تَناوَلنا فيما سَبَق دَليلين مِن أدِلَّة وُجود الله – عَز وجَل – :

1. دَليل الخَيْر والشَّر

2. ودَليل التَّكْوين

 

وفي هَذا المَقال الثَّالِث نَسْتعْرِض دَليلًا آخر، هودَليل الحُدوث.

ضَرَب الأقْدَمون والمُعاصِرون أمْثِلَة كَثيرة في هَذا الشَّأن؛ أعْني شَأن ضَرورة وُجود، ما لا وُجود قَبله، ولا وُجود لغيره إلَّا به، وهو على هَذا الوَصْف واجِب الوُجود بذاته، فالمَوْجودات إمَّا أن تكون واجِبة الوُجود أو مُمكِنة الوُجود أو مُمْتَنِعة ( مُسْتحيلة ) الوُجود. والمُمكِن الوُجود؛ ما يُحْتَمَل عدم وُجوده تمامًا كاِحْتِمال وُجوده، وهوكُل ما يطرأ عليه التَّغيُّر والحُدوث والعَدَم.

فالعالَم الَّذي يحْوينا مُمكِن الوُجود، لأنَّه دائِم التَّغيُّر مِن حال إلى حال، ودلَّت الحَقائِق أن له بِداية واِنْتِهاء، لَكِنَّه أصْبَح واجِب الوُجود بغيره لا بذاته، كَوْنه مَوْجود حِسًّا. وما دام الأمر كذَلِك، فلا بُد إذًا أن يكون هُناك مَن هو واجِب الوُجود بذاته لا بغيره، لتَرْجيح وُجود ما هو مُمكِن الوُجود.

وتَفْصيل ذَلِك أن العَقْل لا يتصوَّر فِعْل بدون فاعِل، ولا صُنْع بدون صانِع.. إلى غير ذلك، فهو إن رأى – مَثَلًا – مَرْكبة تتحرَّك، أدْرك بديهيًّا أن شَخْصًا قد حدَّد لها غَرَضًا، وصمَّم لها تَصْميمًا، وأعَد لذَلِك ما يُحقِّقه تَحْقيقًا. فكيف يُتصوَّر أن هذا الخَلْق البَديع المُنظَّم قد وُجِد بدون خالِق عَليم حَكيم قادِر؟! إن هذا ضَرْبًا مِن الجُنون، ولا شَك.

ثُم إنَّنا إذا سلَّمنا بتلك البديهيَّة؛ أن المَعْلول أو الحادِث لا بُد له من عِلَّة أو مُحْدِث، فلنا أن نَقول بواحِدة مِن ثَلاثة: إمَّا أن الحادِث مَعْلول لمُحْدِث قَبله، وهذا المُحْدِث مَعْلول لمُحْدِث قبله.. إلى عَدَد لا نَهائي مِن العِلل، وهَذا يُسمَّى بالتَّسلسُل. أو أن الحادِث هو نَفْسه المُحْدِث، وهذا يُعْرَف بالدَّوْر. أو أن العِلل تَنْتَهي إلى سَبَب أوَّل لا سابِق له.

أمَّا التَّسلسُل فهو باطِل، إذ أن كُل ما هو مُمكِن الوُجود لا بُد له مِن موجِد يُرجِّح وُجوده، ولذَلِك فإن العِلل لا بُد أن تنتهي حَتْمًا إلى سَبَب أوَّل واجِب الوُجود بذاته.

والدَّوْر كذَلِك لا يصح، فهذا مِن المُحال، لأن الحادِث مَعْلول لما قبله وما قبله في هذه الحالة لم يكن مِن الأساس مَوْجودًا لكي يكون عِلَّة وُجود الحادِث. ليس مِن سَبيل إذًا إلَّا بالقَوْل الثَّالِث، وهو اِنْتِهاء العِلل إلى سَبَب أوَّل واجِب الوُجود بذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد