على أعتاب القمة المزمع عقدها بين الرئيسين الأمريكي «دونالد ترامب»، والروسي «فلاديمير بوتين» في هلسنكي، يوم السادس عشر من يوليو (تموز) الجاري، حسب ما جاء على لسان «جون بولتون» مستشار الرئيس للأمن القومي، اللقاء الذي طالما كان منتظرًا ومتوقعًا؛ نظرًا لما يعول عليه من تبادل لوجهات النظر بخصوص قضايا تهم المنطقة؛ مثل الحرب في سوريا، وتطورات الاتفاق النووي مع إيران، وقضايا الحد من الأسلحة، وربما موضوع التسوية في الشرق الأوسط، وبالتأكيد الوضع في أوكرانيا، يتوجس القادة الأوروبيون حلفاء واشنطن التقليديون مخاوف، خاصة من أن يأتي هذا اللقاء المرتقب مع الرئيس الروسي الخصم التقليدي أيضًا بنتائج ضارة بتماسك الاتحاد الأوروبي، وكذلك حلف الناتو، الذي بات هدفًا لانتقادات «ترامب» في تصريحاته وهجماته الخطابية الشعبوية؛ وبالتالي على طبيعة العلاقات الأوروبية الأمريكية، نظرًا لظهور إشارات متعددة تنم عن معارضة «ترامب» لمشروع أوروبا الموحدة، كما هو في تصريحاته الانتقادية المستفزة بهذا الشان مؤخرًا، حين صرح بوضوح معتاد وبلا أدنى مواربة بأن الاتحاد الأوروبي يشكل ضرارًا على اقتصاد الولايات المتحدة.

من المعروف أن الرئيس «ترامب» أراد عقد قمة مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» منذ فترة طويلة، وحتى من اليوم الأول من ولايته الرئاسية، واليوم بات هذا اللقاء الذي طال انتظاره على وشك أن يتم، ولكن بعد أيام معدودة فقط من قمة حلف الناتو التي سيحضرها مع القادة الأوروبيين.

وقبل ذلك بأسابيع قليلة بدا أن الرئيس يستمتع باجتماع مثير للجدل مع الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لأمريكا في قمة مجموعة السبع في كيبيك بكندا، تلى ذلك الاجتماع وعلى الفور مباشرة لقاء تاريخي في سنغافورة جمعه مع الرئيس الكوري الشمالي «كيم جونغ أون»؛ لذا فإن من المرجح أن يستهوي الأمر الرئيس «ترامب» بحيث يعود إلى تكرار هذا الترتيب من اللقاءات المتتابعة، وذلك بعد شهر واحد فقط من سابقه.

لكن الحلفاء الأوروبيين قلقون بالفعل من إعادة تكرار هذا النسق، فالخشية من أن يستخدم «ترامب» جولته الأوروبية التي تبدأ في قمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل الأسبوع المقبل، من أجل بحث العلاقات الأمنية والاقتصادية بين ضفتي الأطلسي فقط باعتبارها مقدمة للتعاون مع «بوتين» للعمل على تقويض أوروبا الموحدة، كما يقول المحللون الأمريكيون والأوروبيون، ومنهم «هيثر كونلي» مديرة برنامج أوروبا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «لدينا في هذا الشهر إعادة لسيناريو كويبك وسنغافورة، وما يواجهه الحلفاء هو نهج سياسة خارجية مختلف تمامًا عن النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية». ويضيف مسئولون أوروبيون: «إنه ترامب ليس فقط لا يمكن التنبؤ به إلى حد كبير، ويثير القلق عبر المحيط الأطلسي، بل إنه يتعامل بشكل معاكس تجاه أوروبا».

والواقع أن الرئيس الأمريكي «ترامب» كان على الدوام ثابتًا للغاية في انتقاده لحلف شمال الأطلسي، لقد كان واضحًا جدًّا خاصةً إزاء موضوع الاتحاد الأوروبي والصين، وأثرهما على الاقتصاد الأمريكي، الذي اعتبره سلبيًّا للغاية؛ بحيث استلزم اتخاذ إجراءات حماية تتضمن فرض رسوم عالية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات فيما يشبه الحرب التجارية، غير أنه اعتبر في تصريحاته أن الاتحاد الأوروبي أسوأ من الصين، مشيرًا إلى أنه ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا التحدث على أعلى المستويات في قضايا تتراوح بين الحد من الأسلحة وأوكرانيا إلى سوريا وإيران، وبالتالي فإن مخاوف الأوروبيين لا تستند فقط على مجرد تكهنات، ولكن على تصريحات وأفعال صدرت عن «ترامب» ولن تتوقف.

لقد بدأ «ترامب» ذلك إبان حملته الرئاسية حين ندد بحلف شمال الأطلنطي واصفًا إياه بأنه يكلف دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من اللازم، في مقابل أن الأوروبيين الأثرياء يدفعون القليل جدًّا، لكنه حين أصبح رئيسًا بالفعل للولايات المتحدة، فقد حقق هذا الموضوع ومنحه حيوية جديدة.

لقد قالها الرئيس «ترامب» بكل صراحة للقادة المجتمعين في قمة مجموعة السبع «إن الناتو سيئ مثل نافتا»، وهي اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك. وليس هناك غموض حول ما يعتقده «ترامب» في اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، كما أن «ترامب» قد اعتبر في اجتماعات كيبيك أيضًا أن الحلف الأطلسي الناتو «مكلفًا للغاية» بالنسبة لدافعي الضرائب الأمريكيين، وصرح أن اجتماع الناتو القادم «سيكون قمة مثيرة للاهتمام».

وخلال خطاب له في تجمع حاشد في نورث داكوتا الأسبوع الماضي، قال «ترامب» لجمهوره: «إنه يحب الدول الأوروبية، ولكن الاتحاد الأوروبي أنشئ لاستغلال الولايات المتحدة».

ويقول بعض المحللين إن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا عانت من فترات صعبة في الماضي، غالبًا بسبب من إهمال واشنطن، لكن العداء الأمريكي للمؤسسات التي دعمت العلاقات عبر الأطلسي (الناتو والاتحاد الأوروبي) جديد، كما يضيفون وهو عداء يتجاوز إلى حد بعيد المظالم المالية.

«ما لم نشهده من قبل هو ما يشبه سياسة إدارة ترامب بشكل متزايد لتقويض ما أطلقنا عليه المشروع الأوروبي». تقول السيدة «كونلي»، «يبدأ الشعور بأن هذه سياسة لتقسيم أوروبا وتآكلها».

وتشير هي وآخرون، بمن فيهم المسؤولون الأوروبيون، إلى بوادر دعم مختلفة من الإدارة الأمريكية للشعبويين الأوروبين والقوميين، الذين يستهدفون الاتحاد الأوروبي باعتباره أسوأ عدو لهم، ويقولون إن ما يثير الدهشة هو التقارير -التي تُؤكد منذ الآن- أن «ترامب» في أوقات مختلفة شجع الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» على إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، في محاولة لجذب أحد أكثر المؤيدين تشددًا للاتحاد الأوروبي بوعد قوي ثنائي، صفقة التجارة مع الولايات المتحدة.

لم يتوقف رد الفعل القوي على نهج «ترامب» تجاه أوروبا عند المسؤولين الأوروبيين، ولكنه ظهر أيضًا بين بعض المسؤولين الأمريكيين؛ ففي الأسبوع الماضي، أعلن السفير الأمريكي في إستونيا «جيم ميلفيل»، عن استقالته احتجاجًا على تصريحات «ترامب» الأخيرة بخصوص الاتحاد الأوروبي، والتي وصفها بأنها «خاطئة في الواقع». وقبل ذلك دعا بعض أعضاء الكونجرس وزير الخارجية «مايك بومبيو» إلى إنهاء مهام السفير الأمريكي في ألمانيا، «ريتشارد جرينيل» بعد أن اقترح أن أحد أهدافه أثناء وجوده في برلين هو رعاية المحافظين القوميين في أوروبا.

يقول مسئولو الإدارة الامريكية إن الرئيس «ترامب» غير راضٍ في الواقع عن التكاليف التي تتحملها الولايات المتحدة لقيادة مثل هذه المؤسسات المتعددة الأطراف مثل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومجموعة السبع (G7)، وأنه سيستمر في دفع القضية حتى يحصل على نتائج، وهناك من يستنتج من المحللين أن الرئيس «ترامب» يصعب الأمور على الحلفاء ويهونها على الخصوم، وهذا ما يتضح من طريقة معاملة «ترامب» الودية بشكل مميز لخصومه من الرؤساء، كما هو ملاحظ في لقاءاته مع الرئيس «بوتين» أو رئيس كوريا الشمالية «كيم جونغ أون»، بخلاف علاقاته مع الرؤساء الأوروبيين المستشارة الألمانية «ميركل» ورئيس الوزراء الكندي، وغيرهم بحيث بات المسئولون الأوروبيون يشعرون بالقلق من أنه بمجرد أن يجلس «ترامب» بمفرده مع «بوتين»، فإنه سيتبنى تلقائيًّا مواقف الرئيس الروسي تجاه حلفاء أمريكا، كما فعل مع «كيم»؛ عندما تبنى لغة كوريا الشمالية لوصف المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بأنها استفزازية.

ويخشى البعض من أنه بعد الحديث مع «بوتين»، يمكن أن يقول «ترامب» إنه يوافق على أن القوات الأمريكية المتمركزة في دول الناتو المتاخمة لروسيا هي استفزازية، أو يمكن أن تؤكد وجهة نظره السابقة التي ذكرت أن شبه جزيرة القرم، وهي الأراضي الأوكرانية التي ضمتها روسيا، هي بالفعل روسية؛ لأن معظم الناس هناك يتحدثون الروسية.

«إن الإنذار الذي نستشعره بين الأوروبيين وحلفاء آخرين هو في جزء منه التجربة التي لا تزال طازجة لدى زعماء دول مجموعة السبع، ولكنه أيضًا نتيجة رؤية أن رئيس الولايات المتحدة يتعلم لغة كيم جونغ أون». كما تقول «كونلي».

فهل ستثبت الأيام القادمة مخاوف الأوروبيين وحدسهم إزاء هذا اللقاء المرتقب، أم إن بعض الظن إثم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

nIn Eastern Europe, Populism Lives, Widening a Split in the E.U.
عرض التعليقات
تحميل المزيد