“حتى أنت يا بروتوس .. إذًا فليسقط قيصر” لو كنت أتمنى أن أصير بطلا لفضلت أن أكون يوليوس قيصر في هذا المشهد الرهيب، لم يذهل القيصر من تآمر كل مجلس الشيوخ عليه، الجميع حوله حاملين أسلحتهم وهو يقاومهم بكل ما أوتي من قوة، تأتيه الطعنات من كل مكان وهو ما زال واقفًا، لن يستسلم أبدا فليس مسموحا للقيصر أن يستسلم، حتى رأى “بروتوس” اعتبره المنجى الوحيد فذهب إليه ووضع يده على كتفه ينتظر منه أن ينقذه، فطعنه بروتوس الطعنة القاتلة، وطعنة بروتوس ليست ككل الطعنات.

لم يطعن بروتوس جسد يوليوس قيصر بل طعن إرادته، طعن كبرياءه، طعن كل ما كان يحلم به يوليوس قيصر، طعنة بروتوس لا تعبر عن فشل القيصر في إدارة الدولة، بل تعبر عن فشله في حياته، خطاه في تفكيره، فشله في اختيارمن حوله، تعبير شكسبير عن ذلك بـ”إذًا فليسقط قيصر” كان ملحميًّا لأقصى الحدود، طعنة  بروتوس وإن أجبرت القيصر على الاعتراف بالهزيمة فلم تزده إلا كبرياءً واعتزازًا بكونه القيصر.

ليس أقل عظمة من مشهد وفاة القيصر من خطاب بروتوس للرومان بعده: هناك دموع في حب القيصر، وسعادة لحظّه، وشرف لشجاعته، و”موت” لطموحاته.

لكل منّا “بروتوس” يخيفه في كل لحظة، بروتوس هو مثال لما نشعر به، بروتوس هو كل هذه المشاعر والأحداث والأشخاص الذين يمكنهم أن يجبروك على الاعتراف بالهزيمة، ربما لن يكون مشهد اعترافك بهزيمتك مهيبًا كما فعل القيصر، وربما لن ينقله التاريخ، وربما لن يعرف “بروتوس” هذا أنك اعترفت بهزيمتك بسببه، ولكنه سيكون ملحميًّا بصورة كافية لتتذكره مدى حياتك.

ماذا إذًا لو اختفيت غدًا من الحياة؟ سيحاول البعض بإقناعك أن أحدًا لن يشعر وأنك لم تفعل شيئا بحياتك ليتذكرك به الناس، ولكن صدقني هذا هو أخف الضررين، المصير الأسوأ هو أن الآخرين سيلاحظون ذلك ثم لن يكترثوا، سيعتادون غيابك كما اعتادوا وجودك. إنك لست بروتوس، كيان “بروتوس” هو رفاهية لن يستطيع أحد الحصول عليها، وأنت أيضًا لست القيصر فلا يمكنك أن تتحمل ذلك القدر من الكبرياء دون سقوط مدو.

أنت متابع جيد لحياتك، يمكن لأقل حدث في حياتك أن يجعلك تقف أمام المرآة لتعترف بسقوطك، ثم تنهض وتحاول مرة أخرى لتعترف في النهاية بسقوط مرة أخرى. يرى نيشته أن الأمنية الأكثر منطقية لأي شخص هي أن يعاني، لأن المعاناة وحدها هي القادرة على تحديد ما إذا كان الشخص يستحق أي شيء أو لا.

إن استسلمت وجعلت كل ما تريده من حياتك كـ”بروتوس” فلا تحزن إن لاقيت نفس مصير القيصر، لا تربط نهايتك بأي نهاية، فكل خيوط اللعبة متداخلة وكل خيط يحمل فقط بداية ونهاية غير معروفة.

كم نتمنى لو أن كل ما نريده ويقيدنا يستطيع أن يقرأ الكلام الذي يدور بخاطرنا حوله، اقتل حلمك قبل أن يقتلك، قف أمام المرآة وكرر “هناك دموع في حب القادم، وسعادة لحظّي، وشرف لشجاعتي، وموت لطموحاتي”، ارثِ حلمك قبل أن يرثيك، اترك الخيط الحالي وابدأ بخيط جديد فالبدايات الجديدة هي حيوات جديدة.

فلتتذكر دوما أن القيصر سقط وروما لن تسقط، كن كل ما تريد، لا تدع أحدًا يوقف إرادتك حتى وإن كان بمثابة بروتوس لقيصر، لا تعلن هزيمتك أمام أحد، فحتى بروتوس سقط في فخ الاستسلام  للهزيمة وانتحر في النهاية.

فأنت لن تُفتقد إن هزمت، ولكنك ستفتقد متعة التجربة، متعة الفشل الذي يؤهلك لأن تكون أقوى فيما سيأتي، تلك المتعة التي لم يجربها الكثيرون، متعة أن تعود من بعيد تتفاخر بأنك يومًا سقطت هنا ولن تسقط هنا مرة أخرى، لم يجرب الكثيرون متعة أن تجرب كل شيء عشوائيًّا ولا تخشى شيئا، لا تدع كبرياءك يمنعك عن تجربة الجديد، لا تهتم بما سيقوله الناس، كن كـ”أوكتافيوس” لم يذكره التاريخ بدور رئيسي في مقتل يوليوس قيصر حاكم روما، ولكنه كان المنتصر الأخير ولم يقلل ذلك من انتصاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد