نحن الآن أمام خبير بالمعنى الحقيقي وليس بالمعنى المتداول في الإعلام المصري، اللواء ماثيو برودريك مدير مركز عمليات الأمن الداخلي، وهو مركز لتبادل المعلومات التي تتعلق بالكوارث المحلية الكبرى قبل تمريرها إلى البيت الأبيض.

يُوصف ماثيو بأنه رجل متمرس ويتمتع بالمسئولية، لديه خبرة تصل لثلاثين عامًا في إدارة مركز عمليات سلاح البحرية، ولديه خبرة كذلك في التعامل مع التقارير والمعلومات، وفرز الجيد من السيئ.

الإعصار وتقارير ماثيو

يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر أغسطس عام 2005، تأتي التقارير بشكل مكثف وسريع أن سدود نيوأورليانز ربما تم اختراقها من قبل إعصار كاترينا، التقارير كثيفة وسريعة وبعضها متناقض، بنهاية اليوم كان أمام ماثيو الكثير والكثير من التقارير.

بخبرته وحنكته وتجاربه السابقة يحاول ماثيو أن يفرز هذه التقرير ليكون أكثر دقة فيما سيقدمه إلى البيت الأبيض، بحلول مساء الاثنين طمأن ماثيو البيت الأبيض بأنه لم تكن هناك اختراقات كبيرة لسدود نيوأورليانز، هذا التقدير ربما لا يُعجب البعض، أو ربما يتصيد له آخرون، لكن ماثيو يعمل وفق خبرته وكفاءته ودرايته، ولا ينظر لتلك الوساوس والترهات، فالقافلة تسير والمتصيدون يعوون.

كان هذا الإعصار صدمةً وكارثةً على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الحقيقة أن طمأنة ماثيو ساهمت في تأخير استجابة الحكومة الفيدرالية أربعة وعشرين ساعة، مما ساعد -في هذا التوقيت الحرج- على تفاقم الخسائر وتضخمها.

الخبرة ليست فوق المساءلة

بالطبع لم يكن ماثيو هو المسئول الوحيد الذي سيخضع للتحقيق أمام لجنة مجلس الشيوخ  في رد الفعل على إعصار كاترينا، والذي كلف حكومة الولايات المتحدة أكثر من ستة وثمانين مليار دولار أمريكي، وموت قرابة الألف وثمانمائة شخص، إضافة لخسارة آلاف المنازل.

كان ماثيو بالفعل رجلًا مسئولًا، حين تحدث عن تلك الأربع وعشرين ساعة، لم يكن النقاش أمام لجنة مجلس الشيوخ عن خبرة ماثيو، ولا تاريخه، ولا المؤامرة أو المغرضين، فلا أحد معصوم من الخطأ، ولا أحد فوق المساءلة، كان التحقيق لغرض محدد بعيدًا عن التشويش والأحكام الجاهزة، ما الذي أدى إلى تأخر اتخاذ القرار السليم أربعًا وعشرين ساعة.

ماثيو تحدث عن تلك المعلومات التي قدّمها، واعترف بمسئوليته فيما يتعلق بالمعلومات التي قدمها إلى البيت الأبيض، ولم تكن هذه الخبرة والتاريخ والإنجازات السابقة حاجزًا يمنع المساءلة، ولا يمنع ماثيو من الاعتراف بالخطأ (استقال لاحقًا وقيل إنها لأسباب عائلية).

قد تخدعنا الخبرة أحيانًا

يعقب «مينا ثوريسنجهام» في كتابه «كيف يفسد التحيز اللاوعي أحكامك» بأن ماثيو الخبير وقع في خطأ لا يسلم منه الكثيرون، فقد كوّنت خبرات ماثيو قناعةً لديه أنه عادة ما تكون التقارير الأولية غير دقيقة، ومبالغًا فيها، لذا خفف ماثيو من حدة هذه المبالغة –حسب ظنه وخبرته– واختار أو انتقى -ربما بغير وعي- تلك التقارير التي كانت تدعم ذلك الظن.

في أوطاننا لا نعيش في نظم ديمقراطية أو داخل كيانات ديمقراطية، وكذلك قد لا يتمتع المتصدرون لمهام إدارة الدولة أو قيادة الكيانات بالخبرات المهنية الكافية -كما كان لماثيو مثلًا-، لذا فالمقارنة تزداد عظمًا وأهمية في حاجتنا إلى المحاسبة، والتحقيق والتحقق، والبحث المنهجي عن مواطن الخلل، بعيدًا عن حجج التشويش والتسويف.

إخفاء ماثيو في بلادنا

في عالمنا نترك عشرات التقديرات تصدر وتتصدر وتقام لها الدنيا والأبواق وطبول الحشد والحركة، ولا يراجع أحدٌ لحظة ماثيو الأولى وتقديراته، يـُفتح النقاش فتدخل العشوائية والانتقائية والاستقطاب والتشويش والتسويف، ويبقى ماثيو في بلادنا بلا سؤال أو مراجعة، ويبقى الدرس المستفاد معلقًا في فضاءات التاريخ، يبني كل واحد قصته وروايته وفق ما يُحب، وليس وفق ما يجب أن يكون.

إن تجارب التكلس في بلادنا وصلت إلى مدى مرعب، فدول عاجزة عن أداء الحد الأدنى من واجباتها تجاه الناس وحياتهم ومعيشتهم وحقوقهم وكرامتهم، ونخب وحركات وتيارات عاجزة عن أن تـُخرِج من هم  أكثر قدرةً ووعيًا على مواجهة هذه النظم المستبدة العاجزة، مستفيدين من تجارب يجب ألا تكرر، بدل أن نكون كحمار الرحى المكان الذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه.

إن البداية تكمن في القدرة على النظر الموضوعي والعقلاني في الخلل الذي نحن مسئولون عنه، والذي يمكن أن نسائل أنفسنا طواعية عليه، فأين هذ الخلل بالتحديد، وكيف يمكن علاجه، وأين زلة ماثيو التي ضاعفت الخسائر؟

إن التمترس بالنقاش اللاعقلاني تحت غطاء من يقولون أنهم أكثر خبرة داخل الأحزاب والحركات والنقابات والجماعات والتيارات -القديم منها والجديد- يبدو أنه أمر سائد، فما بين حديث المؤامرة أو عدم الاستعداد للمحاسبة والمراقبة، أو بين حجج التأجيل والتسويف لحين توفر ظروف مناسبة، أو أننا نملك نظامًا خاصًا وعرفًا وأسلوبًا يختلف عن الآخرين، في الحقيقة نحن نختلف عن الآخرين بالفعل، لكن نختلف عن المؤمنين بـ«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، ونختلف عن الذين ينظرون للمستقبل بفهم الماضي ومعرفة جوانب القصور، بدل أن ندخل المستقبل متمترسين بكل ما في الماضي من ضعف وقصور.

لا خير في بنية تدفن نفسها وعيوبها وملكات أصحابها، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ماثيو
عرض التعليقات
تحميل المزيد