الشرارة 

حدث الربيع الأوروبي، قبل أكثر من قرن ونصف، من الزمن؛ وهو سلسلة من الثورات، بدأت خلال الموجة الثانية، من الثورة الفرنسية عام 1848م، عندما أنهت الملكية الدستورية في فرنسا، التي أراد بها الفرنسيون تقليد الإنجليز، لكنهم رأوا أنها غير نافعة لهم؛ لأنها في البداية فُرضت عليهم، من قِبل الدول الأوروبية الأخرى، التي راعها نجاح الموجة الأولى في1789م.

ثم امتدت إلى ألمانيا، والنمسا، والدويلات الإيطالية، والدول الإسكندنافية، ورومانيا، وبولندا، وأوكرانيا، داخل حدود الإمبراطورية الروسية، وحتى البلقان داخل حدود الدولة العثمانية، كما وصلت إلى خارج حدود القارة، في أمريكا الشمالية؛ أي الولايات المتحدة، التي استوردت بعض مبادئ الثورة الفرنسية، وكندا التي قيدت السلطة الملكية؛ وبالتالي التاج البريطاني الذي كان يحكمها من مقره في لندن، وفي أمريكا الجنوبية، حيث دعت إلى المزيد من الحريات؛ أدت إلى حدوث خضات خاصة في كولومبيا؛ حيث أدت إلى حدوث عدة حروب أهلية فيها.

نجاح جزئي 

شاركت بهذه الثورات الطبقة الوسطى، والعمال، والمثقفون، بما فيهم القوميون، والشيوعيون، والليبراليون؛ وكانت بمثابة ضربة قاضية، لإنهاء الإقطاع في قلب أوروبا، ونجحت في تحقيق إصلاحات دستورية، في بلجيكا، والدنمارك، وهولندا أيضًا، التي قامت بإصلاحات استباقية؛ خوفًا من المد الثوري إليها.

أما رومانيا، وبولندا فنجحتا في تحقيق بعض الإصلاحات، أما في الدويلات الإيطالية فقد أرادت الحد من سلطة الكنيسة في روما، التي كانت تُهيمن على الكثير من الأمور، بالإضافة إلى التخلص من الهيمنة الفرنسية، والنمساوية، على تلك الدويلات.

وحتى دول البلقان داخل الدولة العثمانية، استفادت من الإصلاحات داخل الدستور التركي الجديد، الذي أقرّ حينها، ومنحها مزيدًا من الاستقلالية، لكن لم يصل شرر تلك الثورات إلى بريطانيا، التي كانت تعيش أجواءها الخاصة، في جزيرتها المنعزلة نسبيًا، عن باقي البر الأوروبي، وحتى رخائها من التوسع الاستعماري، وثورتها المجيدة التي قامت منذ قرون، وسبقت كل الدول الأوروبية.

الأمل المؤجل 

كن يمكن القول أنها فشلت في ألمانيا، والنمسا تحديدًا، في تحقيق أي من الإصلاحات السياسية الأساسية، التي تم المطالبة بها، مثل وحدة الأراضي الألمانية، وإطلاق الحريات، والمساواة بين جميع أبناء الشعب، فتم نفي الكثير من المثقفين الثوريين، خارج البلاد، كما أدت إلى هجرة العديد من الألمان إلى أمريكا؛ بسبب حالة الإحباط التي سادت بعد فشل الثورة.

أيضًا لم يصل المد الثوري بقوة حينها إلى الإمبراطورية الروسية؛ يُعزى ذلك إلى فشل التنسيق بين الاحتجاجات التي شهدتها الأطراف، وقوة النظام القيصري وقتها؛ فتم قمعها بشدة، وقتل، واُعتقل الكثير، ونُفي البعض إلى سيبيريا؛ لذا نستطيع القول في المحصلة بشكل عام، أن النتائج الثقافية، والفلسفية التي ظهرت بسببها، كانت أهم من الواقع السياسي على الأرض.

لكن عند قيام الحرب العالمية الأولى، بعد أكثر من نصف قرن، استطاعت شعوب هذه الدول تحقيق مطالبها، عند تصدع أنظمتها التي خسرت الحرب، وحتى في روسيا، لكن كانت مأساة؛ حيث قامت ثورة تبعها انقلاب دموي، لم يكتفِ بالإصلاح، أو تغيير شكل نظام الحكم، بل قلب النظام رأسًا على عقب، بما فيه السلم الاجتماعي، وأُعدمت الأسرة الحاكمة، والكثير ممن شارك بالثورة، قبل الانقلاب المضاد، أُعدموا من قِبل البلشفيين.

نأتي إلى الربيع العربي، الذي أصبح بعد سبع سنوات صيفًا حارقًا، مثل الجحيم، ثم خريفًا كئيبًا، خاصة في سوريا؛ التي أصبح شعبها كبش الفداء، ودرسًا قاسيًا للشعوب الأخرى، لكن هل يا تُرى سيأتي يوم تقطف فيه ثمار هذه التضحيات، والآلام، ولو بعد نصف قرن، كما حدث في بعض دول القارة الأوروبية؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

الربيع العربي الفاشل!
شارك 1
منذ سنة واحدة
سياسة
فشل الثورات العربية
شارك 1
منذ سنة واحدة