إن مِن الحَقائِق المُسلَّم بها تفاوُت صِفات المَوْجودات مِن حيث القُوَّة والضَّعْف وكذَلِك مِن حيث الكَيف، بل إنَّنا في أحْيان كَثيرة نرى الأشْياء بغير تصوُّر حَقيقي لها، لأنَّنا نحكُم عليها بعُقول وخِبرات مَحْدودة. فثَمَّة تفاوُت الصِّفات الدَّالَّة على كُنه الأشْياء، وثَمَّة قُصور العَقْل البَشَري عن إدْراك ما لا يَسْتَوْعبه.

وما دامت المَوْجودات تَتَفاوَت بتفاوُت الصِّفات، فلا رَيب مِن أن الأعلى أفْضل مِن الأدنى بمِقْدار ما يعْلوه. وعلى الرَّغم مِن إدْراك الإنْسان بمَحْدوديَّة صِفاته وقُدْراته، يرى أن الكَمال مَوْجود، فقد وَضَع ألْفاظًا عبَّر فيها عن ذلك؛ كَمال، خُلود، لا نِهائيَّة.. إلخ، فسواء اخْترعها أو جُبِل عليها فهي إذًا تَعود إلى أصْل عنده. كما أنَّنا لا نستطيع فَهْم الشَّيء بغير مَعْرِفة النَّقيض له، لأن تمايُز الأضداد يُبْرِز الأشْياء. كيف نُدْرِك – مَثَلًا – فَضْل العِلْم إذا لم يكن للجَهْل وُجود نَعْرفه؟! كيف نَرى الجَميل جَميلًا إذا كان القَبيح مَعْدومًا؟!

فإذا كان للنَّقْص وُجود، فإن وُجود الكَمال أمر لا بُد منه. وعلى ذَلِك فإن عَجْز الأفْهام عن مَعْرِفة الكَمال لهو الدَّليل على وُجوده، لأن النَّاقِص لا يستطيع أن يَسْتَوْعِب الكَمال بعَقْله المَحْدود، فهو في حاجة إلى “كَمال العَقْل”، ويَسْتَحيل أن نَصِف العَقْل بالنَّقص والكَمال في نَفْس الوَقْت.

وكَمال الصِّفات يعني كَمال المَوْصوف، ومِن كَمال الصِّفات؛ العِلْم المُطْلَق، والقُدْرة المُطْلَقة، والحِكْمَة المُطْلَقة وغيرها مِن الصِّفات. وليست صِفات الجَهْل والعَجْز والحَماقة.. إلخ، إلَّا “صُور سَلْبيَّة” للعِلْم والقُدْرة والحِكْمَة.. إلخ، لذلك لا يوصف – مَثَلًا – الجَهْل في أدْنى دَرَجاته بالكَمال.
كذَلِك لا يُتصوَّر أن الكَمال صِفة يُمْكِن أن يَشْتَرك فيها اِثْنان، فَضْلًا عن أكثر، لأن الكَمال هو الحَد الَّذي يفوق كُل حَد، فلا يُتصوَّر الكَمال في الخَلْق مع وُجود مَخْلوق لخالِق غير الخالِق المَوْصوف بالكَمال، فهذا في حَد ذاته انْتِقاص لا يليق بالكَمال.

إذًا فهُناك مَن يتَّصف بكَمال الصِّفات، والصِّفات مَحَل الكَمال هي صِفات الجَلال، والمَوْصوف بالكَمال واحِد “أحَد”، وكُل ما دونه خاضِع له.

و إليك مَزيدًا مِن الأدِلَّة على وُجود مَن لا وُجود لَك إلَّا به !
1. دَليل الخَير والشَّر:

2. دَليل التَّكْوين:

3. دَليل الحُدوث:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد