يمر كل إنسان بتجارب شخصية، تُولد لديه قناعات وأوجه نظر مختلفة، ومن خلال هذه القناعات يبدأ في إصدار الأحكام، ويتبنى وجهة نظر معينة، وينتهجها في كل أموره الشخصية.

وربما يبدأ في نصح الآخرين بتبني نفس القناعات، ويرشدهم لنفس طرق الحل، إذا مروا بنفس التجربة، غير مبالٍ باختلاف الظروف والإمكانات والفوارق الفردية بينه وبينهم.

التحيز أو النظرة الجزئية تعد من الأخطاء الرئيسة في التفكير؛ حيث ينظر الشخص إلى جزء من الموقف فحسب، ويقيم حجته على أساس ذلك، أو يصدر أحكامه على المواقف بدلالة تأثيرها عليه شخصيا.

فما تراه نجاحا وإنجازا ـ ربما ـ يكون لغيرك فشلا وإحباطا، فنجاح تجربتك أو إخفاقك فيها لا يعتبر نجاحا أو فشلا للآخرين.

إذا طلب منك شخص نصيحتك في أمر يخصه، من المفترض أن توجهه بما يناسبه هو، وذلك على حسب معرفتك به ومعرفة ظروفه، حتى  لو أن نفس الأمر إذا كان يخصك كان قرارك بعيدا تماما عما نصحت به سائلك؛ وذلك لأن لكل منكما ظروفا مغايرة للآخر.

فمن سنن الله في الكون الاختلاف والتباين بين البشر، وهذا في طبائعهم، وطُرُق تفكيرهم, وأسلوبِ حياتهم. وذلك لأن الناس مختلفون في القدرات العقلية، ودرجة الفَهم والإدراك، والرغبات والميول، وفي الثقافة والتنشئة.

وربما يكون الاختلاف سببا من أسباب الغنى الفكري، والتنوع الثقافي وتبادل الخبرات؛ وربما يؤدي لنزاع وصراع وفرقة وخصام.

وهذا على حسب الاستعداد النفسي لتقبل الآخر، والإيمان بحقَّه في التعبير عن رأيه، والإقرار بحقه في أن تكون له قناعاتُه الخاصة ومواقفُه الشخصية.

ولكل إنسان نزعة فردية وميْلِ للاستقلال الفردي ورغبة في التميُّز عن الآخرين، فتتشكل لديه قناعات ذاتية مختلفة عن غيره.

قال تعالى “قل كل يعمل على شاكلته…”  بمعنى أن  كل يعمل على طبيعته أو طريقته حسب تفسير ابن كثير وصاحب تفسير الجلالين .

وبناءً على هذا، فمن الصعب جدا أن يتفق الجميع على رأي واحد، لذلك جعل الله لنا ثوابت تناسب الجميع، وتكون لنا مرجعا ومنهاجا. وأعطانا الحق في الاجتهاد والتجديد بما يُناسب التغيرات الاجتماعية والفوارق الفردية.

لذلك فإن التعامل من منطلق الوصاية، وفرض وجهة نظر معينة، والإقرار بصوابها هي  فقط، واتهام من يختلف معه بالتقصير، يدل على ضيق أفق؛ لأن الرأي يكون نتيجة تجربة شخصية فردية خاصة بظروف صاحبه، ولا يشترط أن  تتوافق مع ظروف غيره أو تناسب شخصيته وترضيها.
فما يناسبك قد لا يناسب غيرك، وما يناسب غيرك قد لا يناسبك. فلو عالج  الطبيب كل داء بنفس الدواء لهلك الناس.

من المفترض أن هدف النقاش مع الآخرين يكون على أساس تبادل وجهات النظر والتعرف عليها، ومن حق كل طرف أن يحدد ما يناسبه منها وما لا يناسبه. وليس فرض وجهة نظر معينة واعتبارها أمرا لابد منه، فربما نتفق على هدف واحد، ويسعى كل منا في تحقيقه؛ لكن ليس من الضروري أن ننتهج نفس الوسائل ونتبع نفس الطرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد