إن افتراضَنَا المبنيّ سلفًا علَى معرفتِنَا الوثِيقَة بالأشيَاء حولَنَا وجَب علَيْنَا إعَادة النظَرِ فِيه، فالحَقِيقَة نسبيّة ويَقِينُنَا ما نَرَاهُ يَحتمِلُ الخطَأ والصّوَاب حتْمًا، ذلكَ لَا يَعنِي أنّنَا يجبُ أنْ نَقتَنِعَ بِمَا يَقولُه الآخرُون، حيْثُ أنّ إمكَانيّة الخطَأ لَا تُبِيحُ الانسِيَاقَ ورَاء مَا يَبنِيه الآخرُون مِن مَعرفيّة مَهمَا استَنَدُوا عَلَى تَجَاربَ حَيَاتيّة، إذْ أنّ تَعَاملنَا مَع الزّلة يختَلِفُ واستشْفَافُ الحِكمَة وَرَاء الزّلة يَختلفُ التّعَامل معهُ مِن شَخصٍ لآخَر.

تَحضُرُنِي اللّحظَة قولَة فان غوخ (Van Gogh) التِي أخبرَ بِهَا شَقِيقَهُ قبلَ أن يَنتَقِل للعَالمِ الآخر: «La tristesse durera toujours » يعنِي «الحُزن يستَمرّ للأبد»، وقّعَ فان غوخ وثِيقَة انتِحَاره بهذِه القولَة، مبرّرًا انسِحَابَهُ بعدَم جدوَى مُقَاتلة الحُزن ومُحَاولة الانتصَار عليه، بحجّة أنّهُ يدُوم للأبَد، وذلكَ يَعنِي أنه لَا جَدوَى من الاستِمرَار فِي المُحَاولة، أعنِي مَا فَائدَة قتَال شَيء فَان لشَيْء دَائم؟ مَعرَكَة خَاسرَة مُسبقًا!

أذكُر أنّنِي لَحظَة قرَاءتِي عنْ فان غوخ وكيْفَ أنّهُ قرّر إنهَاء حيَاته بكبْسَة زنَاد، فكّرتُ كَثِيرًا، تسَاءلتُ عنْ مَاهيّة ذلك الشّيء العظِيم الذِي سيدفَعُ المَرء إلَى إنهَاء حيَاته مِن أجله، والإقرَار بِعَدم المُحَاولة فِي سَبِيل الابتِسَام، لَا شكّ أنّ هذَا الوَحشَ الضّاريّ الذِي ألقَى بفان غوخ خَارج مُعَادلة هذِه الحَيَاة لَا يُهزم! ألهذِه الدرَجة وَجَد نفسَهُ عَاجِزًا أمَام إيجَاد بَصِيص أملٍ فِي أن يتنفّسَ مُجدّدًا؟ لَا أسعَى مِن خلَال الإشَارَة إلَيه إلَى عرضِ قصّة حَيَاتُه، فيَلزَمُنَا آنذَاك مِن الصَفَحَات الكثِير.

إلّا أننِي أودّ تسلِيط الضّوء علَى طرِيقَتِه فِي مُوَاجَهة الحُزن والتِي انتهَت بالانتِحَار، وطرحِ سُؤَال وَاحدٍ لَا غيْر، أ كَانتْ سَتَكُون طرِيقتك أيضًا؟ لَا أظنّ ذلكَ، وليْس لأننِي عَلَى معرِفَة وَثِيقَة بك أو بتفكِيرك، بلْ لأننَا نَختَلفُ وإن جهلنَا ذلكَ، أفكَارُنَا تختلِف، ومُوَاجهَتُنَا للحيَاة تختَلفُ أيضًا، هذَا يعنِي أنّنَا نتوهّمُ مَعرفَة الآخرِين حقّ المعرِفَة، وأنّ ذلكَ «الآخرِ» يَظلّ لُغزًا مُبهمَا فِي ظلّ التّبَاعُد الذِي أصبَحَ يُفرَضُ عَلَى الأروَاح قبلَ الأجسَاد.

هَذَا مِن جهَة، ومنْ جهَة أخرَى كَيْفَ نجزِمُ بمعْرِفَة الآخرِين فِي حِين أنّنَا نَجهل ذَاتَنَا، وأقِصد مَعرفَة شَاملَة تَقتَضِي الإجَابَة عنْ سُؤَال: مَن أنت؟ إجَابَة شَافيّة بعِيدًا عن التّردّد، والتّفكِير المطّوّل الذِي لا يُؤدّي غَالبًا إلَى نتِيجَة، فَنحنُ وإن أنكَرنَا نَجهَل ذَوَاتَنَا، ففِي اللّحظَة التِي نجزِمُ بالمَعرِفَة الحقّة لأنفُسَنَا نَكُونُ قدْ اعتَرَفنَا بِجَهلنَا لَهَا، فَنحنُ لَم نُخلق لنَعرف مَن نَحْن، أقصِدُ مَا المُتعَة فِي ذلكَ؟ فمعرفة الذات تُوَازِي مَعرفَة الغيْب، وَمَا الجدْوَى مِن سلوكِ سبِيل نعرِفُ نهَايَتهُ مُسبقًا؟

أنْ تَعرِفَ مُيُولَك، هوَايَاتِكَ، أفكَارك، مَا تُحبّ ومَا تكرَه، مَا يغيّر مزَاجك … لا يَعنِي بالضّرُورَة أنّك تعرفَ ذَاتكَ، سيظلّ دَائمًا هُنَاك شَيء مُبهَم حَول شَخصكَ، وهُو مَا تَقضِي حَيَاتكَ بأكمَلِهَا فِي مُحَاولة إيجَاده، وقَد لَا تفعَل، ومنهَا: هلْ سَتلجأ للانتحار إنْ سَيْطَر الحُزنُ عَلَى حَيَاتكَ؟ لَن تَعرف، وأنتَ عَلَى بُعد نصفِ خطوَة مِن إقدَامكَ عليهِ لَن تُدركَ الجَوَاب، هلْ حقّا كنتَ لتُنهِيهَا؟ أظنّ أنّنَا لَن نَعرفَ أبدًا.

خُلَاصة القول، معرِفَة الآخرِين ومعرفة الذات لَا تَكُون أبدًا معرفَة جَاهزَة، وَلَا حتّى قَطعيّة، بلْ إنّهَا نسبيّة وتمرّ عبْرَ مَجمُوعة من التّجَارب ليتّم بِنَاؤُهَا والتّأكّد مِن أسسهَا، فلَا يُعقَل أنْ تصِلَنَا المَعرفَة بأسهَل الطّرُق وأبسَطِهَا، كَمَا يَقُول غاستون باشلار: لَا شَيء يَحدث تلقَائيّا، لَا شَيء يُعطَى، كلّ شيء يُبنَى!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد