في المقال الأول، وتجدوه هنا، كنتُ قد تناولت عدم تعارض الإسلام مع نظرية التطور، واستدللت على ذلك ببعض التفسيرات غير التقليدية لبعض آيات القرآن الكريم.

ومن الطبيعي أن تتباين ردود الأفعال على هذا الطرح، فعند أحد طرفي الخط هذا الطرح ما هو إلا محاولة فاشلة تهين الدين، فالاقتراب من الثوابت عند الناس هو أشبه باقتحام عش للدبابير، والمشكلة تكمن في فهم هذه الثوابت، فهناك خلط دائمًا بين النص وتفسيره، خلط بين قطعية الثبوت وظنية الدلالة. والأهم من ذلك مشكلة التسليم بصحة كل ما هو متوارث. والأكثر أهمية مشكلة قصر الاجتهاد على فئة معينة في وقت معين، ثم الادعاء بأن المتقدمين أسسوا ثوابت الدين، وما نحن إلا متلقون، أو في أحسن الأحوال مجتهدون، ولكن غير مبتدعين.

وعلى النقيض في الطرف الآخر هذا الطرح يمثل محاولة من المحاولات البائسة للتلاعب والموائمة وإمساك العصا من المنتصف من أجل الحفاظ على ماء وجه الدين.

ومن الصعب جدًا إقناع هذين الطرفين بأن أنصار هذا الطرح مؤمنون بالدين، ومع ذلك مؤمنون بالتطور؛ لأنه لا تعارض بين الحكمة والشريعة، ولا تعارض بين العلم والدين.

في هذا المقال سأتناول نقطتين أساسيتين: الأولى متعلقة بآدم في السنة النبوية، والثانية متعلقة بخلق آدم بين الإعجاز والعلم.

وقبل التطرق لذلك تجدر الإشارة لبعض الأمور.

قال تعالى: ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. التين 4. و عند قراءة هذه الآية يثور تساؤل، وهو ما معنى التقويم؟ أو ليس التقويم يعني التعديل، وبذلك يمكن أن نفهم أن خلقة آدم النهائية بنفخة الروح الإلهية هي تعبير عن أحسن تعديل، وهذا المعنى وفقًا لما جاء في تفسير الجلالين.

وعندي سؤال للمتمسكين بالتفسيرات التراثية والذين يشعرون بإهانة لتطور آدم عن أجناس شبه بشرية عن قردة عليا، وأقول لهم: هل الأفضل إرجاع أصل آدم لحيوان فيه روح، ثم في نهاية الشجرة التطورية لخلية حية، أم إرجاع أصله لتمثال مصنوع من الطين؟

وبالمناسبة، أجسادنا بوضعها الحالي غير متكونة من التراب والطين؛ حيث إن التراب والطين مركبات أساسها حبيبات الرمال الدقيقة، والتي تبلغ نسبة السليكون فيها ما يقرب من 20% بينما يخلو جسم الإنسان من السليكون، وبذلك فالأكثر منطقية القول إن الطين كان في الخلية الأولى.

والباحث في الآيات القرآنية عن إعجاز علمي حقيقي لا يمكن أن يستدل على قدرة الله بالحديث عن مراحل خلق آدم، تراب – طين – طين لازب – صلصال – حمأ مسنون – فخار، بهذا التفصيل الذي يعرفه كل صانع أواني فخارية، ولكن ينظر لها كما نظر لها الدكتور عمرو شريف، حيث قال: إن التراب يشير إلى العناصر غير العضوية في القشرة الأرضية، ثم طين بعدما اختلط بالماء، وهذه العناصر مع الماء هي أصل المركبات العضوية الهيدروكربونية، ثم طين لازب، أي طين رخو لزج، لما فيه من مواد مخاطية عضوية، ثم تكونت من هذه المركبات مركبات الحياة، كالبروتينات والأحماض النووية، وكما تُصنع الملابس من القماش كمادة أولية، فالصلصال هو المادة الأولية، والحمأ المسنون يعني الطين المنتن، ولا يُنتن الطين إلا إذا خالطته البيكتيريا الحية، وبذلك يشير الحمأ المسنون إلى الخلية الحية التي هي الوحدة الأولية الحية، وأخيرًا الفخار الذي يتميز بالمسامية والنفاذية، وهذه هي السمة الأساسية لجدار الخلية الحية، وهذه المسامية هي أهم السمات التي تميز الخلية الحية.

وبذلك يمكن أن نرى إعجازًا في تعبير هذه المصطلحات عن الأطوار التي مرت بها الخلية الحية، حتى دبت فيها الحياة، مادة غير حية، ثم مادة عضوية، ثم مركبات الحياة، ثم الخلية الأولى. وبناء على ذلك، هل من الأفضل أن ننظر لقول الله تعالى: هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا. الإنسان 1. على أن آدم ظل فترة تمثالًا من الطين، بدون روح، أم ننظر لقول الله تعالى أن الانسان كان يمر في نشأته بهذه الأطوار، ولم يكن قد وصل لأن يكون شيئًا ذا قيمة.

ومثل هذه التفسيرات هي محاولة لفهم النص في السياق العلمي، والإعجاز في القرآن يتمثل في مرونة النص ليواكب كل زمان ومكان، فالحق عز وجل كان بإمكانه أن يجعل كل آيات الكتاب محكمات قطعية الدلالة، ولكنه ترك لنا متشابهات ظنية الدلالة؛ حتى نفهم النص في سياقات مختلفة بما لا يتعارض مع أم الكتاب، والرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ لو كان يريد لفسر كل الكتاب، ولكنه لم يفعل؛ فقد بيّن لنا الخطوط العريضة، وترك لكل قوم في اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم باب الاجتهاد مفتوحًا، للراسخين في العلم، للتأويل دون الإخلال بمسائل العقيدة، وقصة خلق آدم برمتها لا تمس للعقيدة، وأزعم أن الطبري أو ابن كثير أو غيرهما من المفسرين المتقدمين لو علما نظرية التطور لفسرا هذه النصوص في هذا السياق.

أولًا آدم في السنة النبوية

في البداية تجب الإشارة إلى أن معظم الأحاديث التي أخرجها المحدثون مثل البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، هي أحاديث آحاد، وبالتالي كل المرويات التي تناولت قصة خلق آدم هي مرويات آحاد، وأخبار الآحاد هي كل الأخبار التي لم ترق إلى التواتر، سواء كانت غريبة أو عزيزة أو مشهورة، أي نقل الرواية في أية طبقة فرد واحد، أو اثنان، أو ثلاثة فأكثر، دون بلوغ التواتر، وبالتالي كل ما هو آحاد هو غير متواتر، والتواتر يعني النقل من جماعة إلى جماعة يستحيل عليهم الكذب، سواء بالتواطؤ أو بالخطأ.

والقرآن بالإضافة لتدوينه وقت نزوله هو منقول بالتواتر، وبذلك يكون قطعي الثبوت، وما تواتر من الحديث يكون قطعي الثبوت. ما دون ذلك يكون ظني الثبوت. فعلم الحديث قائم بالأساس على ضبط السند ورجاله أكثر من المتن، بالإضافة إلى أن معظم المرويات التي تتناول خلق آدم وحواء غير صحيحة ومستقاة من إسرائيليات.

والأمة تلقت ما رواه البخاري ومسلم إجمالًا بالقبول، ولكن هذا لم يمنع اجتهاد العديد من المحدثين في نقد بعض ما رواه البخاري ومسلم عن الرسول؛ لأن هذه المرويات ظنية الثبوت.

ولذلك سأذكر الحديث الصحيح سندًا وفقًا للبخاري ومسلم عن خلق آدم، وسأذكر قول من علق عليه.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب، فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن.

وهذا الحديث أثار جدلًا واسعًا بين المتقدمين، فقال فريق: الهاء في صورته تعود على الله، وقال فريق آخر: الهاء تعود على آدم، وهذا الجدل يحدث إشكالات في العقيدة فيما يتعلق بصفات الله، وهذا جدال يطول، وأعتقد أن هذا الجدال الخطير كفيل بالقول أن هذا الحديث فيه مشكلة، فبالإضافة لكونه ظني الثبوت فهو ظني الدلالة أيضًا.

والحافظ ابن حجر العسقلاني علق على هذا الحديث قائلًا: إنه يمثل إشكالًا لديه فيما يتعلق بطول آدم: ستون ذراعًا، تقريبًا ثلاثون مترًا، حيث إن ما يوجد من آثار الأمم السابقة كديار ثمود، مساكنهم تدل على أن قامتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم بعيد، وأن الزمان بينهم وبين آدم دون الزمان بينهم وبين أول هذه الأمة.

والقول بأن طول آدم كان ثلاثون مترًا ومازال الخلق في تناقص إلى الآن هو درب من الخيال، فكل حفريات البشر وأشباه البشر المكتشفة حتى سبع ملايين سنة تثبت أن طول البشر وأشباه البشر لم يتجاوز المترين، والحديث عن مؤامرة العلم ضد الدين يُعتبر درب من الخيال أيضًا حيث لا يمكن إخفاء عشرات الحفريات لبشر تتراوح أطوالهم ما بين الثلاثين متر والمترين.

وإذا كان متن الحديث الصحيح سندًا والمتفق عليه عند البخاري ومسلم يقول هذا، كيف ستكون الأحاديث الصحيحة سندًا والمتفرد بها البخاري أو مسلم أو غيرهم وكيف ستكون الأحاديث الضعيفة.

لذلك أعتقد أن تمسك المتدينين بآدم في السنة كحجة ضد التفسيرات غير التقليدية للقرآن، ما هو إلا إضرار بقضيتهم ضد قبول مبدأ التطور الموجه، وإضرار أكثر بالدين.

ثانيًا خلق آدم بين الإعجاز والعلم

يحتج الكثير بأن القول بخلق آدم بشكل تطوري ينتقص من قدرة الله عز وجل، وأقول هل خلق الله للانفجار الكبير الذي نتج عنه كل القوانين التي أدت لتكوين المجرات وما تحويه وتسييرها بشكل منتظم، ينتقص من قدرة الله على خلق كل مجرة وكل نجم وكل كوكب بشكل خاص؟ بالطبع لا، فالله هو خالق قوانين المادة، كما أنه خالق قوانين الحياة.

وأقول ما الذي يدفعنا للقول بأن خلق آدم كله عبارة عن إعجاز خارق للطبيعة والتفسير العلمي، ألا يكفي القول بأن العقل الموهوب لآدم خارج حدود بحث العلم، على ماذا استدللنا أن أصل الخلق الجسدي لآدم إعجازي؟ أليس من الممكن أن يكون فهمنا التقليدي للنص هو الذي أوحى لنا ذلك كما ذكرت في المقالة الأولى؟

والسؤال الذي يدور في أذهان البعض، هل معنى ذلك أن نُنكر كل المعجزات الموجودة في القرآن ونبحث لها عن تأويل علمي؟ والإجابة بالطبع لا، فالعلم لا يستطيع الإجابة على كل الأسئلة التي يطرحها العقل البشري فموضوعات بحث العلم تختلف عن موضوعات بحث الفلسفة.

ويقول البعض قول الله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون. آل عمران 59. دليل على الخلق الخاص المباشر لآدم، ونقول وفقًا لهذا الفرض هل خلق الله عيسى بن مريم من تراب بشكل مباشر أيضًا؟ أم أن المقارنة هنا للتأكيد على قدرة الله في الخلق وأن آلية كن فيكون ليست فورية، فعيسى بن مريم مكث في رحم أمه 9 شهور حتى كان، وخلق آدم استغرق ملايين السنين حتى كان.

وقطعًا خلق عيسى بدون أب وخلق ناقة صالح من الصخر وغيرهما معجزات خارقة لقوانين الطبيعة، ولكنها انقطعت عنا، وهي كما قلت خارج نطاق البحث العلمي، بالإضافة إلى أنها غير محل للتجريب، وبذلك الحديث عن هذه المعجزات وعن كيفية حدوثها وموضوعات الميتافيزيقا تناقشه الفلسفة، وليس العلم، ويطول شرح تناول الفلسفة لمثل هذه الأمور، ولكن عندما تصبح أحد الأمور محل نقاش النظريات العلمية والتجريب، يجب مناقشتها من هذا الجانب، مثل نقاشنا لكيفية تطور الأحياء وتطور آدم ونسله والذي هو محل للتجريب والبحث إلى الآن.

الخاتمة ورأيي الشخصي

إذا كانت أدلة التطور لا تُقنع أنصار الخلق الخاص فأدلة أنصار الخلق الخاص هي عبارة عن تفنيد ورفض أدلة التطور، وإذا كان أنصار التطور العشوائي يتهمون أنصار التطور الموجه أنهم يتبعون فكرة إله سد الفجوات، فحتى إله سد الفجوات أفضل من الصدفة واللاغائية.

وكما ذكرت: أكبر المؤسسات العلمية تسلم بقبول مبدأ التطور، وتقول: إن أي جدل يدور حول غير ذلك ليس أكاديميًا، والعلم يجب أن يُحاجج بالعلم، فأنصار التطور الموجه واجهوا أنصار التطور العشوائي بالعلم، وأنصار الخلق الخاص يحاولون مواجهة أنصار التطور بالعلم، والباحث الحقيقي في العلم لا يواجه خصومه بنصوص دينية، فما تؤمن به أنت لا يؤمن به غيرك، وأطروحة المقال لا تدور حول العلم في الأساس، فمثل هذا النوع من العلوم منبره ليس هنا.

لكن هذه الأطروحة تدور بالأساس حول فهم النص الديني، فالقرآن الكريم نص قطعي الثبوت بالكامل ظني الدلالة في كثير من آياته، فلا يجب التسليم ببعض التفسيرات تسليمًا مطلقًا غير قابل للشك، بالاضافة إلى أن الاجتهاد في التفسير لم ولن ينقطع، وكل اجتهاد في رؤية النص مقبول، فعلى سبيل المثال هذا الطرح اجتهد وتناول الفرق بين الإنسان والبشر بأن الانسان أسبق من البشر، وإن كان ظاهريًا هناك تناقض في استخدام كلمة إنسان في مواضع لا يُقصد بها الإنسان البدائي، فهذا الطرح لم يقل أبدًا أن المقصود بالإنسان هنا الإنسان البدائي فقط، ولكن كلمة إنسان أعم وأسبق وربما تجمع بين الإنسان والبشر، واستنتاج هذه الدلالة كان نتيجة لذكر الكلمتين في سياق واحد في آيتين متتاليتين، فالتناقض الحقيقي فعلًا يظهر عند القول بأن المشرع لم يقصد أي فرق، وأن الكلمتين مترادفتين. وهذا الطرح لم يدع أنه يقطع بما يقول، فالدكتور عبد الصبور شاهين كان قد قال من قبل إن البشر أسبق من الإنسان، ولكن صاحب هذا الطرح اجتهد بعد الدكتور عبد الصبور فأقنع العديد أكثر، وأي اجتهاد جديد وتفسير جديد أمر من المفترض أن يكون مقبولًا لدى الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تجديد, خطاب, ديني
عرض التعليقات
تحميل المزيد