التطور ليس فقط نظرية علمية يدرسها المتخصصون، بل ثورة علمية غيَّرت نظرتنا للكائنات الحية، وطبيعة الإنسان، والدين، وفلسفة الأخلاق، وعلم النفس، والتاريخ الطبيعي.

أهم صراع خاضته النظرية هو صراعها مع الدين:

– أغلب أو كل التفاسير للكتب المقدسة في كل الديانات السماوية اتفقت على أن الله خلق كل الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان، خلقًا مباشرًا مستقلًا. لكن جاءت النظرية لتقول إن كل الكائنات الحية، ومنها الإنسان، نشأت متطورة من سلف مشترك!

– ويستدل المؤمنون بدقة تصميم الكائنات الحية لإثبات وجود خالق. لكن جاءت النظرية لتقول إن نشأة الكائنات الحية جاء بمحض الصدفة، وغير مقصودة!

ومن هنا ساد اعتقاد بأن الصراع بين التطور والدين صراع صفري، قاتل ومقتول، فلن يستقر التطور والدين في عقل إنسان!

لمناقشة صحة أو خطأ هذا الاعتقاد، علينا أولًا دراسة النظرية.

مقدمة

-لم تتحدث النظرية عن أصل الحياة على الأرض، فمجال بحثها عن تطور الأحياء الموجودين بالفعل.

– للتطور نوعان:

Micro Evolution: وهو تطور صفات في الكائنات الحية، لكن تظل نفس النوع، كتطور الكلاب، فنجد أكثر من 150 صنف من الكلاب، لكن تظل كلها نوعًا واحدًا.

هذا التطور لا ينكره أحد إطلاقًا، ويوجد عليه مئات الأمثلة التي نرى تطورها بأعيننا، والتهجين الصناعي بين الأنواع المختلفة هو دليل عملي يثبت هذا النوع يقينًا.

Macro Evolution: هو تطور صفات الكائنات بحيث تكوِّن نوعًا جديدًا.

متى نقول إن التطور أنتج نوعًا جديدًا؟

النوع: هو مجموعة كائنات تشترك في صفات، وقادرة على التكاثر معًا لتنتج ذرية جديدة، أما عندما ينتج كائنًا غير قادر على التكاثر مع أقرانه، فهو نوع جديد.

هذا النوع من التطور هو ما تحاول النظرية إثباته.

بنية النظرية

تقر النظرية ركنين أساسيين:

–       كل الكائنات الحية تطورت من سلف مشترك.

–       آليات التطور:

  1.   الطفرات، التي أحدثت تغيرات تم توريثها.
  2.   الانتخاب الطبيعي، الذي حافظ على التغيرات المفيدة وعمل على انقراض الطفرات المضرة.

أدلة التطور

  1.   الأعضاء الأثرية

وجود أعضاء غير مستخدمة في بعض الكائنات؛ فنجد ثعابين لديها عظام حوض! ونجد طيورًا بأجنحة لكن لا تطير، كالنعامة! ونجد حيوانات كهفية لديها عين وعليها جلدة، فليس للعين أية أهمية!

لو كانت الكائنات مخلوقة مباشرة، لماذا وُجدت هذه الأعضاء؟! إذًا هذا يثبت تطور هذه الكائنات من أنواع سابقة كانت تستخدم هذه الأعضاء.

  1.   الحفريات

تشير الحفريات إلى أن الكائنات الأبسط ظهرت قديمًا، والأكثر تعقيدًا ظهرت أحدث منها، وبعض الكائنات الموجودة حاليًا لم نجد حفرية واحدة لها في أزمنة معينة، مثلًا خلال 5 مليون سنة مضت لم يكن للحمام والكلاب وجود، إذًا فقد نشأت نتيجة تطور كائنات سابقة.

والسجل الأحفوري كأنه يرسم شجرة لخطوات التطور. وتراهن النظرية بأنه يستحيل وجود حفرية لكائن في غير الفترة الزمنية المتوقعة، مثلًا لو وجدنا طائرًا واحدًا ظهر قبل ظهور الزواحف، فهو يثبت يقينًا خطأ النظرية، وهو ما لم يحدث قط.

  1.   الكائنات الانتقالية

نجد كائنات انتقالية تربط بين نوعين كأنها تشير لمراحل التطور بينهما، مثلًا طائر أركيوبتريكس؛ هو وسيط بين الزواحف والطيور، فلديه جناحان، إلا أنه يملك مخالب!

  1.   التشريح المقارن

يظهر التشريح أن أعضاء في كائنات مختلفة، ذات وظائف مختلفة، لكن بنيتها الأساسية واحدة، لها نفس النمط، وكل الاختلاف هو مجرد تمديد أو تضاغط فقط، مثلًا ذراع الإنسان له نفس التركيب التشريحي لجناح الخفاش!

كما نجد سمكة التكتالك لها زعنفة أمامية فيها عظام للعضد، وعظمتان للذراع، وعظام للرسغ، وعظام للأصابع، وهو نفس تشريح الأقدام الأمامية للبرمائيات! مما يشير لتطور البرمائيات رباعية الأطراف من الأسماك.

  1.   الجغرافيا الحيوية

لكل قارة حيواناتها، فحيوانات إفريقيا تختلف عن حيوانات القارة القطبية، ولكل جزيرة طيورها، والجزيرة القريبة من اليابسة بها حيوانات متقاربة مع حيوانات اليابسة، أما الجزر الموجودة في قلب المحيط بها حيوانات مختلفة تمامًا عن حيوانات اليابسة. حتى الأماكن المتشابة في البيئة تحوي حيوانات مختلفة!

تفسر النظرية كل هذه الظواهر بأن الحيوانات الموجودة في مكان معزول قد تطورت لتواكب تغير الظروف والموارد بها، لذا نتج كل هذا التنوع المتناسب مع بيئته.

وقد لاحظ داروين أن الجزيرة التي تحوي دودًا تحوي عصافيرًا لها مناقير مصممه لأكل هذا الدود، والجزيرة التي تحوي صراصيرًا، عصافيرها ذات مناقير مصممة لأكل هذه الصراصير! وقد اكتشف زهرةً حبوب اللقاح بها توجد على عمق 30 سم، فتوقع وجود عصافير منقارها 30 سم، ولم يتمكن داروين من اكتشافها، لكن أُكتشفت بعد ذلك وسُميت: نبوءة داروين!

  1.   البيولوجيا الجزيئية

في عهد داروين لم تُكتشف آليات الوراثة والجينات، وبعد طرح النظرية أُكتشف تركيب DNA، وفهمنا الكثير عن الشفرات الوراثية والجينات، وكيف تنتقل الصفات عبر الأجيال، وكان هذا بمثابة اختبار للنظرية، ومكنتنا هذه الثورة العلمية من اختبار كثير من ادعاءات النظرية لنكتشف إما خطأها أو صحتها، فوجدنا أن:

–    كل الكائنات الحية – من البكتريا إلى الإنسان – تتشابه في طبيعة الجزيئات البيولوجية المكوِّنة لخلاياها.

–    كل الكائنات الحية تتبع نفس الآليات الوراثية.

–   في كل الكائنات الحية يتكون DNA من نفس القواعد النيتروجينية، والاختلاف الوحيد في ترتيب هذه القواعد.

–   بالرغم من اختلاف الكائنات الحية، إلا أنها كلها تستخدم جينات متشابهة، وRNA متشابهة، لتكوين بروتينات متشابهة، لتقوم بنفس الوظائف؛ مما يعني أن الشفرات الوراثية تتبع نمطًا واحدًا في كل الكائنات.

–   كما ذكرنا أنه يوجد أعضاء أثرية بلا قيمة تدل على أصل الكائن الذي تطور منه، كذلك يوجد جينات معطلة تدل على السلف الذي تطور منه. مثلًا الثدييات لديها جينات تصنيع فيتامين C، أما الرئيسات – كالإنسان والقردة العليا – فلديها نفس الجين، لكنه مُعطل!

–   تدَّعي النظرية أن الإنسان والشمبانزي قد تطورا من سلف مشترك، لكن عند مقارنة جينوم الانسان بجينوم الشمبانزي، نجد عند الإنسان 23 زوجًا من الكروموسومات، بينما عند الشمبانزي 24 زوجًا! وقد اتخذ الرافضون للتطور من ذلك دليلاً يدحض النظرية، لكن بعد الفحص بدقة وجدنا أن الجينوم البشري يحوي زوجين من الكروموسومات مركبين فوق بعضهما، مما يثبت أن الإنسان لديه 24 زوجًا بالفعل. وبذلك نجحت النظرية في إثبات أن الإنسان والشمبانزي قد تطورا من سلف مشترك يملك ٢٤ زوجًا من الكروموسمات.

–       كلما اقتربت الكائنات في سلسلة التطور كلما وجدنا تقاربًا في ترتيب النكلوتيدات (المكوِّنة للجينات) وترتيب الأحماض الأمينية (المكوِّنة للبروتينات). مثلًا نجد الإنسان يتشابه مع الشمبانزي في 98.6% من DNA، مما يثبت تطورهما من سلف مشترك.

وفضلًا عن هذه الأدلة، فنجد كم هائل من الظواهر البيولوجية تستطيع النظرية تفسيرها، حتى أن التاريخ العلمي لم يشهد نظرية قادرة على تفسير كم هائل من الظواهر مثلما فعلت نظرية التطور.[1] لذلك أعلنت منظمة AAAS، وهي أكبر منظمة علمية من حيث عدد الأعضاء الذي تجاوز ٠٠٠‚١٢٠ عالم، أعلنت أن مبدأ التطور أصبح مقبولًا ولا يمكن إنكاره، وكذلك أعلنت أكثر من 100 مؤسسة علمية وبحثية قبولها للتطور.[2]

آليات التطور

بعد أن أثبتت النظرية أن الكائنات الحية تطورت من سلف مشترك، كان لزامًا عليها تحديد كيف حدث هذا التطور؟ كيف نتجت أعضاء جديدة؟ واختفت أعضاء؟ وكيف نشأت أنواع جديدة؟ وانقرضت أنواع؟

  1.   الطفرات

الطفرة: هي تشوه عشوائي مفاجيء يغيِّر في تسلسل الحمض النووي للكائن الحي. هذا التغير لو حدث في الخلايا الجنسية يُورَّث وينتقل لذرية جديدة، فيظهر أثره في صورة ظهور عضو جديد، أو اختفائه، أو تغير صفاته. ويمكن أن تحدث طفرة تغيِّر صفات الكائن تغيرًا طفيفًا، ثم تنتج طفرة أخرة تُركب عليها لينتج تغيرًا ملحوظًا، وهكذا تُركب عدة طفرات على مدار أزمنة طويلة حتى تنتج أنوع جديدة.

وأسباب الطفرة: إما ذاتية؛ تشوه أثناء تكوين تسلسل الحمض النووي للجنين. وإما خارجية؛ نتيجة التعرض لحرارة عالية، أو سموم، أو أشعة، الخ.

  1.   الانتخاب الطبيعي

نظرًا لكثرة عدد الحيوانات وقلة الموارد، فبالضرورة تعيش الحيوانات تحت ضغط صراع بينها، بحيث يبقى الأصلح/الأنسب للبيئة، وما دون ذلك ينقرض، فعدد الأنواع المنقرضة حوالي ٤ مليار نوعًا، أما الأنواع الموجودة حاليًا ١٠-١٠٠ مليون نوعًا، هم صفوة الانتخاب الطبيعي.

وبذلك فالطفرة هي المادة الخام للتطور، لأنها المسئولة عن إحداث تغير، والانتخاب الطبيعي هو المسئول عن تصفية هذه التغيرات، فيحافظ على الطفرات المفيدة، المناسبة للبيئة، أما الطفرات المضرة فلا يحافظ عليها وتنقرض.

اعتراضات

  1.   لو كان البشر تطوروا من القردة، لماذا يوجد قردة حتى الآن؟

أولًا: لم تقل النظرية أن البشر تطوروا عن القردة، بل تقول أن الإنسان العاقل والقردة تطوروا من أصل مشترك، فالقردة أبناء عمومة، وليس سلفًا لنا.

ثانيًا: التطور لا يتم في صورة سلسلة؛ أي نوع يتحول لنوع آخر وينقرض الأصل. ولا يتم في صورة هرم؛ أي تنقرض الأنواع القديمة لتنتج أنواعًا جديدة. بل يتم في صورة شجرة؛ ما يلائم الطبيعة يظل موجودًا ويمتد فرعه، وما لا يلائمها ينقرض، وقد ينتج نوعًا جديدًا والأصل يظل موجودًا.

  1.   لو كان التطور صحيحًا، لماذا لم نر بشرًا تطوروا؟

أحد ركائز النظرية أن الانتخاب الطبيعي يعمل على مدار ملايين السنين لينتج تغيرًا ملحوظًا.

والأنواع الموجودة حاليًا هي نتاج تطور أكثر من ٤ مليار سنة، هي عمر الحياة على الأرض.

لذا فربما يحدث تغير مفاجيء فينقرض الإنسان، أو يتطور بعد ملايين السنين، أو لا يتطور أصلًا باعتباره مناسبًا للبيئة، أو أن عمر الأرض لا يكفي ليشهد تطوره، لكن المؤكد أن آلاف السنين لا تكفي لظهور نوع جديد.

هل قضى الدين على التطور؟

يعتقد البعض أن القرآن نصَّ على أن الله خلق الكائنات الحية مباشرة بيديه، خاصة آدم، وهو بذلك يعارض التطور تمامًا!

إجمالًا: لم تنص الآيات على كيفية الخلق، وتركها سبحانه للبحث العقلي، بل أمرنا بالبحث عن كيفية الخلق: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، ولو نص القرآن على الكيفية، فما الداعي لهذا الأمر؟!

صحيح أن أغلب أو كل المفسرين قديمًا فسروا آيات الخلق على أنه الخلق المباشر، لكن هم معذورون في ذلك، لأن العلم حينئذ لم يتوصل إلى فكرة التطور، فبديهي أن يستنتج البحث العقلي حينئذ الخلق المباشر المستقل.

ونقف أمام آيات قالوا أنها تعارض التطور:

–   (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)

أولًا: الله سبحانه قادر على أن يخلق الأشياء بأمره: كن، فتكون، لكن قدرة الله على الخلق المباشر لا يلزم عنها أن هذه طريقته التي ارتضاها لخلق الكائنات الحية. ففرقٌ كبير بين القدرة والإرادة.

ثانيًا: نصَّت الآية صراحةً على أن الله هو خالق الإنسان، لكن كيف تم هذا الخلق؟ فتلك مسألة أخرى، لم تشر الآية إليها، فسواء كان الخلق مباشرةً أو بالتطور، على مرحلة واحدة أو عدة مراحل، يظل الله هو الخالق المدبر.

ثالثًا: أراد الله تعالى أن يعمل الكون بانتظام وفقًا لنواميس محددة، وجعل النتائج متوقفة على المسببات، وهو سبحانه يُحِدث النتائج بهذه النواميس، فسبحانه قد خلق الكون، ولا يعارض ذلك أن نشأة الكون مرت بمراحل، عرفناها من نظرية الانفجار الكبير. وسبحانه هو مُنزِل المطر، ولا يعارض ذلك أن نزوله يمر بمراحل؛ فالرياح تحرك السحاب التي تنزل المطر.كذلك هو خالق الإنسان، ولا يعارض ذلك أن نشأة الإنسان مرت بمراحل، عرفناها من نظرية التطور.

– (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).

– (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا).

الصورة الساذجة أن الله صاغ الطين على هيئنا الحالية بيديه، هي صورة لا تصح بأي وجه!

فالله تعالى ليس جسمًا، وسبحانه ليس له يد، وإنما تم التعبير باليد لأن أغلب الأفعال تتم بها، فأصبح التعبير باليد لتأكيد انتساب الفعل للفاعل، والإشارة إلى عناية الفاعل بالفعل، ويقال في عمل القلب: هو مما عملت يداك. ونحن نقول: “تم بناء العمارة تحت يدي، وبيدي قام هذا الإنجاز”[3].

–       (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)

–       (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)

–    (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا)

–    (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ)

تشير الآيات لمواد هي أصل خلقة الإنسان: التراب، والطين، والصلصال، والحمأ المسنون، والماء. ولم تشر الآيات تحديدًا كيف تكوَّن جسد الإنسان من هذه المواد، لكن ما يعنينا هنا: هل القول بأن الإنسان أصله تراب يعني أنه خُلق من هذه المادة مباشرة أم تطور منها ومر بمراحل قبل التكوين؟

لغويًا يحتمل النص كلا المعنيين، فيقول العقاد: “ليس في القرآن ما يوجب علينا أن نقول ببطلان الانتخاب الطبيعي؛ لأن خلق الإنسان من الطين لا ينفي التحول إلى غير الطين، ولا يوجب علينا القول بكيفية الخلق من الطين على صورة من صور التركيب. وإنما نعلم من القرآن أن الله بدأ خلق الإنسان من طين، (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، وفي آية أخرى (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)، فلا اختلاف بين هذا وبين التحول الذي يثبت – إذا ثبت – على وجه من الوجوه.”[4]

وقال: “جاء في القرآن (وجعلنا من الماء كل شئ حي)، ولم يقل أحد أن خلق الأحياء جميعاً من الماء يمنع تسلسل الإنسان من مادة الطين، فإن الأصل لا ينعدم إذا خرجت منه الفروع على التسلسل والتدريج، أو خرجت منه دفعة واحدة بغير تسلسل ولا تدريج.”[5]

وفي المقابل نجد آخرين استدلوا بآيات لإثبات التطور:

– (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)

فقالوا: الأطوار هي أطوار الكائنات الحية قبل تطور الإنسان. لكن قد تشير الآيات إلى أطوار تكوّن الجنين.

– (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)

فقالوا: تدل الآية أن البشر تطوروا من كائنات تمشي على أربع، ثم تمت التسوية والتعديل لتنتصب القامة. لكن ربما يمُنُّ الله على البشر أنه عدَّلهم، وكان قادرًا أن يجعلهم يمشون على أربع.

–    (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)

قالوا: يشير الاصطفاء إلى وجود بشر مع آدم، وأن الله اصطفى آدم من بينهم. لكن ليس شرطًا جود المصطفين منهم مع المُصطفى، فقد يراد أن الله اصطفى آدم على كل العالمين من بعده.

–   (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)

قالوا: عرفت الملائكة أن البشر يفسدون لأن قبل آدم كان يوجد بشر يفسدون. لكن طبيعي أن يعرف الملائكة ذلك بعد اطلاعهم على طبيعة البشر وصفاتهم.[6]

النتيجة أن القرآن لا يثبت أو ينفي التطور، بل ترك كيفية الخلق للبحث العلمي، والبحث العلمي حتى اليوم قال كلمته بأن آدم قد تطور عن كائنات سابقة، وليس هو أول البشر منتصبي القامة، لكنه أول إنسان عاقل مُكلَّف بالرسالة.

هل قضى التطور على الدين؟

يستدل المؤمنون بدقة تصميم الكائنات الحية لإثبات وجود خالق، كما أن النصوص الدينية تنسب خلق الكائنات لله، لكن نظرية التطور تقول أن تصميم الكائنات الحية جاء نتاج طفرات عشوائية، وأن نشأة الإنسان جاءت صدفةً، وكان من الممكن ألا ينشأ!

هنا نجد اتجاهين داخل التطور:

–       التطور العشوائي: الذي ينسب التطور للطفرات والانتخاب الطبيعي فقط.

–   التطور الموجه: الذي يثبت وجود التطور، فيقر بوجود سلف مشترك للكائنات الحية، لكن يشكك في آليات التطور، تحديدًا الطفرات العشوائية، فيرى أن الطفرات ما هي إلا تشوهات عشوائية، أغلبها مضرة، فهي غير قادرة على إنتاج هذا التنوع الدقيق الهائل، فلابد من وجود خالق حكيم وجَّه التطور لتنشأ هذه الأنواع.

ويستند التطور الموجه على عدة أدلة، منها:

  1. جدير بالذكر أولًا الإشارة إلى مفهوم التعقيد المتخصص، ما معنى التعقيد المتخصص؟

مثلًا الحرف هو عمل بسيط غير معقد، فيمكن أن يتكون بلا قصد.

والجملة المكونة من أحرف متناثرة عشوائيًا، مثل (خعزفضؤ مخهعغف)، هي عمل معقد، لكن غير متخصص، فلا يحمل معنى، وهو أيضًا يمكن تكونه بالصدفة.

أما الجملة الحكيمة ذات معنى، مثل (من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد)، فهي تعقيد متخصص، فلا يتصور عاقل أن مجموعة قردة قد تضغط على لوحة المفاتيح عشوائيًا فتكوِّن هذه الجملة بالصدفة دون قصد، وإنما المؤكد أن هذا التعقيد المتخصص تكوَّن على يد منظِّم حكيم قصد هذا التركيب.

كذلك نجد بعض الأعضاء في الكائنات الحية عبارة عن تركيبات معقدة متخصصة، مثلًا سوط البكتريا، هو يحوي موتور حجمه 0.00001 بوصة، ويدور بسرعة 10 آلاف دورة في الدقيقة، ويسميه البعض أكفأ آلة في الكون، وهو يتكون من 40 جزءًا، كيف تكونت هذه الأجزاء؟

يقول أنصار التطور العشوائي: 10 أجزاء من سوط البكتريا متواجدين في كائنات أخرى، استدعاهم سوط البكتريا، وتكوَّنت الأجزاء الباقية بالطفرات.[7]

لا مشكلة في منشأ الأجزاء، لكن المشكلة: كيف تركَّبت الأجزاء بدقة واحترافية في أماكنها الصحيحة بحيث تكوِّن التركيب النهائي المعقد المتخصص؟! هنا لابد من وجود مصمم ذكي، قصد هذا التركيب.

يرد أنصار التطور العشوائي على ذلك بقولهم: التطور ليس عملية عمياء، صحيح الطفرات تحدث عشوائيًا، لكن الانتخاب الطبيعي يمثل الفلتر/العقل، الذي يصطفي المفيد من الطفرات، وبذلك يمكن للتطور تكوين تركيبات معقدة.([8])

لكن الانتخاب الطبيعي دوره اصطفاء ما تنتجته الطفرات العشوائية بالفعل، فهو مقيد بما تنتجه الطفرات ولا ينشيء هو تركيبًا جديدًا، فقط يبقي أو يزيل. وبذلك فالمسئول الأساسي للتطور هو الطفرات، والطفرات يمكنها – إن حالفها الحظ النادر – التعديل في سلسلة البروتينات أو الجينات بإضافة حلقة أو حذفها أو تبديل موضعها، أما أن تنشئ تركيبًا جديدًا معقدًا متخصصًا له معنى عشوائي، فهو ما لم تشهد به تجربة علمية قط، واحتمالية حدوثه نادرة جدًا بحيث تقترب من الاستحالة.

مثلًا نفترض أن شخصًا أميًا يتلفظ بكلمات عشوائية أغلبها بلا معنى، وطُلب من شاعر أن يأخذ كلمات الأمي ويكوِّن منها قصيدة، بشرط ألا يضيف كلمة من عنده، ولا يتحكم في موضع الكلمات، فقط يبقي الكلمة أو يزيلها، هل يتمكن الشاعر من تكوين قصيدة محكمة دقيقة ذات معنى من الكلمات العشوائية في أماكنها العشوائية؟!

٢. ظلت الكائنات وحيدة الخلية التي تتكاثر بالانقسام البسيط (التكاثر اللاجنسي) هي النوع الوحيد على الأرض طوال 3 مليار سنة، ثم ظهرت الكائنات التي تتكاثر جنسيًا مع زوج آخر، لماذا ظهر هذا النوع من التكاثر رغم تعقيداته؟! وكيف حدث بالصدفة التوافق بين الزوجين؟!

مثلًا، كيف تكوَّنت الكروموسومات في الزوجين كلٍ على حدة، وعندما يلتقيان يكوِّنان زوجين متماثلين؟!

كيف تكوَّن في رأس الحيوان المنوي الإنزيمات المطلوبة لاختراق البويضة دون أن يعرف الذكر عن تركيب الأنثى شيئًا؟!

كيف تكوَّن الهرمون الجنسي في الزوجين ليدفعهما لعلاقة جنسية؟!

  1. التطور المبني على الطفرة والانتخاب الطبيعي يحتاج وقتًا هائلًا، لكن تشير الحفريات إلى أن 34 شعبة من الحيوانات التي تمثل المملكة الحيوانية ظهرت كلها خلال 5-10 ملايين سنة فقط، وهو ما يُسمى بالانفجار الأحيائي الكمبيري.
  2. ظهور نوع جديد عبر التطور العشوائي يستلزم تطور النوع السابق إلى حلقات انتقالية كثيرة، بحيث تنحرف كل حلقة عن سابقتها قليلًا حتى ينشأ نوع جديد. لكن علم الحفريات لا يمدنا بالعدد الكافي لهذه الحلقات الانتقالية، رغم مرور أكثر من 150 عامًا على إعلان النظرية، ورغم وجود أكثر من 250.000 حفرية بين يدينا، كأن التغير لم يكن عشوائيًا بطيئًا، بل كان قفزات موجهة.
  3.   لا يستطيع التطور العشوائي تفسير كيف نشأت اللغة، وأنشطة العقل: الوعي والفكر والإبداع.

النتيجة

لا مانع ديني أو علمي من قبول أن الكائنات الحية، ومنها الإنسان، قد تطورت من سلف مشترك، والتطور هو الطريقة التي ارتضاها الله للخلق، لكن يوجد مانع علمي وديني من الاكتفاء بآليات التطور العشوائية، فالعشوائية قد تعدل في شفرة موجودة بالفعل، لكن لا تبني تصميمًا معقدًا من البداية. وقد يتطور العلم ليكتشف آليات أكثر دقة للتطور، لكن تظل المعلومة، الفكرة، التصميم، التقدير، الخطة، الإرادة، التوجيه، الخلق من الله الخالق، وأصل الخلق: هو التقدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[3]. ( تفسير الكشاف) ج5 ص75
[4]. (الإنسان في القرآن) ص161
[5]. مقال (القرآن والنظريات العلمية) مجلة الرسالة، العدد (747)
[6]. من الذين تبنوا تفسير الآيات لتوافق التطور: د. مصطفى محمود في (الإسلام ما هو؟) ص116، ومحمد شحرور في (القصص القرآني) ج1 ص251، ود. عبد الصبور شاهين في (أبي آدم)، ود. عماد محمد في (آذان الأنعام) ص36.
عرض التعليقات
تحميل المزيد