في حقبة من الزمن كان يحكم العالم القديم إمبراطوريتان “البيزنطية” آخر الإمبراطوريات القديمة و”دولة الخلافة الإسلامية” التي سرعان ما بسطت نفوذها على شواطئ وجزر البحر المتوسط، وكان من بين الجزر المتصارع عليها هي “إقريطش” أو كريت وهي أكبر الجزر اليونانية وخامس أكبر جزيرة بالبحر المتوسط. حاول المسلمون فتحها مرات عديدة في عهد الأمويين ومن خلفهم العباسيين ولكن كل المحاولات باءت بالفشل.

فقد كانت الجزيرة مركزًا هامًا للبيزنطيين لوجودها على مشارف بحر إيجة الذي هو المدخل للقسطنطينية؛ مما جعلها ذات أهمية خاصة للبيزنطيين الذين يحكمونها.

 


“أهل الربض – المطرودون”

 

سَنترك “إقريطش” تحت الحكم البيزنطي قليلًا ونذهب لمكان بعيد، هناك في قرطبة عاصمة الأمويين في الأندلس وبالتحديد في 13 رمضان عام 202 هـ الموافق 25 مارس من العام 818 م، حيث قامت ثورة الربض على “الحكم بن هشام” أمير الأندلس الذي ساءت العلاقة بينه وبين الفقهاء ورجال الدين لانغماسه في اللهو، فراحوا يتناولون لهوه في خطبهم ويعرضون فسقه على الناس في المساجد، وصاروا يلقبونه بالمخمور ويحرضون الناس على عزله، حتى ثار الناس وقاموا عليه فلم يكن منه سوى أن قاتلهم وغلبهم وأنزل بهم من العذاب صنوفًا فافترقوا وانهزموا أمام قواته، فصادر ممتلكاتهم وأحرق الديار وهدم المساجد الخاصة بهم. وأصدر قرارًا بطردهم وتهجيرهم؛ فرحل بعضهم إلى فاس بالمغرب أما أكثرهم فذهبوا جماعة إلى مصر وبالتحديد الإسكندرية حيث تبدأ قصة إقريطش من هناك.

 

كانت الإسكندرية في ذلك الوقت تابعة للخلافة العباسية ومركزًا قويًّا للتجارة والتواصل البحري مع العالم، ولكن أنهكتها اضطرابات الأمين والمأمون وصراعهم على السلطة؛ مما جعل الفرصة سانحة للأندلسيين المطرودين بالاستقلال والسيطرة على الإسكندرية لأكثر من خمس سنوات. ولكن “عبد الله بن طاهر” والي مصر وصاحب المأمون زحف إليهم بجيش جرار وحاصر الإسكندرية في عام 212 هـ، فطلبوا الأمان على أن يسلموا المدينة، فطالبهم بالخروج عن كل أراضي الدولة العباسية وعدم العودة مرة أخرى، لم يكن أمامهم سوى البحر مرة أخرى وكأن القدر حتم عليهم الرحيل دومًا، مطرودون من ديارهم في الأندلس والآن مطرودون من مستقرهم في الإسكندرية.

 

 

“فتح كريت”

حمل البحر أربعين سفينة تضم الأندلسيين، وفي السفينة الرئيسية أعلن زعيمهم أبو حفص عمر البلوطي عن وجهتهم.. كريت التابعة للدولة البيزنطية. رست سفنهم في خليج سودا عام “212 هـ – 825 م” ونزلوا إلى الجزيرة وغلبوا الحامية البيزنطية وأسسوا قاعدة كبيرة أحاطوها بخندق كبير، وأسموها الخندق أو كما يطلق عليها الآن “كانديا أو كندية” وهو اسمها الحالي.

 

لم يكن هناك مقاومة من قبل سكان الجزيرة الأصليين، فقد وجدوا فيهم مخلصين من البيزنطيين الذين كان ظلمهم قد وصل مداه فقد كانوا يفرضون نظامًا ضريبيًّا قاسيًا على أهل الجزيرة الذين رحبوا بالفاتحين المختلفين كليًّا عن أولئك اليونانيين المتعاليين والذين يعتبرونهم مواطنين من الدرجة الثانية، كما حدثت ألفة بينهم وبين الأندلسيين حينما رأوهم يحترمون ديانتهم ولا يتحدثون عن – المسيح عيسى بن مريم– إلا بكل احترام ودخل جمع غفير منهم في الإسلام وتزاوجوا مع الفاتحين. كما أسقطت الضرائب التي كانوا يؤدونها للبيزنطيين ليبدأ عصر جديد على جزيرة “كريت” عصر إقريطش إمارة المسلمين البحرية.

 

ازداد الأندلسيون قوة حين لحق بهم بعض من بنى وطنهم ونشأت دولة أبي حفص الذي عرفه التاريخ البيزنطي باسم Apovapso” بوخابس”. وصارت جزيرة كريت منذ ذلك الوقت قاعدة بحرية إسلامية هامة ومصدر تهديد مستمر لسواحل الدولة البيزنطية، حيث كان أسطول أقريطش يغير على أراضي البيزنطيين وجزرهم في بحر إيجة؛ مما أدى لوقوع اضطرابات اقتصادية وسياسية بالإمبراطورية العجوز.

 

 


 

محاولات الاستعادة

 

حاول البيزنطيون استعادة الجزيرة مرات عديدة وجمعوا بحارة ومحاربين من شتى أنحاء أوروبا ولكن دون جدوى، فإقريطش أصبحت عصية بفضل الإمدادات العسكرية التي كانت تقدمها مصر والشام للجزيرة المجاهدة باعتبارها أرض رباط أمام العدو البيزنطي، مما جعل الأندلسيين في قمة نشاطهم العسكري البحري بعد ولائهم للدولة العباسية، والتي جعلت من إقريطش جزءًا من التقسيم الإدراي التابع لإقليم مصر التي تتولى تزويدهم بالسلاح والمعدات، كما كانت دار صناعة السفن في دمياط تزودهم بكل متطلبات صناعة السفن والتي بُني لها مرفأ خاص في إقريطش لجودة أخشاب الجزيرة. وفي المقابل تنقل بضائع العسل والجبن والأخشاب لمصر والشامح مما جعل الجزيرة تنمو اقتصاديًّا.


حاول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثاني ومن أتى بعده أن يستردوا الجزيرة من المسلمين فكانت تجمع الأساطيل المحملة بالجنود ويتم الإنزال للجزيرة ليصبحوا لقمة سائغة بين فكي الأندلسيين المدافعين عن الجزيرة. فلم يسلم أحد من القتل وتعود السفن الباقية خاوية إلا من طاقمها.


لم يكن الأباطرة البيزنطيون يهتمون لاستعادة الجزيرة فحسب، بل أيضًا لحماية سائر جزر بحر الأرخبيل الذي كان تحت سيطرة سفن المسلمين الذين سيطروا على بعض الجزر الصغيرة وجعلوا منها مواقع قرصنة على السفن المارة من هناك، وبين الحين والآخر حاولت بعض السفن البيزنطية أن تهاجم سواحل إقريطش حتى إن تلك المحاولات استهدفت ديرًا للرهبان النصارى والذي اعتبرهم المهاجمون خونة وعملاء للمسلمين.

 

وهكذا استمر الوضع لأكثر من مئة وخمسين عامًا، باءت كل محاولات البيزنطيين بالفشل خسروا آلاف الجنود ومئات السفن في حربهم ضد “إقريطش” التي صارت عصية على العدوان.

ويذكر أن ثيوفيلوس الإمبراطور البيزنطي أرسل سفارة إلى عبد الرحمن الثاني في قرطبة، طالبًا منه العون في محاربة الأندلسيين المنفيين ولكن ذلك الأخير لم يعط الأمر أهمية ولم يقم بأي فعل تجاه أبناء دينه حتى وإن كانوا مطرودين من الأندلس.

 

الحصار القاتل

 


في عام 956 م، خرج من السواحل البيزنطية أسطول ضخم ليس له مثيل، 2000 سفينة حربية و1360 سفينة مؤن وإمداد، كان ذلك بإيعاز من الإمبراطور برنجاس الذي قرر أن يعيد هيبة الدولة البيزنطية ومحاربة المسلمين وكان عليه أن يبدأ بإقريطش. أرسلت بعض القطع الحربية لتمنع أي مساعدة تأتي من الشام أو مصر أو حتى الأندلس، كان عليهم إيقاف أو تعطيل المساعدة القادمة للجزيرة التي يستعد القائد “نقفور البيزنطي” لحصارها.

 

أرسل نقفور فرقة استكشاف بقيادة مساعده باستيلاس الذي كان من أمهر القادة العسكريين البيزنطيين، وما إن نزل للجزيرة حتى مُني بالهزيمة الساحقة ولم ينجوا وظن أهل إقريطش أنها حملة أخرى باءت بالفشل فانصرفوا إلى “الخندق” وعادت الحياة إلى طبيعتها، ولكن الأمر لم يكن مجرد حملة فاشلة فقد كانت طليعة الزحف البيزنطي، نزل نقفور على حين غرة من أهل الجزيرة وأقام معسكره وأرسل جواسيسه للمدن والقرى يطلبون العون من نصارى الجزيرة ووعدهم بالنفوذ والسطوة إن آل إليه أمر الجزيرة، وبالفعل راحل بعض الخونة في إحراق مزارع الفواكه وقطع أشجار النخيل وإثارة الفوضى في البلاد. وفي ذلك الوقت ظهرت في الأفق سفن البيزنطيين تحيط بالجزيرة من كل جوانبها، فتحصن المسلمون بمدينتهم “الخندق” والتي كانت حصينة للغاية فهي عاصمة إقريطش وحصنها الآمن ومفتاح الجزيرة كلها.

اشتد الحصار على المسلمين فأرسل أميرهم “عبد العزيز بن عمر بن شعيب” في طلب المساعدة من الفاطميين بأفريقية والخليفة الأموي بالأندلس “عبد الرحمن الناصر” فأرسل عبد الرحمن الناصر مبعوثين للجزيرة مع بعض المؤن استطاع بفضلها أن يطول صمودهم. كان من الصعب تقديم مساعدات للمحاصرين بالخندق، ولكنهم لم ييأسوا.

خمس سنوات من الحصار تخللتها اشتباكات عديدة بين الفريقين، حتى جاء الفاطميون بالمدد الذي استطاع اختراق الحصار ونزلوا أرض الجزيرة لينضم لهم أهل إقريطش ويتوجهون مباشرة إلى معسكر البيزنطيين، حيث قامت أشرس المعارك ولكن النصر انحاز للبيزنطيين الذي بلغت بهم الهمجية أن قطعوا أجساد القتلى من المسلمين إلى أشلاء راحوا يقذفون بها الخندق بجانب قذائف المنجنيق التي أحدثت خللًا وثغرات بأبراج المدينة، والتي كان تحتها فرق من الحفارين وصلوا لها عبر الأنفاق فسقطت الأبراج وسقطت المدينة، ليدخل الجند البيزنطي ويقومون بمذبحة بشعة بحق أهلها وسلبوا الأموال ودنسوا المساجد، فقدمت وفود المدن والقرى الأخرى تطلب الأمان.



ومن نتائج سقوط كريت أن ساد الاضطهاد الديني للمسلمين بالجزيرة، وفي القرن السابع الهجري اشترت جمهورية البندقية جزيرة كريت، وحكم البنادقة الجزيرة حكمًا استبداديًّا وحاولوا نشر المذهب الكاثوليكي بين سكان الجزيرة، وكان أهلها يعتنقون المذهب الأرثوذكسي فهاجر الكثير من أهل الجزيرة إلى البلاد الإسلامية، واعتنق الكثير منهم الإسلام. واستنجد أهل الجزيرة بالأتراك العثمانيين لتخليصهم من حكم البنادقة، فأرسل العثمانيون حملة لفتح كريت في سنة (1080هـ – 1669م ) وعاد الحكم الإسلامي لجزيرة كريت مرة ثانية، وعاد المذهب الأرثوذكسي للجزيرة، وساد التسامح الديني في الجزيرة، وأمام تسامح المسلمين اعتنق نصف سكان جزيرة كريت الإسلام، وانتشر في جميع أنحاء كريت في ظل الحكم التركي، ولم يحاول الأتراك تغيير لغة الجزيرة أو التدخل في دين أهلها.

وتبقى أرض كريت هي الأرض الوحيدة التي احتفظت بجثامين المطرودين الأندلسيين. وتبقى بعض آثارهم شاهدة على تاريخ أمة حكمت الجزيرة بالعدل والرحمة.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد