تعليقات القصيمي:

الواجب قتل جميع الغلمان

إذا كان جائزًا أو واجبًا قتل الغلام لاحتمال أن يجيء شريرًا أو عاقًا أو كافرًا أو صانعًا للأذى أو للفجور، فإن الواجب أو الجائز قتل جميع الغلمان، بل قتل جميع الكائنات وتدمير جميع الأشياء، حتى المصانع والبيوت والمدن وكل شيء، لأن كل الأشياء وكل الناس يحملون في وجودهم احتمالات مضادة، احتمالات رديئة أو مؤذية أو غير سارة، احتمالات أحيانًا قاتلة.

الخشية من الكفر توجب القتل

إن ذلك الرجل الروحاني الغامض القادم من السماء ليعلم أهل الأرض ألغاز السماء وفنون عبقرياتها يقول: إنه قتل ذلك الغلام لأنه خشي على أبويه من كفره وطغيانه، إنه يقتل غلامًا بريئًا لأنه فيما يقول يخشى أن يكون مؤذيًا أو رديئًا أو كافرًا، إنه يقتل بالخشية، وإن الخشية من الكفر أو الضلال أو الفجور أو الطغيان توجب القتل، أو تجعله شيئًا جائزًا أو طيبًا أو عملًا صالحًا.

الكل سيقتل الكل

إن لك أن تقتل كل أحد وأن تدمر كل شيء، لأنك «قد» تخشى أن يكون كل أحد كافرًا أو مؤذيًا أو رديئًا أو طاغية.

وإن لكل أحد أن يقتلك لأنه قد يخشى أن تكون كافرًا أو فاسدًا أو طاغية، إن لكل إنسان أن يقتل كل إنسان، أن يقتل أي إنسان، لأن كل إنسان قد يظن أو يخشى أن أي إنسان آخر أو أن كل إنسان آخر قد يكفر أو يفسد أو يطغى أو يكون أي شيء (رديء)» انتهى.

إن كل كلام القصيمي وشبهاته قائمة على ما ادعى أنه قتل الغلام بالاحتمال، وطبعا بلا شك ليس الأمر كما يصوره أو يتصوره القصيمي، وإنما قتل سيدنا الخضر الغلام بناءً على يقين وعلم قاطع أن هذا الغلام كافر، وأنه إن عاش سيرهق أبويه وسوف يطغى ويحملهما حبهما له على الكفر بالله، وهذا أسوأ ما قد يصيب الإنسان من المصائب فكل ما دون ذلك هين –وإن كان الموت-، فمن يُقتل دون دينه فهو شهيد مكرم عند الله تعالى، أما فقد الدين فهو المصيبة التي تهون أمامها كل مصيبة وإن كانت موت الولد أو قتله، وقد وضح أهل التفسير سابقًا أن الخشية هنا جاءت بمعنى العلم الجازم وليس مجرد الخوف والاحتمالات.

ونعود إلى قصتنا ونورد الأقوال حول عمر الغلام حين قتله الخضر، حيث اختلفت أقوال العلماء في ذلك، فهناك من قال إنه كان بالغًا وأُطلق لفظ الغلام عليه لقرب عهده بالبلوغ، وفي العربية يطلق لفظ الغلام على البالغ.

وقول سيدنا موسى «نفسًا زكية» قد فسرها سيدنا موسى بما جاء بعدها حيث قال «بغير حق»، أي لم تقتل أحدًا حتى تقتلها به، فعلى هذا الوجه لا إشكال في أنه كان كافرًا وجاز قتله حسب علم الخضر وشريعته، والقول الثاني إنه لم يكن بالغًا وإنما كان مميزًا، والمميز يُحكم عليه بالكفر والردة، وإن لم يرتدع عن فساده وشره إلا بالقتل قُتل، وقد علم الخضر أنه سيطغى وسيعيث في الأرض فسادًا وسيحمل أبويه على الكفر بدافع حبهما له، فقتله بما أوحاه الله له من أمره.

أما إن كان طفلًا دون سن التمييز وهو احتمال بعيد جدًا، فقد أباح الله للخضر أن يقتله بما أوحى له من علم الغيب بما سيكون من هذا الطفل فيما هو قادم، رفقًا بوالديه ورفعًا لمنزلتهما في الآخرة أن صبرا على فقده، وهذا أبيح فقط للخضر ولم يبح لأحد سواه بعده أبدًا، ونود أن نشير هنا إلى أنه في هذه الحالة الأخيرة سيكون شفيعًا لوالديه يوم القيامة بإذن الله، وسيكون من أهل الجنة وهو كذلك، فأي رحمة تتجلى هنا في اختيار الله لهما وله؟، وننوه هنا أن هذا ليس شريعة لنا وإنما هي شريعة خاصة بالخضر فقط.

وهكذا نرد كلام القصيمي عليه، فليس لأي إنسان أن يقتل أي إنسان بالاحتمال، وليس لكل إنسان أن يقتل كل إنسان لأنه قد يصبح كافرًا أو فاسدًا أو شريرًا.

نورد مقتطفات أخرى مما استشهد به المذيع من كلام القصيمي

لماذا خلق الله الغلام أصلًا؟

فالتفسير إذن لهذا أن الله بأمره بقتل الغلام، يريد موته لأنه -أي الغلام- سيكون بالقدر شريرًا وهو يرفض أن يعيش الأشرار!

إذن لماذا خلقه الله؟، لماذا إذن يدبر خلقه إن كان كذلك؟، إن كان الله يدبر ويريد قتل من سيكون كافرًا ويأمر بقتله ويرفض أن يحيا فلماذا إذن خلقه ودبر خلقه؟

أيهما أذكى؟

-أليس الأسلوب الأذكى والأفضل والأكثر رحمة ونخوة وشهامة ألا يخلقه؟ كيف لم تفطن السماء بكل ما فيها ومن فيها من ذكاء ورحمة وعلم وسكان وآلهة وملائكة أن هذا الأسلوب -أي ألا يخلق- هو الأسلوب الأذكى والأفضل والأميز والأعقل والأقل تكلفة ونفقات ومخاطر؟

إذا كانت إرادة الله أن يؤدي ذلك الغلام دوره فلماذا قتل؟ وإذا كانت إرادته ألا يؤدي دوره لأنه شرير فلماذا خلق؟

مثال المصنع

إذا كانت الإرادة أن يعمل ذلك المصنع (الذي أنشأه إنسان) فلماذا هدم؟ وإذا كانت الإرادة ألا يعمل فلماذا أقيم؟، يقيم المصنع الذي يعلم أنه لا بد أن يتهدم على من يعملون فيه قبل أن يعملوا ثم يهدمه بعد إقامته قبل أن يتهدم عليهم لأنه لا يريد ذلك، أهذا منطق إله وأنبياء وأنبياء الأنبياء؟» انتهى.

خلق الله الكون والأرض ومن فيها وما فيها من مخلوقات وله سبحانه حق وحرية التصرف في كل شيء في الكون بشكل مطلق، في الدنيا لا أحد يجرؤ أن يحاسب أحدًا على تصرفه في ممتلكاته كيفما يشاء أو يحاسبه على تصرفاته فيما يملك، فكيف إذن يجرؤ أحد على سؤال ملك الملوك عن فعله فيما خلق وملك ولله المثل الأعلى؟!، فهل مثلا يجرؤ أحد على محاسبة من ينفق نقوده ويضيعها فيما لا يعود بالفائدة عليه ويعاقبه على ذلك، سيكون الجواب وقتها ليس هذا من شأنك، أما بخصوص مثال المصنع وهل فعلًا يستطيع أحد أن يحاسب صاحب هذا المصنع على فعله في مصنعه، هل يستطيع القصيمي أو غيره أن يذهب لذي مال وسلطة ويسأله ويحاسبه على ما يصنع ويفعل؟ لا والله، فكيف به يتجرأ على الله ملك الملوك وخالق الخلق ومليكهم، و الله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

وان كنا سنسأل هكذا أسئلة مثل: لماذا اتخذ الله -وحاشاه ذلك- ابنا (المسيح)، وسمح لعبيده أن يقتلوه حتى يكفر عنهم خطيئاتهم، فلماذا لم يكفر عنهم ذنوبهم دون أن يفقد ولده على زعمهم -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، أليس المنطق والعقل أن يعفو عنهم كرمًا منه، بدلًا من أن يرتكبوا بقتلهم ولد الله جرمًا أفظع وأكبر من خطيئاتهم الأولى، يرتكبون جرمًا أكبر وأفظع ليكفر الله عنهم خطايا أقل منها بكثير؟ ما لكم كيف تحكمون.

الله خلق الغلام ليؤدي دورًا معينًا في هذه الحياة كغيره من الخلق، وهذا الدور سينتهي عند حد معين كما غيره أيضًا، وعند انتهاء هذا الدور سينتهي أجله في هذه الحياة وسيرحل عنها بنوبة قلبية، بغرق، بحرق، بردم أو بغيره من الأسباب الظاهرية للموت، فهذا الغلام قد أدى دوره في هذه الحياة وانتهى دوره عند هذا الحد وبالتالي انتهى أجله، وما قتل الخضر له إلا أحد أسباب الموت الكثيرة، ولكن الله كتب عليه أن يموت على يد الخضر لسبب معين، وهدف معين، ودور معين.

لقراءة الجزء السابق:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد