أثارت الاحتجاجات الاجتماعية التي يشهدها الريف المغربي منذ شهور، وقمع القوات العمومية لبعض المظاهرات وما رافق ذلك من حملة اعتقالات في صفوف متزعمي الحراك، انتقادات واسعة من الخاصة والعامة لتعامل الدولة مع هذه الدينامية باللجوء إلى القوة ومعاقبة الشباب المطالب بحقوقه في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وذلك بعد شرعنة وتبرير هذه التدخلات بالنزعة الانفصالية، وخدمة أجندات خارجية تستهدف زعزعة أمن واستقرار المملكة.

تنطوي المقاربة الأمنية المعتمدة من قبل أجهزة الدولة على منظور أحادي واختزالي لمفهوم الأمن،وهو منظور تقليدي يرتكز على استبعاد كل ما من شأنه أن يمس بسير مرافق الدولة ويعيق الحياة الاجتماعية ويزعزع استقرار البلد، أي أنه ينحصر في الجانب الشكلي والبسيط للأمن، الذي يحمي الدولة دون أن يوفر الحماية الكافية للفرد، وتستدعي المقاربة الأمنية التقليدية تعزيز القدرات المادية للأجهزة الأمنية وتوفير عتاد تقني ولوجستيكي يمكن من المراقبة، واستباق الانزلاقات وممارسة العنف المشروع بالتعبير الفيبري كلما اقتضى الأمر ذلك.

بيد أن تعقد الواقع الاجتماعي وتعدد أنواع الهشاشات Vulnérabilités المحدقة بالأفراد، يدفع إلى نقد ومساءلة هذا المنظور النمطي الاختزالي للأمن، ومن تم التشكيك في قدرة الدولة كجهاز على ضمان أمن واستقرار المجتمع، بالاستناد فقط إلى الأدوات الضبطية وقدراتها المادية المرتبطة بالشرطة والقوات المساعدة وغير ذلك. وتتوزع هذه التهديدات أو الهاشاشات بين ما هو داخلي مرتبط بالأمية والفقر والبطالة وانتشار الأمراض أمام تردي الخدمات الصحية وتدهور البيئة وانتهاك حقوق الإنسان، وما هو خارجي مرتبط بالتهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة والمشكلات المتعلقة بالأمن الروحي وكذا الاستلاب الثقافي في عصر العولمة.

إننا هنا أمام مفهوم مركب للأمن يتجاوز أمن الدولة إلى أمن المواطن، أمن يمس كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من أجل تعزيز التماسك الاجتماعي المبني على التوزيع العادل للثروة من خلال سياسة توزيعية ناجعة وفعالة،فهو أمن المجتمع والإنسان في قوته وبدنه ومسكنه وسيكولوجيته وفكره وهويته وعقيدته، ولا يقف فقط عند حماية أمن الدولة واستقرار النظام السياسي،فلا معنى لذلك في ظل حقوق إنسانية مهدورة وضنك عيش الأفراد وانسداد للأفق أمامهم، حيث يغدو هذا الاستقرار هشًا، بل مجرد أيديولوجية بائدة سرعان ما تنهار أمام واقع لا يرتفع!

لقد باتت الحاجة ملحة إلى إعادة بناء مفهوم الأمن في علاقته مع الحاجات والمطالب الملحة للمجتمع، مع ما يعرفه هذا الأخير من دينامية وتحولات تمس جوانب شتى، استنادًا إلى مرجعية المواطن الإنسان، وليس فقط مرجعية الدولة، لتصبح الدولة في حد ذاتها مجرد آلية لحماية أمن مواطنيها، دولة حمائية تبني مشروعيتها على مدى تحقيقها لمصالح الأفراد وضمان حقوقهم على قاعدة المساواة، دون إقصاء أو تمييز.

ويتماهى هذا المنظور السيكوسوسيولوجي  الأوسع للأمن مع ما يسميه أحد رواد المدرسة النقدية ماكس هوركهايمر بالانعتاقEmancipation، ويتحقق الانعتاق عندما يتحرر الفرد من مختلف الإكراهات المادية والمعنوية التي تمنعه من ممارسة حياته العادية، ليخرج من وضعية اللاأمن والخوف الملازم له من تهديد ما، سواء تعلق الأمر بتهديد يمس بسلامته الجسدية، أم بتهديدات أعقد تطال كرامته وكيانه الإنساني واستقراره السيكولوجي كالفقر والبطالة والإقصاء الاجتماعي بمظاهره المتعددة، و مختلف أنواع الهدر المادي والرمزي.

في هذا الصدد، لا بد من التمييز بين الأمن والشعور بالأمن، فهذا الشعور يرتبط بمنسوب الثقة بين المواطن والدولة، وهو الوضع الغائب حاليًا في المغرب،حيث تتواجد الدولة ومؤسساتها المختلفة ممثلة في الحكومة والبرلمان وكذلك الأحزاب السياسية والنقابات في وضع غير مسبوق من فقدان المصداقية وانهيار الثقة بينها وبين الشعب، هذا الأخير الذي لم يجد سوى الشارع لإطلاق صيحته المدوية ودق ناقوس الخطر، والتعبير عن حالة  اللاأمن الاجتماعي والإنساني، إلا أنه قوبل للأسف الشديد بقمع وقوة  من لدن قوات الأمن في مناسبات عدة، سواء تعلق الأمر باحتجاجات 20 فبراير (شباط) 2011، أم بالحراك الذي يشهده الريف المغربي حاليًا، والذي يزحف على باقي جهات وأقاليم المملكة، بدل نهج الحوار والتفاوض ومحاولة فهم هواجس وانشغالات السكان.هذا القمع وحملات الاعتقال لم يزد إلا من تقوية الشعور بعدم الأمن لدى سكان هذه المناطق بالمعنى الذي ذكرنا آنفًا.

لا يمكن لأحد نفي دور الأمن المادي المستند إلى القوة العمومية في حماية الوطن من التهديدات والأخطار التي تحدق به فعليًا،داخليًا وخارجيًا،لكن أن يتم اللجوء إلى العنف لقمع متظاهرين مسالمين يطالبون بحقوق إنسانية كونية مشروعة،فهذا مجانب للصواب، ولا يزيد إلا من تأجيج الوضع وترسيخ حالة عدم الشعور بالأمن لدى المواطن. لذلك فالتصدي الفعلي لإشكالات التنمية وتقليص الفوارق المجالية هو المدخل الحقيقي لتوفير أمن مستدام يدافع عنه المواطن المسلح اقتصاديًا ونفسيًا وفكريًا وروحيًا،قبل أن تدافع عنه الدولة بسلاح القوة، فالتنمية أمن مستدام بهذا المعنى.

فلنفكر مليًا في أمن الإنسان أولًا،وأمن الدولة ثانيًا. فهذا من ذاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد