كتب الكثير من المحللين والسياسيين تحليلات لأحداث المنطقة المفاجئة والمتتابعة.. البعض قال إن تسارع الأحداث وضخامتها يجعلنا عاجزين عن التحليل، وهذا من الاحترام العلمي للوقائع المتسارعة والمتضاربة، بل المبهمة.. فالجميع يترك مساحة للانتظار لوجود مساحات مظلمة ينتظر كشف الضوء عنها.

ومع ذلك كتب بعضهم ستة سيناريوهات، وجزم ببعضها وبفحوى بعض الخنادق وتشكلها بطريقة أقرب للقفز على حقائق كثيرة وتاريخ، وبعضها أمنيات.. كاعتقاده أن إيران ستحرر القدس أو تمحو إسرائيل! وثمة توقعات متعددة.

وهي كلها سيناريوهات مطروحة وممكنة نظريا، لكن هناك قواعد قفز عليها البعض في تحليلاته فأردت لفت النظر إليها.. ليس هذا تحليلًا بديلًا عن أحد، بل استحضارٌ لأمور غابت، وذِكرٌ لعوامل نُسيت:

1- التقارب الأمريكي والغربي النفسي مع الشيعة لتقارب البعد العقدي عند كليهما أقرب مما بين الغرب والسنة؛ فالسنة يعتمدون النصوص، والآخرون يعتمدون الأئمة المقدسين، والمعصومين، وطريقتهم في اعتقاد الخلاص، وربوبية المخلوقين متقاربة، وهذا متوافق مع النفسية المسيحية الغربية بروتستانتية أو كاثوليكية أو أرثوذكسية.. ما عدا الإنجيليين.

2- ضرْب إيران وتقزيمها ليس هدفًا استراتيجيًا لأمريكا والغرب؛ بل الهدف الاستراتيجي هو تقزيم وتفتيت وتفقير دول أهل السنة لأنهم يمثلون كتلة الإسلام وتاريخه، ومركز حضارته، والتهديد الذي يستشعره الغرب.

3- صراع إيران مع الغرب هو لتوازن القوى ولتحقيق تفاهمات مفيدة للطرفين، وليس صراعًا وجوديًا أو صفريًا.. لكنه أيضًا ليس صراعًا تمثيليًا، بل هو صراع حقيقي وامتلاك جاد لأدوات القوة تستخدمها إيران وتستخدمها إسرائيل والغرب.

4- صراع إيران مع إسرائيل ليس صراعًا صفريًا، بل هو على مستويين:

– مستوى شعبي إعلامي، يعلنون فيه العداء لإسرائيل؛ فتستفيد إسرائيل: تعاطف الغرب، وصنع العدو الذي يوحد الإرادة السياسية للبلاد، وتمتلك به سلاحًا حديثًا، وتبرر به امتلاكها للسلاح النووي، وغيره ذلك.

وتستفيد منه إيران بالنفاذ إلى نفسية المنطقة المحبَطة تحت وطأة الهزائم، وشرعنة لوجودها تحت مسمى كاذب اسمه (المقاومة)؛ فتتمدد إلى العراق، ثم الشام، وكذلك اليمن.

وفي سبيل تحقيق هذا، فهناك صراع وقوة حقيقية بين الطرفين، فالأمر ليس تمثيليات كما يتخيل البعض، بل هو مدافعة حقيقية للقوة.

– وأما المستوى المخابراتي، فهناك تفاهمات في مجالات كثيرة، وهناك الكثير مما يمكن لهما الاتفاق عليه مستقبلًا.

5- العلاقة بين الغرب وممالك الخليج الآن هي علاقة حلب أموال وتغيير ثقافي وإعلان خضوع وإخضاع الشعوب والأجيال القادمة للثقافة الغربية، ومن قبل كانت رعاية وتحقيق مصالح بترولية وغيرها.

وعلى هذا، فاللعاب الأمريكي حاليًا هو على شركة آرامكو، وأن تدخل بورصة نيويورك؛ ليتمكن الأمريكيون من شرائها.

6- ليس كل تصعيد إعلامي يعني أن هناك حربًا، فكم من تصعيد (مقصود) يصل إلى حافة الذروة، فيطمئن السعوديون، فيُطلب منهم الثمن بطرح أرامكو للبورصة الأمريكية، وغيرها من المكاسب المليارية. وإذا تحقق الهدف؛ تراجع التصعيد ورجع العرب (المستغفَلون!)، يموتون كمدًا بخسارة المال والسياسة معًا؛ ما المانع من هذا؟ وماذا تخسر أمريكا من تشديد اللهجة والتخويف والإيهام لتأخذ المليارات؟

7- لا بد من ملاحظة أن العرب لا تنعقد لهم عزيمة على أمر مفيد، حتى لو تضمن مفاسد عظمى.. فقد دفعوا أكثر من (400) مليار من أموال الأمة وثروات المسلمين إلى ترامب ليشرفهم بحضوره! ولتصطف معهم ضد إيران.. فأعطاهم كلامًا وأخذ أموالًا! وفقط خشّن اللهجة مع إيران، مع استمرار الغطاء الجوي الأمريكي للشيعة العراقيين والإيرانيين في العراق! وحضور إيران فيها قوي لا يُنكَر!

ثم انفسخت عزائم العرب وأصابهم حوَلٌ، واتجهوا لنقض إجماعهم بأنفسهم بمعاداة قطر.. فدخلوا في مشكلة داخلية ودمروا مجلس التعاون وبددوا قوتهم وفتحوا لإيران ثغرة كبيرة؛ فأهدروا الأموال، وبددوا الجهود وفسخوا العزائم.. إنها قيادات تُضحك التاريخ وتُسر العدو وتُبكي الصديق.

8- وعلى هذا لا يُستبعد أبدًا أن تتحول الدائرة مباشرة إلى تركيا، ومعها قطر كمحل للتنازع مع وجود القوات التركية بها (30 ألف جندي).. فيلتف الحبل كالعادة في الاتجاه الخطأ وتضيع القوى والجهود.

9- أما إيران، فلا بد من استحضار معلومة بديهية أولى، وهي أنها ليست دولة عنتريات، مثل عنتريات (صدام حسين)، بل هم أصحاب قضية ـ ولو باطلة ـ ويجيدون المناورة، وليست المناطحة فقط.

وعلى هذا فلا يُتوقع أن تدخل حروبًا لا تخدمها، ولا تضطر إليها ويمكنها الاستغناء عنها.. وهذا يتضح جليًا بالنقطة التالية.

10- وهي أن إيران مدت أذرعًا بعيدة عن بلادها، وهي لن تفاوض على أرضها أو مقدراتها أو وحدتها أو سيادتها (كالسعودية أو الخليج أو الشام)، بل ستفاوض على هذه الأذرع في العراق (كوضع خاص هو آخر ما تتخلى عنه)، أو سوريا ولبنان (وهي تلي العراق).. أو اليمن، وقبول التفاوض بها سهل وهين بالمقارنة مع العراق والشام، مع عدم تخليها عنه نهائيًا لتبقى ميزة القدرة على المناكفة! فأمرُّ الخيارات لإيران حلو لها، بلا خسارة.. وكل تراجع لها سيكون مقابلًا بمكاسب مقابلة ومُرضية لها.

11- وعلى هذا فالخطر الحقيقي والتخوف الجاد إنما هو ـ ويا للمفارقة ـ متوجه نحو السعودية وتفتيتها، وتركيا وتحجيمها وإسقاطها كدولة لتعود للتخلف، وقطر.. ويمكن التهامها أو تصبح هي فتيل صراع وملتقى توازنات قوى، وعنوانًا مترجِمًا لمحصلة القوى الإقليمية.

المفارقة أن الخطر هو على السعودية، وقطر التي تعاديها المملكة، وتركيا.. على هذا ترسو سفينة العداء الغربي وخطوطه الاستراتيجية.

12- معاداة الغرب لإيران تكتيكي، وللمنطقة العربية والإسلامية السنية عداء استراتيجي، وما يحدث الآن هو الجانب التكتيكي، وما يحدث غدًا هو الحقائق الاستراتيجية.. ويجب ألا نبدل الأمور فنرى التكتيكي استراتيجيًا، فنُخدع به ونضع أوراقنا فيه، فنخسر خسارة تاريخية مضافة لما نعيشه من انهيارات، أو نرى الاستراتيجي تكتيكيًا، فنغفل عن عدونا، ونعطيه الأمان، فتجيء الطعنة قاتلة.

13- أما حدوث حرب عالمية.. فالعالم أكثر دراسة لما يقبل عليه، وكم من خلافات روسية أمريكية، وروسية إيرانية، وخلافات إيرانية أمريكية.. ولم تحدث أكثر من مخاشنات سياسية وطرد دبلوماسيين، ثم يعقبها تسويات كثيرة وتفاهمات سياسية واستخباراتية وتبادل مصالح.. الأمر ليس مستنكرًا، لكنه ليس قريبًا كما يروج البعض.

14- الخلاصة أن العرب والمسلمين في الاتجاه الخطأ، وثقتهم في محل خطأ.. والحروب المحتملة جزئية وتكتيكية، ولغير صالحهم.

15- والتغيير الديني والثقافي أخطر فهو تغريب محطم للهوية ومدمر لما تبقى من خير، كان يجب أن تعالَج أخطاءه من خلال الدين نفسه واجتهاداته الصحيحة والترجيح بينها، بدلًا عن مصادرته إرضاء للسيد الغربي والصهيوني، وبدلًا عن حبس العلماء والدعاة لسواد عيون من لا يريد خيرًا لهذه الأمة، لكن اليوم الانهيار ديني واقتصادي واستراتيجي.

16-  أما خروج الأمور عن السيطرة بحيث لا يتحكم فيها أحد من القوى الإقليمية والعالمية..

– وأما دخول الشعوب على الخط ليقرروا أمرًا يقلب الطاولة، ويفسد التفاهمات التي هي خسارة محضة للعرب والمسلمين السنة لصالح الغرب أو إيران.

– وأما دخول عوامل مختلفة غير محسوبة وتغيير خريطة القوى والتفاعلات.

فكل هذا منوط بقدر الله تعالى، (والله غالب على أمره)، (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يُرجع الأمر كله، فاعبُدْه وتوكل عليه، وما ربك بغافل عما تعملون).

بقي على الشعوب أخذ زمام المبادرة، والدفاع عن نفسها وثرواتها وأعراضها ودينها ومستقبلها.. ولو فعلوا هذا فالأمور بيد الله.

فقد سُئل أحد العلماء (بم عرفت ربك؟ فقال: بنقْض الهِمم وفسْخ العزائم) فتوجهات البشر قد يغيرها الله تعالى في لحظة، وما تدبره الغرف المغلقة والمظلمة، فليس إليها تدبير أمر السماوت والأرض، بل إلى رب العرش العظيم. فكم في بطون الأيام من أقدار؛ فاللهم هيئ لهذه الأمة أمرًا راشدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد