الحب ذلك السحر الذي يخلبنا ويسلب أرواحنا نحو عالم آخر، نحو ذواتنا، ونحو معنى للحياة، لكل منا حكايته مع الحب، لكل منا قصصه السرية، لكل منا قصته الكبيرة مع الحب وحده يعرف تفاصيلها، كل منا يتذكر خطواته الأولى في استيعاب ماهية الحب، وماهية هذه الدغدغة وسر الانجذاب بل ملاحظة التغيرات الفسيولوجية، نسمع الأغاني كم تطرب قلوبنا لآهات أم كلثوم ونسرح مع صوت فيروز ونعيش داخل أغنيات عبد الحليم ذكريات المراهقة، كم نتذكر فيلم تايتنك وكم تأثرنا بنهايته المأساوية وتمنينا مثل هذه التضحيات، وهناك من قرأ روايات إحسان عبد القدوس وأحلام مستغانمي واستشهد بأشعار نزار قباني على حالته القلبية، إنه الحب الذي نسج كل هذا الجمال، يجعل قلوبنا تنبض وبريق أعيننا يزداد لنبدأ في خيالنا الساحر.

 

لم تكن جملة أحمد خالد توفيق الأدبية عبثية عندما قال: ليتنا أنا وأنت جئنا إلى العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقـًا أم أننا نتقمص ما نراه.

هل الصورة التي نتبناها بأذهاننا عن الحب هي الصورة الحقيقية للحب، أم أننا نسعي لما رأيناه خلال هذا الفن، هناك اسئلة كثيرة عن ماهية الحب؟ وما حقيقته؟ لم تلق جوابًا شافيًا حتى الآن .

لقد أثبتت دراسة من جامعة Heriot Watt الأسكتلندية  أجريت على 40 فيلمًا رومانسيًا، صدروا في هوليوود بين عامي 1995 و2005، إلى أن العديد من المشاكل التي يشكو منها الأزواج تتماشى مع المشاكل التي تطرحها هذه الأفلام، وأن جميع المشاكل العاطفية تأتي أساسًا من تصورات الأشخاص المرتبطة بهذه الأفلام للعلاقة، تقول الدراسة إن هذه الأفلام شكلت الصورة المثالية للحب والعلاقة بين الرجل والمرأة وتعتبر الدراسة أن تأثير الأفلام الرومانسية على الذهن البشري والعواطف غير معروف تمامًا ويحتاج للمزيد من البحث والدراسة.

إن الدراسة تشير لما معناه أن من شاهد فيلم تايتنك وتأثر بمشهده الأخير وقرر أن تكون قصة حبه بهذا الشكل العنيف من التضحية والعشق، وكذلك من تشاهد عبد الحليم حافظ وهو يغني لزبيدة ثروت يتشكل أمامها فارس أحلامها الرومانسي الذي تطور لمحمد رمضان وتامر حسني حاليًا تقريبًا.

فى أثينا جاء سقراط من بين أساطير الغرام اليونانية والأدبيات الملتهبة قال إن الحب جهل كبير وصوره بالشبح الكبير، هو كبير ولكنه مجرد شبح وطيف، وقال سقراط إن الحب غير موجود إلا في دنيا الخيال والتصور!

اتفق معه أبو بكر الرازي الطبيب قائلاً ما هو أشد قساوة إن الحب ليس مجرد خيال ووهم فقط إنما هو مرتع للمخنثين الفارغين المترفين.

فهل الحب مجرد خيال نخطه في أدبياتنا ونصدقه؟ ما الحب؟

لن يعني الشاعر والعاشق أن يقسم له كل العلماء  أن القلب مجرد مضخة للدماء ولا شأن له بحب فلان أو علان إنها مهمة المخ وأن الجملة الصحيحة أن مخي يحبك لا قلبي يحبك! لن يعنيه ذلك لأنه لم يعنه اكتشافهم بأن القمر مجرد جبال وصخور صماء، يكفي ما يراه خياله.

إن الحب بالنسبة للعلم كما تقول د/ لوسي فانسون صاحبة كتاب “كيف يحدث الحب”  ليس إلا  إفرازات بالمخ، إفراز مزيج من الهرمونات ككوكتيل من الهرمونات وهي هرمونات (الفيرمون والدوبامين والاندروفين والأسيوتسين) التي تجتمع كلها لهدف بيولجي وهو السعي نحو البقاء، هرمونات للسعادة والرغبة واللهفة والتحفيز والبهجة، إنها تمثل إفراز أنثى الأفعى لعطرها لتسعى ذكور الأفاعي للزواج بها!

كأن د/لوسي كانت تريد أن تقول إن الحب ليس إلا استمناء، ولكنه يجري داخل المخ، لقد أضافت الدكتورة بأن هذا الكوكتيل لا يستمر طويلاً أقصى مدة له ثلاث سنوات؛ حيث يخف إفراز هذه الهرمونات، كأن د/ لوسي تريد أن تقول إنها تكتفي بتوريطك وتختفي.

وبمناسبة التورط فإن د/ لوسي تضيف بأن هذه الهرمونات تعطل بعض أجزاء المخ وإدراكها مما يؤكد صحة مقولة الحب أعمى!

لكن هناك الباحث برجلويجي بوليتي  أحب أن يطمئن الناس بخصوص الدراسات التي تؤكد انتهاء إفراز الهرمونات، نقصد انتهاء الحب بعد عام أو ثلاث قائلاً: إن ذلك لا يعني اختفاء الحب، وإنما يعني فقط أن جذوة الحب لم تعد متقدة، فالحب بات أكثر استقرارًا، يبدو أن الحب الرومانسي انتهى.

قد نقول إن المدة تختلف من شخص لشخص كل حسب هرموناته ، أما بخصوص القلب وما تشعر به نتيجة رؤية شخص ما، ذكرت دراسة أمريكية حديثة صادرة عن جامعة ميامي‏ تؤكد أن الشعور بالحب يساعد على إفراز مادة “الدوبامين” داخل المخ التي تعطي الإحساس باللهفة والرغبة،‏ وكذلك أعراض القلق التي قد تصاحب الحب مثل خفقان القلب وجفاف الحلق ورعشة اليدين،‏ لكنهم وجدوا أن بعد الارتباط والزواج يفرز المخ مادة أخرى هي “الأوكسيتوسين” التي تعطي الإحساس بالأمان والراحة والألفة،‏ لذلك نجد شعور الطرفين نحو بعضهما بعد الزواج قد اختلف عن فترة الخطبة‏، فلا ذنب طبعًا على الرجال الذين يخلفون وعود فترة الخطبة بعد الزواج، إنها مجرد حماسة هرمونات!

لكن ماذا عن الحب من النظرة الأولى ولماذا نحب شخص دون كل الآخرين؟

ويشير الكاتب الأمريكي أريك جودمان بعد إجراء بحث ميداني على مجموعة كبيرة من الشباب من الجنسين في المدارس الثانوية وبداية المرحلة الجامعية في نيويورك إلى أن الانطباع القوي الناجم عن اللقاء الأول بين الفتاة والشاب والذي يطلق عليه كثيرون اسم الحب من أول نظرة أو الحب الكبير، يكون خداعًا في أغلب الأحوال وناتج عن خيال الشخص، وعن جاهزيته النفسية لهذه الحالة، كأنه يردد قول الشاعر:

أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلباً خالياً فتمكنا

وقد أثبتت دراسة علمية أن الشخص قد يدمن أشخاصًا معينين، قد أظهرت اختبارات الدماغ تشغيل منطقة في الدماغ مسئولة عن التحفيز والمكافأة عند رؤية صورة الحبيب، كما شغّلت الصورة مناطق مرتبطة بالإدمان على الكوكايين والسجائر، بالإضافة إلى منطقة مسئولة عن الألم الجسدي والحزن. يعني أن الأماكن المرتبطة بإدمان السجائر والقهوة مرتبطة أيضًا بإدمان شخص ما خيالك جعل كهرباء دماغك تجعله يفرز الهرمونات.

وقد أكدت الباحثة هيلين فيشر الباحثة في البيولوجية البشرية في جامعة روتجرز في نيوجرسي بأن الحب الرومانسي هو إدمان، إنه إدمان قوي ومذهل وفوق المتوقع!

وكل الدراسات تؤكد ببداهة أن الهدف الأساسي لإفراز هذه الهرمونات هو السعي نحو البقاء، إذا تحدثنا عن كل شيء عن الحب، فالاسم الحب، ومحل الميلاد الخيال، والمهنة السعي نحو البقاء.

وأخيرًا أواسي بعضهم فأقول لا تتحسر على من فارقك، فلعل هرموناتك تتكيف على من هو أفضل منه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد