العبثية في اليمن

كان هدف ثورة 11 فبراير (شباط) 2011 هو إسقاط نظام الحكم المركزي، وإحلال نظام حكم لامركزي فيدرالي (اتحادي من ستة أقاليم)، لكن الثورة المضادة التي حدثت في 21 سبتمبر (أيلول) 2014 فككت السلطة، والنظام، والمجتمع اليمني، ونتيجة طبيعية لتلك الثورة المضادة حدث هدم من الداخل للمؤسسات، وهيكل السلطة ليتم إعادة تشكيل اليمن وفق إبادة سياسية، وطائفية، ومناطقية، وعنصرية فتحول الجيش الى ميليشيات، وبرزت ميليشيا موازية للدولة، وأصبحت لدينا مليشيا طائفية تتزعم، وتدير دولة بناء استراتيجية اللادولة.

سيطرة العبثية في اليمن

يريد أعداء اليمن جعلها بلدًا للميليشيات الطائفية التي غدت جيوشًا مدربة، لأنها خاضت حروبًا حقيقية، وتمتلك خبرات واقعية، وتكتمل هذه العبثية بفوضى الإسلام السياسي، والقاعدة، وداعش، وأنصار الشريعة. فيكون لدينا محور اللادينية ليقابلها التطرف واللاإدارية وهكذا دواليك.

1-الحالة الإيرانية في اليمن

هجين من العبثية، والطائفية المليشاوية التي تغذي الأجندة التوسعية في اليمن. فقد لعب الإيرانيون في تركيبة جماعة الحوثي الأيديولوجية تحت مسمى (فرسنة شيعة اليمن)، لتتحول من زيدية متعايشة مع الشافعية الى إثنى عشرية جعفرية تتهم مناوئيها من الزيدية، والشافعية بالداعشية. بالفعل نجحت إيران في تصدير فكرهم إلى اليمنيين عبر جماعة الحوثي، ونتيجة لذلك انقلبت جماعة الحوثي على الدولة اليمنية، والسلطة الشرعية في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.

2– الحالة الأمريكية في اليمن

يرى الأمريكيون بأن دعم الديمقراطية في اليمن ضروري للمصالح الأمنية، ومنها ملاحقة، ومحاربة تنظيمات الحركات المتطرفة، والمتمردة، ومصادرة تمويلها، وبالتالي فالسياسة الديمقراطية في اليمن، وتسويقها عبر الإعلام لا تنسجم مع التحولات العريضة لمسارات النزاعات داخل دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها اليمن، والتي عدت خير دليل.

البعض في الولايات المتحدة الأمريكية يظن بأن استراتيجية القوى الناعمة هي المثالية لتسيير الديمقراطية عبر دعم الاحتجاجات السلمية، وحماية حقوق الإنسان في اليمن، والحديث عن الديمقراطيين. مع الأسف الشديد انحدرت الأمور من إسقاط الديكتاتوريات نحو إفساح المجال للميليشيات الطائفية لتأخذ مكانها في اليمن.

في المقابل انتهج بعض آخر في الولايات المتحدة الأمريكية، والحديث عن الجمهوريين سياسة حديثة لمواجهة الميليشيات الطائفية عبر دعم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التقليديين في اليمن، وبناء على تضارب الأجندة الأمريكية في اليمن وتصارعها تغولت ميليشيا الحوثي في اليمن، وبعض فصائل الحراك الجنوبي الانفصالي، ومعها تفاقمت مأساة اليمنيين خصوصًا مع تزايد عبث أطراف إقليمية يدعمها الحزب الديمقراطي في أمريكا، والحديث عن دولة قطر، ودعمها المتواصل لميليشيا الحوثي منذ حروب صعدة الستة لكن التطور الذي حدث بعد انقلاب 21 سبتمبر (أيلول) 2014 بأن قطر كشفت عن نفسها، وبأنها تمتلك أجندة زعزعة استقرار للمملكة العربية السعودية من بوابة اليمن، وقد خرجت عن دورها المرسوم من قبل الديمقراطيين، والمتمثل بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط تحت مسمى أجندة الفوضى الخلاقة.

يبقى أمل اليمنيين معقودًا على حلف MESA ( ميسا)، حلف الشرق الأوسط الاستراتيحي، في جمع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين مع أدواتها من دول القوى الناعمة، لتوحد جهودها في استعادة الدولة في اليمن، وسلطتها الشرعية لوضع حد نهائي للعبثية الإيرانية في اليمن.

3– الحالة الخليجية

دول الخليج ما عدا قطر كلها نجحت في تجنيب اليمنيين بوادر الحرب الأهلية عندما تدخلت بالمبادرة الخليجية، وأجبرت الرئيس السابق علي عبد الله صالح على توقيع مبادرتها الخليجية، والسير في آليتها التنفيذية المزمنة، لكن ما حدث بأن جماعة الحوثي فرضت حربًا على اليمنيين، واسقطت الحاكم، والمعارض، وأقصوا الجميع، ومن يومها، وأجندة إيران تعرقل كل مساعي الخليج السياسية لإيجاد حل سلمي، ناهيك عن إفشال كل الجهود الاقتصادية، والإنسانية، والعسكرية لإحداث توازن ما بين اليمنيين بغرض استعادة دولة تتغلب فيها لغة النظام والقانون على لغة القوة، والفوضى، والعبثية التي انتهجتها جماعة الحوثي. لذلك فالخليج يواجة أجندة إيران التوسعية، والانتقامية في اليمن بكل عنفوان، وثقل سياسي، وعسكري، واقتصادي، وثقافي، وحضاري خصوصًا وأنها إيران هي من تدير، وتحرك جماعة الحوثي، ولها يد طولى في بعض فصائل الحراك الجنوبي من أجل زراعة الفوضى، ودوامها في جنوب شبه الجزيرة العربية.

هل هناك احترام للقانون وصون للديموغرافيا في اليمن من قبل ميليشيا الحوثي؟

لقد شنت ميليشيا الحوثي حربًا على الأغلبية في اليمن، باسم الدين، وجندت الأطفال، ونشرت الأسلحة في صفوف المدنيين، ومارست الاستخدام العشوائي للألغام الأرضية متجاوزة الاشتراطات التي يوفرها القانون الدولي للحماية أثناء الحرب من حماية المدنيين، والصحفيين، ووسائل الإعلام، واستخدمت المواقع المدنية لأغراض عسكرية، فتم تدمير المنازل، وتفجير دور العبادة واستباحت الممتلكات، والأموال، وتعرض المدنيون لمختلف الهجمات، ولم تتم حمايتهم، بل تم ممارسة الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي وصولًا لإجبار عدد كبير من اليمنيين لمغادرة مناطقهم الأم حتى ما وراء الحدود، والبحار، وبذلك تعدت على الأشخاص، والأعيان المشمولة بعناية خاصة وفقًا للقانون الإنساني الدولي.

من أبرز تجاوزات ميليشيا الحوثي هي تسببها في فقدن الحماية للأعيان المدنية من مركبات، ومباني، وتلك تحدي صريح لسمات القانون الإنساني الدولي، بل ممارسة التجويع لليمنيين مما قاد إلى الغوث الإنساني في اليمن. لقد تجاوزت ميليشيا الحوثي كل الأهداف العسكرية المشروعة، ولم تلتزم بتوجية إنذارات مسبقة لمواقع الهجوم، بل وصلت فيها الانتهاكات بحق اليمنيين الى تجاوز القوانين العرفية للمجتمع اليمني في سلوكها الحربي، والميليشاوي فلم تعد تميز ما بين المدنيين، والمقاومين خصوصًا في مدينة تعز الجنوبية، بل كانت ترسل الطلقات النارية المتمددة، والمتفجرة بشكل يومي مما قاد إلى ضحايا مدنيين بالآلاف، وبذلك خرقت القانون الإنساني العرفي، والتي تعد مسلمات في القانون الإنساني الدولي .لقد نقضت العهود لمرات عديدة، ولم تميز ما بين الأعيان المدنية، والأهداف العسكرية بل كرست سياسة الهجمات العشوائية كأداة من أدوات التهجير القسري، والنزوح الإجباري لليمنيين في كل مكان.

المسرح العملياتي والعسكري المتوقع في اليمن

الميليشيا الطائفية تتحكم بالشعب اليمني في مناطق سيطرتها عبر سياسة التجويع، وانقطاع الخدمات في حين تتخذ من التجمعات السكانية دروعًا بشرية، وزد على ذلك فتضاريس اليمن جعلت من الأعمال العسكرية، والتقدم في مناطق سيطرة الحوثي تسير ببطء شديد خلال الأربع السنوات الماضية.

لذلك، ما الذي يمكن عمله عسكريًا لاستعادة الدولة في اليمن؟

1.عمليات تكتيكية: عمليات عسكرية دقيقة في قلب المدن التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي عبر صناعة، وخلق قيادات وطنية، عسكرية، وأمنية متواجدة في مدن الحديدة، وصنعاء، وصعدة، وعمران، وحجة، والمحويت، وذمار، وإب، ورداع، وريمة، ومديريات يريم، ووصابين. وعتمة وبذلك تعد مقاومة داخلية تحدث اختراقًا مدروسًا، وعملياتيًا في العمق الميليشاوي، ومن أبناء ذات المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، وبحيث تبدأ المقاومة، وعمليات المواجهة من الأطراف المتاخمة للمناطق المحررة، وتتسع، وتنتقل نحو الداخل، والعمق الاستراتيجي للجماعة بما في ذلك إنزال مظلي مساعد لمواقع المقاومة المفترض تأسيسها، والانطلاق منها.

2. عمليات استراتيجية: يتزامن التقدم العسكري في كل الجبهات مع تغطية بالمقذوفات الصاروخية، والمدفعية لكافة مساحات التقدم. بحيث كل مساحة تقدم يقابلها مساحات مضاعفة للتأمين حتى لو قاد ذلك إلى سقوط ضحايا مدنيين لا سمح الله في حالة فشلت التغطية الإذاعية في إنذار المواطنين، وتقليل الخسائر البشرية.

بالفعل فهكذا استراتيجيات يتم فيها استهداف جميع مواقع جماعة الحوثي، وحاضنتها المفترضة حتى لو قاد ذلك الى حالات من النزوح الإجباري من مناطق سيطرة جماعة الحوثي نحو المناطق المحررة، فإنها في المجمل ليس الغرض منها الإقصاء، وزراعة الكراهية بقدر ما يكون الهدف إعادة جماعة الحوثي إلى الحضن العربي، واستتباب التعايش السلمي ما بينها، وبقية المكونات الدينية اليمنية من زيدية، وشافعية، والتي تضررت بفعل سلوكها اللاسوي خلال الأربع سنوات الماضية من انقلابها على الدولة اليمنية.

الأفكار العقائدية، والطائفية لا تؤمن بالأوطان، ولا بالحدود الجغرافية، وهذا هو خلاف اليمنيين مع جماعة الحوثي. فاليمن ليس فيها أقليات بقدر ما يوجد فيها تنوع ثقافي، فالمجتمع اليمني كتلة واحدة، ومهما كانت مبررات السيطرة على الأرض والهيمنة الاقتصادية، والنفوذ السياسي إلا أن جغرافيا الوطن اليمني عائق موضوعي أمام مشاريع الميليشيات الطائفية، والانفصالية. فالجغرافيا اليمنية واحدة ولايمكن تجزئتها، والثقافة واحدة، ولايمكن تفكيكها، والعروبة في اليمن لاتتقبل الأيديولوجيات، والمشاريع القديمة فإما يتحد اليمنيون للقتال ضد المشاريع الطائفية، والتخريبية، أو يقعون في فخ فوضى المشاريع العبثية، وهذا مايزيدهم حماسًا، وإصرارًا للدفاع عن الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد