يتتبع سيد خير الله وآخرون (1984/1985 ،  ص 182: 186) تطور النظرة إلى الفروق الفردية في القدرات، حيث يذكر أن ظاهرة تفرد الإنسان قد تكون من أهم حقائق الوجود، وأن الفروق بين الأفراد قد استرعت انتباه المفكرين والعلماء من قديم الزمن، على سبيل المثال، يضع أفلاطون ضمن أهدافه الأساسية في جمهوريته المثالية وضع كل فرد في عمل خاص يناسبه، كما لم تهمل عبقرية أرسطو الفروق الفردية فقد نسب هذه الفروق على الأقل بشكل جزئي إلى عوامل فطرية، بينما أهملت الحركة المدرسية بالعصور الوسطى الفروق الفردية. وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر كتب جان جاك روسو Rousseau أن الطفل تكون لديه قدرات فطرية معينة عند الولادة وأن الإنسان يجب أن يحترم النمو الطبيعي لهذه القدرات، كما بدأت في تلك الفترة حركة قياس الفروق الفردية، ويلاحظ أن هدف علماء النفس التجريبيين الأُول لم يكن قياس الفروق الفردية إذ كان الظن السائد أنها أخطاء ولذلك اهتموا بدراستها للتخلص منها والوصول إلى صياغة معممة للسلوك الإنساني أو قانون عام يصف السلوك الإنساني، ويرجع الفضل لفرانسيس جالتون Francis Galton في شق الطريق لحركة قياس الفروق الفردية على أسس سليمة والذي أمدنا بكمية كبيرة من المعلومات عن تلك الفروق. حيث يشير عصام الدسوقي والسيد عبد الدايم (2003، ص 296) إلى إسهام جالتون Galton في الدعوة إلى قياس الذكاء بهدف العمل على تنميته لدى الأفراد.

ويشرح تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.140) كيف أنه في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كافح علم النفس ليصبح فرعًا معرفيًا مستقلًا عن الفلسفة، ومع تراكم البيانات الكمية عن السلوك الإنساني ركزت النظرة الكلاسيكية المنبثقة عن السلوك الإنساني على اختبارات سيكومترية صُممت لتظهر الفروق الفردية في الكفاءة العقلية على أساس درجات رقمية على الأدوات المعيارية المستخدمة.

وتُرجع جولي فينس (Viens, 2000) وهُوار (Hoerr, 2000) وكارفن (Carvin, n.d.) بداية النظرة التقليدية للذكاء على أساس كونه قدرة عقلية عامة إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه Alfred Binet حين أعد وزميله تيودور سيمون Theodore Simon في بداية القرن العشرين اختبارًا لتحديد الأطفال الذين يُخشى عليهم من الفشل الدراسي وبحاجة لمساعدة إضافية في المدرسة، وكان الاختبار كفئًا لهذا الغرض، ثم اُستخدم الاختبار بعد ذلك باعتباره أساسًا للقياس النفسي للقدرات العقلية أو الذكاء العام للأفراد.

ويرى تيلي (Teele, 2000, p. 3 as cited in Ashmore, 2003) فائدة هامة في مدخل القياس النفسي لبينيه وسيمون ذلك أنه أعطى تقديرًا كميًا وحيدًا للذكاء، بينما ترى فينس (Viens, 2000) أن أهمية هذا المدخل تتحدد في أن ذلك التقدير الكمي الذي أعطته اختبارات الذكاء قد حدد لنا كيفية تعريف الذكاء. يوضح كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) تلك الفكرة بقوله أنه بالرغم من أن جهود بينيه في تطوير أول اختبار للذكاء كانت غالبًا عملية وتجريبية فقد نظَّرت طبيعة الذكاء. ويضيف ماجد مومني (1987، ص 79) أن أهم ما يميز هذا الاختبار أنه قد ظهرت فيه فكرة العمر العقلي لأول مرة، وهو أعلى عمر ينجح الطفل في اختباراته وقد يكون هو نفسه عمره الزمني وبذلك يكون ذكاؤه عاديًا، أما إذا كان عمره الزمني أكبر من عمره العقلي يكون ذكاؤه أقل من المتوسط.

وتعتبر نظرية العاملين لسبيرمان Spearman خطوة رائدة في استخدام طريقة التحليل العاملي للكشف عن الذكاء والقدرات العقلية المختلفة، حيث توصل سبيرمان باستخدام معادلة الفروق الرباعية إلى وجود عامل عام مشترك بين جميع الاختبارات العقلية يفسر الارتباط الجزئي الموجب بينها، وتتلخص هذه النظرية في أن كل عملية عقلية تتضمن عاملين: عامل عام يشارك في جميع العمليات العقلية أي يشارك في العملية المعينة وغيرها، وعامل خاص أو نوعي يوجد في العملية المعينة بالذات ولا يوجد في غيرها من العمليات العقلية أي أنه يختلف من عملية إلى أخرى، ويرى سبيرمان بهذا الشكل أن العامل العام هو أساس كافة العمليات العقلية، لذلك وحَّد بينه وبين الذكاء واستخدمه فعلًا بهذا المعنى وأطلق عليه الحرف (g) (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 84: 88؛ Smedler and Törestad, 1996, p.344).

وبذلك يؤكد سبيرمان على وحدة النشاط العقلي وعدم قابليته للتجزيء، وقد عبر سبيرمان (في خليل معوض، 1979، ص 156) عن ذلك بقوله «إن جميع نواحي النشاط العقلي تشترك في وظيفة أساسية أو مجموعة من الوظائف في حين أن العناصر الأخرى الخاصة تختلف تمام الاختلاف في كل عملية عقلية عنها في غيرها من العمليات». ويشير عبد الرحمن عدس (1999، ص 48) إلى أنه نتيجةً لمنظور سبيرمان في الذكاء اعتقد العلماء أن الشخص الذي يكون لديه نقص ملحوظ في الذكاء العام لا يمكن أن يكون موهوبًا في أي من المجالات الخاصة. كما يؤكد ماجد مومني (1987، ص 79) على نفس الفكرة بقوله إن لكل شخص مقدارًا ثابتًا من الاستعداد العقلي العام يؤثر في درجة نجاحه في جميع العمليات العقلية التي يحاولها ابتداء من الإدراك الحسي إلى أرقى عمليات التفكير المجرد والابتكار، ولكن هذا الاستعداد العام لا يعمل وحده بل يوجد إلى جانبه استعداد نوعي لكل عملية خاصة، والنجاح في العملية الخاصة يتوقف على الاستعدادين معًا، كذلك اقترح سبيرمان (في فيليب فرنون ، ترجمة 1988، ص 72) أن العامل العام (g) يمثل الطاقة العامة التي تقوم بتنشيط الآليات المختلفة أو وسائل العقل المقابلة للعوامل الخاصة (s)، كما أنه يرى أن العامل العام يعد فطريًا أساسًا بينما العوامل الخاصة مكتسبة.

ويرى كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) أن سبيرمان بذلك يعد أول من عرض النظرية الهرمية في الذكاء Hierarchical Theory of Intelligence حيث يضع في نظريته (g) أو العامل العام في قمة الهرم لأنه القدرة العقلية الأساسية التي تكون مركزة في حل المشكلات، بينما تتطلب كل المهام المعرفية أيضًا عاملًا خاصًا أو (s).

ونلاحظ إنكار سبيرمان وجود العوامل الطائفية –وإن اعترف مع مرور الوقت باحتمال وجود تلك العوامل إلا أنه لم يهتم بها (فؤاد أبو حطب، 1996، ص 76)-. كما لم يهتم كثيرًا بدراسة العوامل الخاصة، وإنما ركز نظريته على العامل العام الذي اعتبره هو نفسه الذكاء، حيث تشير ألفت حقي (1992، ص 88) إلى رأي سبيرمان أن فروق الذكاء بين الأفراد يحددها مقدار ما يمتلكه الواحد منهم من هذا العامل أو ما أسماه بالنشاط العقلي.

ثم جاء ثورنديك Thorndike لينتقد نظرية سبيرمان بشدة، حيث لم يعترف أول الأمر بوجود العامل العام وأدت أبحاث ثورنديك الأولى (1914) إلى قوله بأن عمل العقل ينبني على عدد كبير من القدرات المستقلة استقلالًا تامًا والمتخصصة تخصصًا كاملًا، ولذلك تبدو نظريته ذرية تقسم الذكاء إلى جزيئات أو قدرات عديدة تأخذ شكل الوصلات العصبية على النحو الذي وصفه في نظريته للتعلم، ولكن بسبب تشابه بعض العمليات العقلية في وظائفها وفيما تتطلبه من قدرات فقد رأى ثورنديك تجميع هذه القدرات في مجموعات متميزة وهي: الذكاء المجرد والذي يشمل القدرات العقلية التي تعالج الألفاظ والمعاني والعمليات الرمزية المختلفة، والذكاء العملي ويشمل القدرات التي تعالج الأشياء المادية والمواد العملية والتي تعتمد عليها الأعمال الفنية والميكانيكية واستخدام وإصلاح الآلات والأجهزة ونحو ذلك، والذكاء الاجتماعي ويشمل القدرات التي تعتمد عليها علاقة الفرد بالآخرين وحسن تكيفه مع الظروف الاجتماعية المختلفة.

وربما كان ثورنديك بذلك هو أول من صنف الذكاء إلى أنواع متعددة، وكان ثورنديك يرى أن هذه الأنواع الثلاثة مستقلة عن بعضها نتيجة لاعتقاده بأن القدرات التي تتضمنها منفصلة من الأصل، فقد يكون الفرد على مستوى عال في الذكاء الاجتماعي ولكنه متوسط أو أقل من المتوسط في الذكاء المجرد أو الذكاء العملي وقد يكون العكس صحيحًا، ولكن نظرًا لأن معاملات الارتباط بين نتائج الاختبارات التي تقيس بعض هذه النواحي ببعض كانت دائما موجبة مما يعني وجود نوع من العلاقة بينها وأنها ليست مستقلة تمامًا، فإن ذلك دفع ثورنديك إلى أن يغير موقفه عام (1947) للبحث عن عامل عام تقوم عليه قدراتنا العقلية (سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص ص 205: 208؛ إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 89: 92؛ خليل معوض، 1979 ، ص ص 168: 170).

ولا ينكر طومسون Thomson وجود العامل العام، وإنما يرى ضرورة تفسير الفروق في ضوء العوامل الطائفية، حيث يكون العامل عامًا بالنسبة لمجموعة مستخدمة من الاختبارات بحيث إذا أُضيف إليها عدد آخر من الاختبارات التي لا تشترك في هذا العامل العام فإنه يصبح طائفيًا، أما العامل العام فهو العامل العام بالنسبة للعقل، وهو صورة احتمالية يمكن أن يحدث لو توافرت الاختبارات التي تستغرق نواحي النشاط العقلي المعرفي جميعها (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 93-94؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 208).

وطومسون في ذلك ينتقد نظرية العاملين لسبيرمان في أنها تبالغ في إهمالها للعوامل الطائفية أكثر مما تبالغ في تأكيد وجود العامل العام، ويقرر طومسون اتباع النموذج العلمي للعقل البشري ليشمل العامل العام والعوامل الطائفية والعوامل الخاصة، ويوضح أن العوامل الطائفية أقل شمولًا من العامل العام وأكثر اتساعًا من العوامل الخاصة، وأنها الأساس الذي تقوم عليه القدرات الخاصة كالقدرة الموسيقية والقدرة الرياضية والقدرة الميكانيكية (خليل معوض، 1979، ص ص 170 – 171).

كما كان لأصحاب نظرية العوامل الطائفية الأولية «القدرات العقلية الأولية» باعًا في دراسة الذكاء؛ إذ يفترض أصحاب هذه النظرية وجود عدد من العوامل الأولية التي تدخل بأوزان مختلفة في الاختبارات النفسية، بمعنى أن العامل العددي مثلًا قد يدخل بوزن مرتفع في اختبار العمليات الحسابية بينما يكون له وزن مختلف في اختبار الاستدلال ووزن أقل في اختبار تكملة الجمل… وهكذا، وهم ينكرون وجود العوامل الخاصة، أما بالنسبة للعامل العام فقد كانت وجهة نظرهم الأولى أنه ليس له إلا أهمية بسيطة للغاية وكان ذلك استنتاجًا من بحث كيلي (Kelley, 1928). وتنسب هذه النظرية عادة لثرستون Thurston والذي اعتمد على منهج التحليل العاملي –الطريقة التي استخدمها سبيرمان وقادته للعامل العام- إلا أن عدم عثوره على ارتباط عام بين الاختبارات التي طبقها في دراساته الأولى أدى إلى إنكاره العامل العام في أول الأمر وتفضيله الاكتفاء بالعوامل الطائفية وحدها، لكن ثبت لثرستون نفسه بعد ذلك ولزملائه وجود ارتباطات عالية بين العوامل الطائفية، وفُسرت هذه الارتباطات العالية على أنها تدل على وجود صفة شائعة بين هذه العوامل أو عامل يجمع بينها هو عامل العوامل. وهذا هو المعنى الذي أعطاه ثرستون للعامل العام (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 94: 99؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 209؛ خليل معوض، 1979، ص ص 174: 177).

بناءً عليه يذكر كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 25) أن نظرية ثرستون لم تكن هرمية في طبيعتها كما كانت نظرية سبيرمان، ذلك أن الذكاء لديه يتكون على الأصح من عدد من العوامل المسماة بالقدرات العقلية الأولية، وبالتالي فإن أداء الفرد في مهمة معرفية محددة لم يكن وظيفة (g) و (s) أو قدرة معرفية خاصة متطلبة للمهمة بل بالأحرى كان يتم عن طريق القدرات العقلية الأولية المتطلبة لإكمال ناجح للمهمة المعرفية.

وقد وفق سيرل بيرت Burt بين الآراء السابقة في تنظيمه الهرمي للنشاط العقلي، حيث تقوم نظريته على أن أي نشاط عقلي يقوم به الفرد يمكن أن يعتبر محصلة ثلاثة مكونات هي: العامل العام والعوامل الطائفية والعامل الخاص النوعي، إضافة إلى عامل رابع هو عامل الصدفة والخطأ: ويشمل العوامل الداخلية التي تؤثر في الفرد عند قيامه بهذا النشاط العقلي مثل حالته الجسمية والمزاجية والانفعالية (سيد خير الله وآخرون، 1984/ 1985، ص ص 209-210).

وتعددت بعد ذلك التنظيمات الهرمية للذكاء مثل التنظيم الهرمي عند فيليب فيرنون (Vernon, 1950) والذي كان يرتكز على تصنيف القدرات إلى عامل عام أعلى الهرم وعوامل خاصة أسفله وبينهما مجموعة من العوامل الطائفية تتدرج من قدرات بسيطة أو صغرى بعد العوامل الخاصة إلى طائفية كبرى تسبق العامل العام في قمة الهرم (خليل معوض، 1979، ص 183؛ فؤاد أبو حطب، 1996، ص 96). وبذا يكون النموذج الهرمي لفيرنون أكثر تفصيلًا للقدرات العقلية؛ إذ بينما وضع العامل العام أو عامل المجموعة الأكبر في قمة الهرم وبذا يكون متسقًا بشكل كبير مع تنظير سبيرمان فقد تلاه بعامليّ مجموعة أصغر يتكونان من تشكيلتين: اللفظية/التربوية والمكانية/الميكانيكية داخلهما توجد عوامل خاصة متعددة للذكاء (Kamphaus, 1993, p. 23).

ويوضح إبراهيم وجيه (1985، ص 100) بمزيد من التفصيل العوامل العام والطائفي والخاص، فيذكر أن العامل العام هو الذي يتسع في مداه ليشمل جميع الاختبارات التي تقيس نواحي النشاط العقلي المعرفي وهو الذي يمكن أن نوحد بينه وبين الذكاء، والعامل الطائفي يمثل الصفة التي تشترك فيها مجموعة من الاختبارات التي تقيس بعض جوانب النشاط العقلي المعرفي ولا تشترك فيها بقية الاختبارات أو بمعنى آخر أنها خاصة بطائفة معينة من النشاط العقلي المعرفي، أما العامل الخاص فهو يمثل قدرات ضيقة جدًا في انتشارها تمثل نشاط عقلي واحد تكون قاصرة على اختبار معين فحسب ولا توجد في الاختبارات الأخرى.

وبالرغم من أن ديفيد وكسلر Wechsler قد أعد اختبارًا يعرض مقاييس لفظية وغير لفظية «أدائية» – لم تكن أساسًا مصممة لتقييم جانبية وظائف المخ وهو الاستخدام الذي شاع لها بعد ذلك- فإنه قد وضع أهمية كبرى للتركيز على تقييم الذكاء العام، وهو يعرض (1958) نظرة للذكاء تظهره بوصفه تفاعلًا معقدًا من القدرات التي تنتج السلوك الذكي الذي يعكس العامل العام (g) (Kamphaus, 1993, p. 26).

أما كاتل Cattell فقد افترض وجود بنية هرمية للقدرات العقلية. وظلت أفكاره تنمو وتتطور وتتغير وتتعدل حتى نشر في عام 1963 دراسة حاسمة توصل فيها إلى نتيجة هامة وهي قابلية العامل العام (g) لسبيرمان إلى القسمة إلى عاملين من الدرجة الثانية. أطلق على أحدهما الذكاء السائل (fluid gf) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس المقدرة البيولوجية biological capacity لدى الفرد على اكتساب المعرفة، بينما أطلق على الآخر الذكاء المتبلور (crystallized gc) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس آثار التمدرس schooling والتثقيف acculturation . ويرى كاتل أن الذكاء المتبلور –على عكس الذكاء السائل- لا يتدهور مع التقدم في السن. كما أن التغيرات في نوعية التمدرس وغيرها من العوامل التي تسعى لتنمية الذكاء من خلال تطوير خبرات التعليم والتطبيع تؤثر في هذا النوع من الذكاء أكثر من الذكاء السائل (فؤاد أبو حطب، 1996، ص ص 102- 103).

ويمكن القول أن أهمية بحث كاتل تكمن في أنه وجد أن أفكار سبيرمان عن العامل العام وأفكار ثرستون عن القدرات العقلية الأولية لم تكن متناقضة، وبالتالي اقترح نظريته للتوفيق بين النظريتين فالذكاء السائل (gf) في نظرية كاتل يشبه العامل العام لدى سبيرمان حيث يؤثر على كل أنواع حل المشكلة ويتأثر أكثر بالعوامل الوراثية وعلى حد تعبيره (1979) «إنه يتدفق مع تعبير غير مقيد في كل مجالات إدراك العلاقة» بينما يكون الذكاء المتبلور (gc) متعلقًا بنطاق محدد من الخبرة التي تعلمها أو خبرها الفرد بشكل خاص (Kamphaus, 1993, p. 26).

بينما ركز جيلفورد (J. P. Guilford, 1967) (في مصري حنورة، 1997، ص ص 46- 47) في نموذجه للبناء العقلي على أن الذكاء ينبغي أن يُرى باعتباره نتاج 150 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 5 محتويات)، وعرَّف أكثر من 90 قدرة عقلية مختلفة. وقد طور جيلفورد هذا النموذج فيما بعد، وفي آخر مؤلَف نُشر سنة 1979 أشار إلى أن البناء العقلي يتضمن 120 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 4 محتويات). يذكر فؤاد أبو حطب (1996، ص 78) أن جيلفورد قد استطاع أن يثبت احتمال الحصول على معاملات ارتباط صفرية أصيلة بين الاختبارات العقلية وفي هذا برهان كاف –في رأيه- على عدم وجود العامل العام. حيث يقرر جيلفورد (Guilford, 1977, p.153) (في مصري حنورة، 1997، ص 47) أن معامل الذكاء IQ الذي يرى البعض أنه يقدم تقريرًا شاملًا عن ذكاء الفرد لا يستطيع أن يمدنا وبشكل دقيق بصورة تفصيلية شاملة تغطي كل الاستعدادات أو المواهب العقلية والتي تصل إلى 120 وحدة عقلية تشير كل منها إلى جانب من جوانب البناء العقلي، كما ذكر أنه من الأفضل أن نقدم للشخص بروفيلًا يحتوي على درجاته في مختلف الاستعدادات المائة والعشرين، حيث قد يكون الشخص متفوقًا في استعدادات ومتخلفًا في أخرى.

وخلال العقود الأخيرة قدم العديد من المنظِّرين رؤى حديثة أكثر تطورًا واختصارًا من تصور جيلفورد للبناء العقلي، وتتفق في أنه توجد أنواع مختلفة من الذكاءات، من أمثال هؤلاء روبرت ستيرنبرج Sternberg الذي قدم نظريته الثلاثية Triarchic Approach عام 1985، ونظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences التي قدمها هوارد جاردنر Howard Gardner عام 1983 في كتابه «أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة» «Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences» والذي بدت فيه نظريته مختلفة تمامًا عن النظريات العاملية؛ حيث جاءت نظرية جاردنر لتوسع تلك النظرة التقليدية للذكاء ولتؤكد على أن كل الناس يمتلكون ثمانية أنواع منفصلة من الذكاء (ذكاء لفظي- ذكاء منطقي/رياضي– ذكاء بصري/مكاني– ذكاء جسمي/حركي– ذكاء موسيقي– ذكاء طبيعي– ذكاء تفاعلي– ذكاء شخصي). وبذلك نجده يرفض فكرة أن الذكاء هو قدرة مفردة أو أنه مركب من قدرات منفصلة. ولأول مرة تتحول كلمة الذكاء إلى جمع فتصير ذكاءات، كما أنه لأول مرة يُضمِّن جاردنر نطاقات مثل الموسيقى والقدرات الحركية وقدرة الشخص على فهم ذاته ضمن مفهوم الذكاء؛ ذلك أن جاردنر قد تنبه أخيرًا أن الناس قد يكونون أذكياء في نطاقات عديدة، ويظهر ذلك فيما يستطيعون أن يقوموا به في الحياة في حين أنه يكون من الممكن ألا يكونوا ناجحين في الدراسة الأكاديمية، كما تنبه أيضًا إلى أن تلك الذكاءات ليست ثابتة وأنه يمكن اكتسابها من خلال التعلم والتدريب.

من العرض السابق لنظريات الذكاء، نلاحظ أن بعض المنظرين من أمثال جالتون Galton وسبيرمان Spearman قد خلقوا ودعموا نموذج العامل العام أو إطار عمل ذكاء عام واحد مؤسس على نزعة وراثية، فيما اهتم منظرون آخرون بالتركيز على العوامل الطائفية لتفسير الفروق في القدرات العقلية بين الناس مثل طومسون Thomson وثرستون Thurston ، بينما نجد أصحاب النظريات الحديثة في الذكاء مثل جيلفورد Guilford وستيرنبرج Sternberg وجاردنر Gardner يقترحون وجود عوامل متعددة متأثرة بالظروف البيئية المتعلقة بالتنشئة، لكن بالرغم من اشتراكهم الاعتقاد بأن الذكاء هو قدرة متعددة الأبعاد فقد تميزت نظرية جاردنر بأساسها العلمي وتضميناتها التربوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

إبراهيم وجيه محمود (1985). القدرات العقلية. القاهرة: دار المعارف.‏
ألفت محمد حقي (1992). المدخل إلى علم النفس. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.‏
خليل ميخائيل معوض (1979). القدرات العقلية. القاهرة: دار المعارف.‏
سيد محمد خير الله وعزيز حنا داود وفؤاد عبد اللطيف أبو حطب (1984/1985). علم النفس التعليمي. برنامج ‏تأهيل معلميّ المرحلة الابتدائية للمستوى الجامعي . وزارة التربية والتعليم بالاشتراك مع كلية التربية جامعة ‏عين شمس.‏
عبد الرحمن عدس (1999). علم النفس التربوي «نظرة معاصرة». الطبعة الثانية. عمّان: دار الفكر للطباعة ‏والنشر والتوزيع.‏
عصام الدسوقي اسماعيل والسيد عبد الدايم عبد السلام (2003). البناء العاملي للذكاءات المتعددة وعلاقتها ‏ببعض المتغيرات «اختبار لصدق نظرية جاردنر». جامعة الأزهر– كلية التربية: التربية «مجلة علمية محكمة ‏للبحوث التربوية والنفسية والاجتماعية». العدد 116. ص ص 296: 375.‏
فؤاد عبد اللطيف أبو حطب (1996). القدرات العقلية. الطبعة الخامسة. القاهرة: الأنجلو المصرية.‏
فيليب فيرنون (ترجمة فاروق عبد الفتاح علي موسى) (1988). الذكاء في ضوء الوراثة والبيئة. الطبعة الأولى. ‏القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.‏
ماجد أحمد مومني (1987 ، ديسمبر). الذكاء «معناه وأنواعه ونظرياته». اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة ‏والعلوم: التربية. العدد الرابع والثمانون. ص ص 78: 79.‏
مصري عبد الحميد حنورة (1997). الإبداع من منظور تكاملي «سلسلة علم النفس الإبداعي». القاهرة: مكتبة ‏الأنجلو المصرية.‏
Kamphaus, Randy W. (1993). Clinical Assessment of Children’s Intelligence. USA: Allyn and Bacon.
Smedler, Ann-Charlotte; Törestad, Bertil (1996, Oct). Verbal Intelligence: A Key to Basic Skills?. Educational Studies, Vol. 22, No. 3, pp. 343- 356.
Torff, Bruce; Gardner, Howard (1999). The Vertical Mind.. The Case for Multiple Intelligences. In: Anderson, Mike (Ed.) et al., The Development of Intelligence.. Studies in Developmental Psychology. UK: Psychology Press Ltd., Publishers. pp. 139-159.
عرض التعليقات
تحميل المزيد