«ما نحن جميعًا سوى أشياء زاحفة، والقردة والبشر أخوة في الدم».

ربما لم تثر نظرية علمية في التاريخ ما أثارته نظرية التطور من جدل. ربما لأنها أسقطت قدسية الإنسان، أو ربما لأنها لا ترضي غروره، وقد يكون لأنها تتعارض مع ما يؤمن به. ولذلك أحب أن أوضح بعض النقاط أولاً؛ حتى أتجنب هجومًا متوقعًا ممن يعارضون هذه النظرية.

– لا أقصد من هذه الكتابة غير توضيح النظرية؛ لأني أشعر أن أغلب الناس لا يفهمونها على وجهها الحقيقي، ولديهم انطباعات خاطئة مسبقة.

1- هذه نظرية علمية بحتة، ليس لها علاقة بمعتقد أو غيره، وقد اتبع فيها العلماء المنهج العلمي في البحث.

2- هذه النظرية هي الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي ولا يوجد ما ينافسها حتى الآن.

3- إن أردت أن تنقد التطور فعليك أن تأتي بالدليل القاطع، وليس مجرد مشاعر وآراء شخصية.

4- التطور بمفهومه الحالي يختلف كثيرًا جدًا عما فهمه داروين، وقد تداخلت علوم كثيرة في تثبيت هذه النظرية، مثل علم الحفريات والبيولوجيا الجزيئية، وحتى العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع وغيرها.

5- النظرية تدرس في أكبر جامعات العالم، وعليها تطبيقات كثيرة، كالمضادات الحيوية، وتطور البكتيريا، ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك.

6- لست معنيًا إطلاقًا بصحة هذه النظرية أو خطئها، ولكني فقط أردت أن أوضحها لمن أراد ذلك.

7- سيكون منهجي في هذه الحلقات هو الاتباع وليس الابتداع؛ فلن أقول رأيي في شيء. فقط سأنقل لك ما قرأته في الكتب وما سمعته من محاضرات بأمانة قدر المستطاع.

8- اعتمدت في الكتابة على الكتب الموثوق منها والمعتمدة بين علماء التطور، وليس على الآراء والأهواء الشخصية.

9- قصدت حين أردت أن أكتب في هذا الموضوع أن أجعله غير ممنهج على الإطلاق؛ لأشعرك بأنك تقرأ قصة، وسأحاول أن أسرد لك التفاصيل الممتعة، ولن ألتزم بترتيب معين في الكتابة. فربما تجدني حينًا أتحدث علميًا، وأحيانًا أخرى أدبيًا، وهدفي أن أدفع عنك الملل. فالعلم شاق ولو كان بيدي لجعلت التعليم ممتعًا وأعرف كيف أفعل ذلك، ولكن لا بأس فليس باليد حيلة، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه. أما إذا أردت يا صديقي أن تعرف أكثر؛ فعليك بالكتب المتخصصة، وأشك في أن تفعل ذلك. وختامًا أقول لك شكرًا أن قرأت هذا الكلام، وأتمنى لك رحلة ممتعة إن أردت أن ترتحل معي، فلعلك تجد ضالتك فيما كتبت، وإن قلت شيئًا يؤلمك فاعذرني وتحملني فلست أقصد أبدًا ذلك.

10- ملحوظة: وهي أن الإمام الأكبر محمد عبده قال منذ أكثر من مائة عام: إنه إذا ثبتت صحة نظرية التطور، فلا مانع لدينا كمسلمين أن نقوم بتأويل النص الديني، وهذا ما فعله حديثًا عبد الصبور شاهين، وهو من المفكرين الإسلاميين الكبار والغيورين على دينهم، وقام بتكفير نصر حامد أبو زيد، فتأمل هذه المواقف لتعرف أن الأمر ليس صراعًا، وإنما يجب أن نحتكم للعقل دون أهواء أو جهل.

في البداية يجب أن ننسى معتقداتنا بعض الشيء، ونحاول أن نفهم على أساس مادي تكون الأرض والحياة، ولا أظن أن هناك مشكلة في ذلك؛ فالله يجري الأمور بمقدار ويسبب الأسباب، وهذا ما نراه في حياتنا. فإذا أردت أن تنجح يجب أن تذاكر، وإذا أردت أن تعيش يجب أن تأكل وتشرب. فهناك دومًا سبب ونتيجة، والمعجزات قد انتهت بموت الأنبياء، والكون يجري بقوانين لا خرق لها، ومن يدعي غير ذلك فنطالبه بالدليل، ولا أظنه سيفلح. إذن فلننظر نظرة فوقية متجردة، ونعتبر أن الأرض كوكب عادي يدور حول نجم عادي في مجرة عادية، من ضمن مليارات المجرات في الكون. وأن الأرض نشأت منذ 4.6 مليار سنة نتيجة تكثف غاز وغبار كوني.

ولا شك في أن جميع الكائنات الحية الموجودة هي من نسيج هذه الأرض، فلا يوجد في أجسامها ما يختلف عما يوجد في التربة والماء والهواء، وأن الحياة الأرضية هي كربونية من المقام الأول، ولا نعرف حياة غيرها حتى الآن، رغم أن البعض يتحدث عن إمكانية وجود حياة من السيليكون، ولكن لا أدلة حتى الآن. والحياة الكربونية هي حياة كيميائية خالصة عبارة عن تفاعلات تؤدي إلى حدوث وظائف، وهذه الحياة تم تخليقها بشكل أو بآخر في المعمل؛ فقد استطاع العلماء تخليق خلايا حية، وعمل فيروسات، ولا غرابة في ذلك؛ فقد درسنا في الثانوية العامة – رحمها الله- أنه يمكن تخليق مواد عضوية مثل الموجودة في أجسام الكائنات الحية من مواد غير عضوية وأصبح الأمر أقدم من أن يتم ذكره. على أي حال فالحياة بدأت حسب تقديرات العلماء منذ حوالى 3.5 مليار سنة، ولا نعرف كيف بدأت هذه الحياة، وإنما هي مجرد تكهنات ونظرية التطور لا تبحث في ذلك، بل تبحث في تطور هذه الحياة وكيف وصلت إلى شكلها الحالي، وللموضوع بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد