد.

ما يزعج أوروبا أيضًا من التعديلات الدستورية ربما رغبة أردوغان في المشروع الإسلامي، وإقامة سياسة الند بالند مع دول الاتحاد بعد أن حققت تركيا معدلات نمو كبيرة وزادت صادراتها في المنطقة.

نتيجة الاستفتاء كما قلت سابقًا تحتمل سيناريوهات مفتوحة، من الممكن أن يمرر الاستفتاء بـ«نعم» أو بـ«لا»، وإذا كانت لصالح «نعم»، هل سيُطلق على أردوغان لقب السلطان كما يقول البعض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد