هل تَصِحّ مقولة «الاستبداد الشرقي» على نظم حكمنا؟ وهل يمكننا القول إن الاستبداد مُتَجَذِّر في الثقافة العربية حتى نبرر تغول وشَطَط الحاكم على رعيته؟ هذه الفكرة الاستشراقية المُؤدْلَجَة والمتحيزة في طرحها، لا تمنعنا من الإقرار بأن فكرة «الاستبداد الشرقي» تعود بجذورها إلى أحد أهم فلاسفة اليونان أرسطو، الذي كان يرى أن الاستبداد كامن في كَيْنُونَة الثقافة الشرقية وذلك بسبب أن هذه الشعوب تميل بطبيعتها لذلك.

غرضنا من طرح هذا الموضوع، ليس إثبات صحة المقولة أو العزوف عنها، وإنما هو استشهاد لسبب نتيجته مآلات هذا الاستبداد أو الظلم على الفرد والشعب والدولة. ومرجعنا في تناول هذه الْمُحَصِّلَة، هو ما ذكره ابن خلدون في مؤلفه المقدمة، وعنون فصلًا منه بأن «الظلم مؤذن بخراب العمران».

عُرِّف الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء على أنه «وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه» (1).

فلما الظلم إذًا؟ هل هو صبغة وراثية في الطبيعة البشرية؟ أم هو نَوَازِع النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ أم هو تَلْبِيس إبْلِيس؟ وإذا كان الظلم من الشر فهل يوجد خارج الطبيعة الإنسانية أم مكون من مكوناتها؟ وليس الغرض هنا البحث في موضع تواجد الشر، حتى لا نسقط في التفسيرات المجردة، والتي لا تنبني على الأدلة العلمية والمنطقية، وإنما هو الاستدلال على أن الظلم عمل إنْسِيّ لا يستحضر الوعي السَّوِيّ، بل نوازع سيكولوجية مرتبطة بالتشوه الذي يلامس الجانب المظلم في الإنسان، وينزع إلى السَّطْوَة وحب التملك وغريزة الاعتراف.

ومن حيث إن الظلم يعيد في الإنسان تجديد وعيه بوضعه وحاله ومآله وماهية حياته، وهذا من جانب يدفع للنظر إلى مطلب التغيير بأنه التعبير الصريح لفئة كادحة ومظلوم شأنها، وهو دعوة لاستحضار التاريخ، وكذلك تمرد على الوضع وعلى الطبيعة البشرية الداعية للتنازع.

والظلم يَنْجَلِي في تطويق الخناق على الحياة المعنوية للناس، ومنها الحريات والحقوق وحركة مَعَاشِهِم بالقهر، وقلة الموارد، والمشقة المرهقة، والمكلفة في كسب لقمة العيش. ويؤدي هذا التراكم المشَوَّه، القهر وصعوبة كسب المعاش إلى حالة من الفتور في إقبال الناس على الحياة وتثمين قيمتها، وهو في الأخير خَرَاب لِلْحَال وَالْمُحَال. وإذ يذكر ابن خلدون في هذا الشأن ما يلي: «اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك» (2).

ويسترسل صاحب المقدمة في رسم الملامح التي يصبح عليها حال الناس والعمران بعد تفشي الظلم والترف والاستبداد، حيث يقول: «فإذا كان الاعتداء كثيرا عامّا في جميع أبواب المعاش، كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها». ثم يستطرد مبينا العاقبة قائلًا: «فإذا قعد الناس عن المعاش، وانقبضت أيديهم عن المكاسب، كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال وذعر الناس في الآفاق، من غير تلك الإيالة في طلب الرزق، فيما خرج عن نطاقها، فخفّ ساكن القطر، وخلت دياره، وخرجت أمصاره، واختل باختلال حال الدولة والسلطان، لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة» (3).

وإذ يجعل ابن خلدون سببين لخراب العمران (الدولة). فأما الأول، فهو التَّرَف الذي تنغمس فيه النخبة الحاكمة مُتَنَاسِية آلام رعيتها وما تعيشه من ضِيق وَكَدَر. وأما السبب الثاني، فهو استفحال الظلم وشُيُوع الاستبداد والسطوة والتطاول على ممتلكات الرعية بالسلب والنهب وإطلاق أيدي رجال السلطة ليعيثوا مفسدين دون حَسِيب وَلا رَقِيب. وهذا مَشْهَد مُخْزٍ لسقوط الدولة وانهيار مؤسساتها، حيث تُمْسِي أشبه ما تكون بعصابة تَمَرَّدَت وَتَطَاوَلَت. وتغيب هنا الغايات الأساسية من الدولة، التي هي تحقيق الطُّمَأْنِينَة وَالْعَدْل وَالْمُحَافَظَة. «ولهذه الأهداف الثلاثة أهمية أساسية في جلب السعادة الإنسانية… وكانت الطمأنينة أي حماية الحياة والملكية دائما أحد الأسس الهامة للدولة» (4).

ونحن نشهد هذه الصورة التي يُجْلِيهَا لنا ابن خلدون في أقطارنا، وقد تأزمت أوضاع وأحوال الناس وفسدت الدولة. فبعد ثورات الربيع العربي بتنا نرقب هذه الحالة التي أَصَّلَ لها ابن خلدون في بعض الدول. حيث باتت معسكرات للظلم والفساد واغتصاب الحقوق، وقد تَهَاوَت فيها المؤسسات وتهاوت معها رغبة الناس في العيش بحرية وكرامة. حتى بتنا نصدق بأننا تَطَبَّعْنَا بالاستبداد.. فهل بالفعل تَصْدُق فينا مقولة «الاستبداد الشرقي»؟ أم أننا سَلَّمْنَا بحالنا في دول خَرُب فيها العمران والطير والحجر بسبب ظلم السلطان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد