لم يكن الإسلامُ يومًا دين صومعة ورهبنة بل كان دعوةً للحياة، للبناء والاستخلاف، ولم يكن القرآن مجرّد قراطيس تحفظ، ولا طلاسم ترتّل، بل كان منهاج عمل، كان كما قال مجدي الهلالي «المصنع الأساسيَّ للتّغيير»، ودستورًا نزلَ على مكث ليقرأه النّاس ويتدبّروه ويحسنوا العمل به. لقد استطاع الإسلامُ عبرقرآنه وسنّةِ نبيّه أن يجسّد المدينة الفاضلة رغم بشرية أفراده، لقد هذّب الغرائز وزكّى النّفوس، حتّى إذا ما اختلفَت على أمرٍ عادت إلى القرآن والسّنّة وأهل الذّكر والعلم. ولأنّ الدّولة لا تعمّرُ دون العدل، فقد كان العدل أساس المجتمع المسلم ودولته.

وكان الرّسول ﷺ قائدًا وقدوة، مثالًا يقتدى بأثره ويُهتَدى بهديه، وكما قالت أمّ المؤمنين عائشة (رضي الله عنهي الله عنها) « كَانَ خُلُقُ نَبِيِّ اللَّه ﷺ الْقُرْآنَ»، فالخلقُ طبعُ الإنسان الّذي يَصبَغ أعماله وأقواله، وسيرة الرّسول ﷺ كانت منهاج حياة، طابق فيها قوله عمله، فالخطب والأحاديث والمواعظ لم تكن لشدّ العصب، واستثارة الغرائز وتهييج العواطف بهدف استقطاب الجماهير، بل كان كلّ ما في اليومِ النّبويّ تطبيقًا عمليًا لأحكام القرآن ووقوفًا عند حدود الله.

ولمّا كان العدل من السّمات البارزة الّتي أشاد القرآن في الحديث عنها، وتثبيتِ أهمّيتها ودورها في البناء والتّمكين، كان عهد النّبوّة التّطبيق الحيّ لآيات العدل والإحسانِ المبثوثة في دستور الإسلام، ومن الرّوايات الذّائعة الصّيت على الصّعيدين الإسلاميّ والعالميّ والّتي تبرز معالمَ التّجرّد والتّرفع والنّزاهة الّتي قد يصلُ إليها رئيس دولةٍ، رواية المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وأراد أهلها أن يتوسطوا لها عند رَسُولُ اللهِ ﷺ ليعفوَ عنها، لاجئين إلى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فكان رده ﷺ حازمًا «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»؟!، ثُمَّ خاطب جمهوره وشعبه قائلاً: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

هذه الرّواية دليل على التّشدد في تطبيق الأحكامِ وتعظيم أمر المحاباة للأشراف والأسياد في حدود الله. فالقاعدة في القضاء الإسلاميّ كانت العدل في الحكم والقِسط في القضاء. وجاء محمّدٌ ﷺ لينفّذ الأمر الإلهيّ المنزلَ في الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، مخبّرًا مرؤوسيه، ومواطنيه أنّ «القانون فوق الجميع»، ففاطمة هي بنت رئيس الدّولة، وزوجة أحد «وزرائه»، فنسبها إذًا معروف، بيد أنّ ذلك النّسب الطّاهر الشّريف لم يكن ليشفع لها أمام القضاء، ولا ليحصّنها من الحكم إن هي أخطأت في حدّ من الحدود.

أراد الإسلام عبر حديث نبيّه ﷺ أن يثبّتَ مفهوم العدالة الحقّة، فالكلّ أمام القانون والقضاء سواء، وأنّ المناصب والألقاب والأنساب والمال كلّها تُرمى عند عتبة المحكمة، رادعًا بذلك كلّ من تسوّل له نفسه تجاوز الحدود، والالتفاف على القانون، وأكل الحقوق وتزييف الحقائق عبر سلطة الجاه والمال، مقوّمًا بذلك كلّ اعوجاج، مصححًا كل سلوكٍ شائن، منزلًا العقاب على كلّ مخطئ ومذنب غير آبهٍ بمكانة ومنصب، مثبتًا صدق قوله إنّ كلّ المواطنين سواسية، لا فضل بينهم أمام القاضي، شافيًا كثيرا من أمراض الأمم القاتلة من بينها هادم كلّ عمران الظّلم.

بهذا التّطبيق العملي، ربّى ﷺ جيل الصّحابة، حتّى عاشوا مع القرآن وبه، وكان القرآن والسّنّة مرجعهم يستنبطون منه الأحكام والقوانين. فلم ينقطع العدلُ يومَ انقطع الوحيّ، بل بقي القانون فوق الجميع، إذ لا حصانة سياسية، ولا عصبية قبلية، ولا مال يدفع لتزييف حكم، ، أو كتمان شهادة أو أكل حقوق النّاس بالباطل.

وبهدي المؤسس الأوّل اقتدى من خَلَفَه في الحكم والمسؤولية، ومن أبرز القصص عدل الفاروق (رضي الله عنه)، حتّى قال فيه عليّ (رضي الله عنه): «أتعبتَ الخلفاء من بعدك يا عمر»، فعمر (رضي الله عنه) منذ تولّى الخلافة، سار على خطى محمّد ﷺ، وكان شعاره في الحكم «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحُاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم». بهذه العقلية أدار الحكم، وكان على نفسه وأهل بيته أكثر تشدّدًا وامتثالًا، حتّى يروى أنّه خرج يومًا إلى السّوق يتفقّد أحوال الرّعية، فرأى إبلًا سمانًا تمتاز عن بقية الأبل بنموها وامتلائها فسأل عن صاحب هذه الإبل، فقيل هذه إبل عبدالله بن عمر! فانتفض غضبان أسفا، وما لبثَ أن أرسل في طلبه، فلمّا أقبل عبدالله (رضي الله عنه) ووقف بين يدي والده – رئيس الدّولة-، سأله عمر (رضي الله عنه) مستفسرًا: ما هذه الابل يا عبدالله؟ فأجاب: إنّها إبل إنضاء (=هزيلة) اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى الحمى (المرعى) أتاجر فيها وأبتغي ما يبتغي المسلمون!

ماذا فعل الحاكم بعد أن سمع تبرير ولده؟ أأخلى سبيله، وقال هو الله فتح عليه وأكرمه؟ كلّا، بل عنّفه ووبّخه وراح يحاججه قائلًا: «النّاس حين يرونها تقول اسقوا إبل أمير المؤمنين، ارعوا إبل أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين..» ثم صاح به: «يا عبدالله بن عمر، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الابل واجعل الرّبح في بيت مال المسلمين».

أمن زعماء بلادنا من يقول هذا لابنه؟ أمنهم من يمسكُ على يد من سرق، أو ظلم ولو كان من شيعته وعشيرته؟ بل إنّنا نرى الزّعيم وأهله يأكلُون من مالنا، ويسعدون بشقائنا، ويبنون قصرهم على أنقاض بيوتنا، ويُربون مالهم على حسابنا، المواطن في بلادنا أدنى مرتبةً من الزّعيم وآل بيته، وكلما ازددتَ من الزّعيم قربًا، وكلما عكفتَ على عتبة داره، كلّما توسّلت رزقًا أغدق عليك بماله الّذي سرقه منك، أعطاك نصيبك من نصيبك ثمّ منّ عليكَ بفضله واشترى صوتكَ ودعاءك.

ولعليّ (رضي الله عنه) رابع الرّؤساء كذلك قصّته في العدل الّذي قامت عليه الحضارة الإسلامية، والّتي تجرّد الإنسان من كلّ لقبٍ ما إن يدخلُ قاعة المحاكمة، فأمام القاضي يتساوى حاكم البلاد مع أيّ إنسان، فالكلّ سواء، الكلّ يخضع لسلطة القانون. وفي ذلك يروى أنّ عليًا (رضي الله عنه) يوم كان خليفة المسلمين، خرج إلى السّوق فمرّ بيهوديّ يعرض درعه للبيع. ذهب عليّ (رضي الله عنه) مع التّاجر يحتكمان أمام القضاء، وعرض «رئيس البلاد» قضيّته أمام القاضي وادّعى على اليهوديّ، في محاكمة مدنية عادية، لا عسكرية ولا خاصة.

عُرِضَت الأدلّة على القاضي، كانت كلمة «رئيس البلاد» وشهادة ابنيه في مقابل كلمة التّاجر اليهوديّ! حكمت المحكمة بالدّرع لليهوديّ، لأنّه لا بدّ لصاحب الدّعوى من بيّنة ودليلٍ يثبت صدق ادعائه عملًا بالقاعدة القانونيّة البيّنة لمن ادعى واليمين على من أنكر من جهة، ولأنّ شهادة الولد لا تقبل لما فيها من تضاربٍ في المصالح، مهما تكن مكانة الولد، وعلوّ الشّرف والنّسب من جهة أخرى!

ولا يستغرب هذا العدل والإنصاف الذي عاشته الرعية في زمن الخلفاء الراشدين، وحوادث التاريخ والسّيرة مليئة بمثل هذه النماذج السّامية من صور تحقيق العدل واستقلالية القضاء ونزاهته. بل لا عجب أن يمتثل الحاكم والمحكوم للمحاكمة نفسها إذ لا حصانة ولا خصوصية لأحدهما على الآخر. بيد أنّ هذه الروايات، لا تعدو عن كونها أساطير نتغنّى بها، قصصًا تاريخيّةً نتفاخرُ بها لنقول للآخر «أنا خير منك، جدّي كان وكان…»، روايات يُستشهدُ بها لاجترار أمجاد ماضية، واستمالة جمهورٍ مظلومٍ مقهور، أفيونًا يخطب به الحاكم على المنابر والشّاشات لتخدير شعوب لم تزل تنتظر عودة الفاروق وعليّ وابن عبد العزيز.

إنّنا نعيشُ في بلدان العدلُ خلف القاضي فلا يراه، والطّائفة والمنصب والمال والنّسب عن اليمين والشّمال تكتب وتصدر الأحكام، قيمة المواطن بحسب من يقف من خلفه يسنده، فإن كان السّند صلبًا راسخًا خُففّتِ الأحكام أوصدر العفو التّام عن المجرم المذنب فعاد إلى أهله مختالًا فخورًا، أو عقدت له محاكمة خاصة صونًا لمكانته ومنصبه! وإن كان من المستضعفين الّذين لا حول لهم ولا قوّة فالتّعسف والتّشدد سمة وخلق في القاضي.

في بلادنا يسجن الثّائر على المظالم، المطالب بلقمة عيشٍ كريمة لا تتطلّب عكوفًا لأصنام الجاه والمناصب، الصّارخ الهاتف ضدّ أقلية حاكمة أفسدت البلاد، أهلكت الأرواح، ضيّقتِ الفضاءات وغلّقت السّبل والأبواب، حتّى بات المواطن يحسدُ أهل القبور والمدافن! وفي حين ترى السّجون تضج بالثّائرين والحقوقيين، ترى اللّصوص تحكم البلاد، والقانون يعفي عن عملاء خانوا الوطن، وتجّار ممنوعات أفسدوا الأخلاق والأجساد، وناهبي حقوق وأموال سرقوا خبزًا استحقّه المواطن بعد جهد وعمل.

في بلادنا لا حاجة بنا للبيّنة، ولا ضرورة للدّليل، فطائفتك، منصبك، مالك، نسبك هي صكّ الغفران، وكلّ من دونها دون! نعيش في وطنٍ تحكمه قوّة المال وتتملّكه غريزة التّسلّط، حيث الاستمرارية للأرقى نسبًا وأقوى طائفة، والأكثر مالًا والأعظم جاهًا!

كلّ هذا الظّلم والضّيم لا عجب فيه، فالنّفس البشرية لم يزل فيها شرّ قابيل، وسعيه المريض لانتهاك الحقّ، وأكل الباطل، وتجميع المال، لكنّ العجيبَ أن يحتمي الزّعماء بالدّين، أن يدّعوا على المنابر وفي السّاحات وأمام الشّاشات أنّهم أحبّاء االله وأتباعُ نبيّه وشيعةُ صحابته! بل أن يتناحروا لإثبات أفضلية هذا على ذاك! والرّسول والصّحابة ممّا يفعلون براء.

إنّ مبدأ العدالة الاجتماعية ومصطلح «لا أحد فوق القانون» طبّق قولًا وعملًا زمن الرّسول، وبقيَ للقضاء استقلاليته بعد وفاته حتّى غلب هوى الإنسان هدي القرآن، وانتهجنا سِيَر السّابقين -«الّذين قبلكم»-، فبات القانون «لا يحمي الضّعفاء»، وبات فوق رؤوس ساداتنا وكبرائنا ريشة تحصنهم من بأس القانون.

من كان من أتباع محمّد، فليقتد بأثره، وليعمل بسنّته، فليتجرّد من طائفته، ونسبه، ولقبه، وماله قبل دخول المحكمة ، وليسمح للقضاء أن يأخذ مجراه، ليصدر الحكم بناءً على الدّليل لا على هوى السّلطان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فاطمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد