أوهمونا فقالوا لنا: «مِن السياسة ترك السياسة»، وما ذلكَ إلَّا لكيْ يتفرَّغوا لها وحدهم، ويصنعوا لها إعلامًا يُوجِّه المُشاهد إلى مناهجهم، ويُقدِّموا رؤوسًا تقود القطيع إلى حيثُ لا أحد يعلم مصيرَ هذا القطيع غيرَهم، ليُفاجَأَ المواطنون المسلمون في الأخير أنهم يعيشون في قشور الإسلام بعد أن انسلخَ عن اللُّباب، وَسِيقُوا بأرجلهم إلى التهميش فلا يَكاد يَذكرونهم إلَّا في أوقات الانتخاب، ومن هنا يُصنع الاستبداد الذي هو نتيجة تُحُصِّلَ عليها بعد الرضا بالاستعباد، هذا الأخير الذي يأباه كلُّ حرٍّ، ويَشْمَئِزُّهُ كل أصيل.

غير أنَّ الحقيقة المُرَّة هي أنَّ هذا الاستعباد نحن مَن صنعناه بأيدينا يومَ تخلَّينا عن متابعة السياسة فضلًا عن مُمارستها.

لقد صدَّقنا أنَّ السياسة مستنقَع قذر، فصار كلُّ واحدٍ منَّا يفرُّ منها فرارَ السليم مِن المَطْعُونِ، فلا هو قرأ دُستور دولته، ولا هو يملك أدنى فكرة عن قوانينه الداخلية التي تُسيِّره.. لأنهم ببساطة قد أعادوا له ضبطَ مصنعِ عقله، وركَّبوا له ذاكرة جديدة ملؤوها بفيديوهات تدعو لفصل الدِّين عن الدولة، وصورٍ أخرى تُشجِّع على العفن وتُسوِّقه على أنه فنٌ لا ينتمي إليه إلَّا مِذْواقٌ مُثقَّف، ولا يُخالفه إلَّا من فيه داعشيَّة وتخلُّف.

وهكذا صار لا حول له ولا قوَّة إلَّا أنْ يُصدِّق أنَّ السياسة مستنقع مُسْتَقْذَر لا يليق به، ممَّا يُحَتِّمُ عليه أنْ يُطلِّقها طلاقَ بينونة كبرى، ويتركها لهم بفم مفتوح قائلًا بالصوت المبحوح: «ها هيَ لكم»، ولا يعلم المسكين أنَّ مِثل هذه «الهَاهِيَّة» نَقْصٌ في الوعي وخطأ في السعي، وأنَّه بهذا التخلِّي الكلِّي قد صنعَ جوًّا ملائمًا لإعاثة الفساد أكثر، واتساع الشرخ بينه وبين إمكانية الإصلاح، بدءًا بتقنين القوانين التي تُصادم شريعته، وتَرْئِيسِ وُجوهٍ لهم أفواه تنطق بالإسلام بينما تصرفاتهم على النقيضِ مِن ذلك تمامًا، وشيئًا فشيئًا يَمسَخُوهُ إلى صنمٍ من دمٍ ولحمٍ فلا يُحرِّكُ ساكنًا ولا يُسكِّن متحرِّكًا.

ومِنهم مَن أفرغوهم مِن جوهرِ الإسلام عن طريق فرضِ واقعٍ عَلماني حَتَّم عليهم أنْ يعيشوا الإسلام بالشهادتين، وشيء يسير مِن الفرائض الشكلية.. دون أنْ يُسمَح لهم بممارسة السياسة المعاصرة فضلًا عن السياسة الشرعية، ولعلَّ هذا الذي قادَ بنجم الدِّين أربكان إلى القول: «المسلمُون الذين لا يهتمُّون بالسِّياسة، يحكمهم سياسيُّون لا يهتمُّون بالإسلام»، وهذا لعَمْري مِن أدقِّ التَّشخيصات التي شخَّصتْ إهمالنا للسياسة، ومِن أخطرَ ما ينبغي إلفاتُ العقول إليه كيْ نُصحِّح مسارنا السياسي.

إنَّ المسلمَ اليوم في حاجة مَسِيسَةٍ لفهم إسلامه أكثر، ذلك الإسلامُ المتين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثبتَ صلاحيته لكل زمان ومكان، وليس ذلك الإسلام المُجْتَزَأ الذي يفصل بين الشريعة والواقع، حتَّى جَرَّأ الأقزام على أنْ يقولوا له: «عش إسلامكَ في بيتكَ ومسجدكَ، واخْرج إلى مكان عملكَ بعقلية ديمقراطية»، هذه الديمقراطية التي جعلوا منها دِينًا مِن دون الإسلام، ونَصَّبوا قوانينها مكان الأحكام الشرعية، وقالوا للمواطن كنْ حرًّا ولا تسمح لدِين أنْ يُقيِّدكَ، وهكذا خلطوا عليه الأوراق فجعلوه يُصدِّق أنه مقيَّد بهذا الدِّين ولم يتركوا له فرصة لِأَنْ يفهمَ أنَّ الإسلام في حقيقته إنَّما جاءَ ضابطًا لا مُقيِّدًا، ومُكَرِّمًا للإنسانية برحمته لا مُطَأْطِئًا رأسها بقسوته، فقال تعالى عند إرسال رسوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ «الأنبياء: 107».

وعليه ينبغيأنْ نفهمَ ههنا أنَّ السياسة تَعني كبيرنا وصغيرنا، عُلماءَنا وعَوامنا، وإنْ تَفاوتَ هذا المعنى فيما بيننا، ولعلَّ هذا هو قَصْدُ العَلَّامة ابن عثيمين: «السِّياسة ليست لعامَّة الناس».

إلَّا أنه لا يجبُ بحال مِن الأحوال تمرير فكرة أنَّ السياسة لها أهلها بطريقة تجعل العوام ينفضون أيديهم منها كليَّةً، وإنما يجبُ أنْ نؤمنَ أنَّ السياسة مثلها مثل باقي التخصصات الأخرى كالشريعة، والطب، والعلوم، والفيزياء، والهندسة، والقانون.

الأمر الذي لا يُسَوِّغُ لنا ترك هذه التخصصات لأهلها فقط، لنبقى نحن تَبَعٌ لهم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، بقدر ما يجب علينا أنْ نكون على طُلعة بهذه التخصصات حتى لا يتمّ استغلال الجاهل بها عن طريق استغبائه مِن زاوية «اُتركها لأهل التَّخصص»!

فأنا وأنتَ جزء مِن السياسة، وبصفتنا مواطنين سواسية أمام القانون، ينبغي على الواحد منَّا أنْ يعرف كيفَ يُمارسها قبل أنْ يستثمروا في جهله، فيصير كتفًا سهلة الأكل!

يجب علينا أنْ نُصحِّح مفهومًا يَشيع ويَرُوجُ عند أكثرنا ألَا وهو «عدم أهليتنا في الشأن السياسي»، مع بذل قُصارى مجهوداتنا للخروج من قاع عدم أهليتنا إلى قمَّة الأهلية؛ لأنَّ الرضا بالعيش في القاع يُشجِّع الآخرين على المزيد مِن الاستبداد فوق السطح، ذلك أنَّ الرضا بعدم أهليتكَ – ولو لمعرفة الضروري من أمور السياسة – مُساوٍ ومكافئ لانسلاخكَ عن مُسمَّى «مواطن له حقوق وعليه واجبات»، في حين الواقع المَعيش لم يسلخكَ عن المواطنة، بدليل أنكَ تعيش في حدود دولة يحكمها دستور وتُسيِّرها قوانين، ناهيك عن امتلاككَ لدفتر عائلي، وحملكَ لبطاقة الهوية وبطاقة الناخب.. هذه الأخيرة التي تكفي لِأَنْ تقتنع بأنكَ جزء مِن كلّ، وخيطٌ مِن نسيج، ولَبِنَة مِن بُنيان، وعضوٌ مِن جسد؛ أيْ أنكَ مُواطن مِن شعب، ولا حيلة لكَ لإنكار هذه الحقيقة إلَّا إنْ أَلْحَدْتَ عن وطنيتكَ وتَأَرْهَبْتَ إرهابًا بَواحًا! فكيفَ لعاقل هذا واقعه أنْ يسمح لنفسه بتصديق أنه غير معني بالسياسة؟

كلَّا يا صديقي! أنتَ معنيٌّ بالسياسة شئتَ أم أبيتَ، وبما أنَّ هذه هي الكلمة الأخيرة صار لزامًا عليكَ أنْ تُعنى بشؤونكَ السياسية كما تُعنى بباقي شؤونكَ الأخرى، ولو بمجرد اكتفائكَ بأنْ تكون مواطنًا مسالمًا وممارسًا لحقوقه السياسية الطبيعية، ولديه القدرة على التمييز بين ما يليقُ بمبادئه وبين ما يُناطِحها، دون حاجتكَ بالضرورة لِأَنْ تمارس الممارسات العُليا للسياسة كالتَّحزُّب أو التَّرشُّح.

لأنَّ منطق إمَّا أنْ أكون رجلَ سياسةٍ معروفًا عند القاصي والدَّاني أو أتبرَّأ مِن المواطنة منطقُ لا يرتكز على عقل، ولا يُبَشِّر بعاقبة خَيِّرة! سواءً على المستوى الفردي كمواطن أو على المستوى العام والذي هو الوطن.

كما على الذين يرفضون أنْ يكونوا على إحاطة بالوضع السياسي، فضلًا عن ممارسته، ينبغي أنْ يُدركوا أنَّهم ليسوا أنقَى مِن غيرهم، بدليل أنَّ عزوفهم عن السياسة قد يكون في حدِّ ذاته سياسة اُستعملتْ ضدَّهم، لكن لقلَّة نُضجهم السياسي يحسَبون أنهم اختاروا ذلكَ بملءِ إرادتهم، وكيفَ يكون ذلك عن إرادة حرَّة وأنتَ في النهاية مواطن مثلكَ مثلَ أكبر سياسي في البلد؟ وهذا الذي عبَّر عنه بول فاليري حينما عرَّف السياسة بأنها «فن منع الناس مِن التدخل فيما يعنيهم»!

نعم.. إنَّ امتناعكَ عن السياسة سواءً امتناع فعلي أو معرفي فهذا جزء لا يتجزَّأ من السياسة، بل إنَّ امتناعكَ هذا أسوأ مِن رِدَّتِكَ السياسية، إذْ مَن يكون عارفًا بما يدور حوله لا شكَ أنَّه أوعَى ممَّن يجري الماء تحت رِجليه وهو لا خبر لديه، وواقعنا يصرخ بذلك وما يومُ حليمة بسِر!

وعليه فنحن الآن أمام ثلاثة خيارات لا رابع لهم:

_ إمَّا أنْ نَعتركَ مُعتَرك السياسة مع الحفاظ على نظافة أيدينا.

_ وإمَّا أنْ نُقدِّم مَن هُم أهل فينا ونكون نحن عن كثب منهم.

_ وإمَّا أنْ نعيش مُغَيَّبين عنها فنتركها للفاسدين الذين لا يرون مشكلة في إهلاك الحرث والنسل، ومعنى هذا أنْ نعيشَ مُكَمَّمي الأفواه ومكتوفي الأيدي كمواطنين قِصْدِيرِيِّ المستوى بينما هُم رؤساء بخمس نجوم!

ولا ريبَ أنَّ هذا القرار لا يُزكِّيه أولي الألباب، الأمر الذي يُلزمنا إلزامًا حديديًّا بأنْ نُحدِّد موقعنا في خريطة السياسة تحديدًا جغرافيا وتاريخيًّا، دون أنْ نسمح لأنفسنا بأنْ نكون دلاءً فارغة يُكَبُّ فيها ما يشتهون، ولا أنْ نُصدِّق ترويجاتهم التي تُنادي بمُسْتنقعية السياسة بينما هم يُمارسونها، ويُدرِّسونَها أبناءَهم حتى يرثونَها أبًا عن جَد، ويَطمئنون أنَّ أيْديولجياتهم على قيد التكاثر، ومشاريعَهم في تناسَل بسببِ الوعي المُنَوَّم مغناطيسيًّا، أو قُل هو على سرير الموت!

وبعد كلِّ ما قيل نَخْلُصُ إلى أنَّه لا بديل عن الاعتناء بالسياسة، كما علينا أنْ نَعْلَم ونُعَلِّم أنَّ السياسة مِن صميم الإسلام، وليست بِدعة، بغضِّ النظر عن أخلاقها، بل حتى لو سلَّمنا جدلًا أنَّها لا تُساوي حبَّة بَصَلٍ، وأنها أقذر مِنْ امرأة عاهرة، فلا ينبغي لهذا العُهر أنْ يجعلها نرفع عليها يمين الطلاق!

بقدر ما ينبغي علينا أنْ نُجاهِد مِن أجل تنظيفها، ونعيش في سبيل هذه النظافة قبل أنْ نموت عليها، ففي النهاية العيش في سبيل تنظيف مستنقع السياسة مِن قذوراتها أفضل مِن الرضوخ عيشًا تحت رحمة مَن لا يجدون مشكلًا في العيش مع هذه القذورات، والكارثة أنْ يُرغمونا بعدها على عيشها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد