في حديث مؤانسة مع أحد الأصدقاء عن قراءاتي في النقد الأدبي انتظر حتى عدّدت له مجموعة من العناوين وما كدت أنهي استعراضي الثقافي حتى قال: أنس كل ما قرأته في النقد وتفلسف كما لم يفعل ابن حزم لأقتنع بنصيحته. الغريب في الأمر أنه كان ناقدًا، لكنه لا يقرأ مثلي في أمهات كتب النقد بين الشرق والغرب. كان ناقدًا هكذا فقط بقريحة الأديب النافذ في النص بحس جمالي وموهبة خلّاقة. لم أقف عند نصيحته وقتها بينما لاحقًا تلمّست الفرق الكبير الذي كان غائبًا عن ذهني بين النظري والتطبيقي، وفهمت عندها ماذا كان يعني. ربما لو قالها بصورة مباشرة لكان أفضل من شرحه الفلسفي الذي نسيته.

هذا الصديق شأنه محيّر، لقد تجوّلت في مقروءاته فقد كان يستعرض أيضًا ما سبق أن قرأه. ورغم خلو قائمته من الكتب النقدية فقد كان قديرًا في نقد الشعر وقدمت له مجموعة متنوعة من النصوص الشعرية بين التفعيلة والنثرية فكان سابقًا لكثير ممن أعرفهم من النقاد. لقد كتبت أول مقال لي بمجلة مسارب أدبية عن إجحاف د. إبراهيم عوض الناقد الأكاديمي المصري في حق قصيدة النثر وانغلاقه على إبراز جماليات الشعر الجاهلي الذي لم تعد فيه أية جماليات لم يتم استخراجها عبر كل تلك القرون المندثرة السالفة. د. إبراهيم علم فكري وناقد كبير لكنه رفض الحداثة وألغى نصوصها بالجملة بلا استثناء. وهو الأستاذ الجامعي الذي لا تخفى ناره في ميادين كثيرة نشر فيها أكثر من 100 كتاب. ولكن صديقي الذي لا يملك معشار المعارف التي حبا الله بها الدكتور يستشف في النص الحداثي ومقارناته بنص الكلاسيك ما يهدم فرضيات ورؤى د. إبراهيم في ثوانٍ معدودة!

في أوطان العرب للدال التي تسبق الاسم شأن خطير، يكفي أن تلحق بالاسم لتقترن بصاحبه آيات القبول والرشد والسداد. هذا جانب لا علاقة لصاحب الشهادة به بل الناس حوله يرفعونه لذاك المقام. ولكن عندما يصدر صاحب الشهادة عن مكانته العلمية لنضح آراء اعتباطية وشاذة فهنا، من هذا الجانب، فهو مؤشر نفسي لحالته التي تفترض قبول الآخرين لتلك الآراء. خصوصًا إذا كانت الآراء في مجال تخصصه.

هناك ظاهرة فيسبوكية نشأت كغيرها من الظواهر التي لا تفسير منطقي لها غير الفراغ الكبير الذي صرنا ندور فيه، وهي ظاهرة توزيع شهادات دكتوراه في مجموعات الأدب فصرنا نجد د. فلان ود. فلانة وبالبحث تكشف لنا الملهاة عن وجهها بأنها شهادات مواقع تواصل اجتماعي لا شهادات صادرة من جامعات. (لقد شهدت بنفسي إحدى الشاعرات تنافح عن شهادتها الفيسبوكية معلّلة بأنها حازت عليها بجهدها المتتالي وإبداعها المتراكم!). لكن صارت هذه دُرجة لي، كلما وجدت دالا تسبق اسمًا ما جمعتني بصاحبه مصادفة أو نقاش، فأبحث عن مصدر الدال هذه، خصوصًا إذا تطرّفت آراؤه وشذّت شطحاته.

شهدت أمسية أدبية لمناقشة رواية ميلانين للكاتبة والصديقة التونسية فتحية دبش في منصة زووم، الحضور كان مميزا نقاد أحاديثهم أحاديث العارفين لولا ذلك الدكتور الذي تداخل وقال في الرواية المتوجّة بجائزة كتارا (دورة 2020، فئة الرواية المنشورة) ما لم يقله مالك في الخمر. وأنا أعترف أنني أتضاءل أمام دكاترة الأدب كثيرًا، ولكني عندما سمعت مقالته (أول سطر منها) مددت رجلّي وأظنني لو ذهبت إلى الصين ساعتها لربما وجدتهما وصلتا إلى هناك!

كلامه ذكرني بمقال الشاعرة السورية لبنى ياسين وكان أحد منشوراتنا في المجلة (شهادات فاميلي سايز) وهو عن فقدان هذه الشهادات لقيمتها العلمية الحقيقية، تقول لبنى ساخرة:

حسنًا لن أقرر الآن ما هو التخصص الذي سوف (أتدكتر) به، لأنني لا أعرف حتى الآن الميزانية التي يمكنني رصدها لتلك الدكتوراه، لكن أعدكم أنه إن حصلت معجزة كونية وصرتُ من صاحبات الملايين، فسوف أشتري دزينة شهادات في كافة الاختصاصات، ولن أنسى بالطبع أن تكون إحداها في الطبخ والتدبير المنزلي؛ لأن هذه بالضبط من شأنها أن تحسم أي خلاف حول كمية الملح أو الحمض المستخدم في هذا الطبق أو ذاك، قد يحدث بيني وبين إحدى أولئك اللواتي يتشدقن، ويتفلسفن في الطبخ كأنه اختراع نووي، وحينها سيكون بإمكاني أن أصرخ بعلو صوتي دون خوف: مهلًا.. انتبهي.. أنا معي دكتوراة في الطبخ، ولا يمكنك مناقشتي لا في الملح ولا في الحمض.

دفعتني مداخلة الدكتور المشوّهة والمختلّة للبحث عن اسمه في قوقل، فوجدته ناقدا للشعر الكلاسيكي. وبحق السماء ما شأنك بالرواية يا دكتور حتى تفسد أمسيات الرواية! لا نغلق الباب أمام هذا أو ذاك إنما بتوفر قدر معرفي مؤهل للخوض في المسائل. لا تُصرف الشهادات بدون معرفة المنهج العلمي الذي تُعدّ به الأطروحات العلمية. فماذا كان منهج الدكتور؟

من الإلقاءة الأولى قال أن الراوية المعروضة للمناقشة في الجلسة هي ليست رواية! هنا تحديدًا مددت رجلّي كما فعل أبو حنيفة، هذا أولًا.. وثانيًا ظننت أن الرجل صرف شهادته من إحدى مجموعات فيسبوك! لكن اتضح أنه دكتور حقا، لكن تخصصه الشعر لا الرواية!

يحلو لي أن أرجع لمقال لبنى ياسين مرة أخرى على ضوء تنبيه مديرة الجلسة للدكتور لتطاوله على كاتبة الرواية بأسلوب هجومي جنح للشخصنة والتبخيس، الاقتباس:

أريد أيضًا دكتوراة في الأدب، وهكذا إن تشاجرت مع إحداهن وحاولت مجرد محاولة أن تتهمني –بسبب غبائها أو جهلها – بقلة الأدب، سأقف في وجهها كالطوفان وأصرخ بعلو صوتي: أنا معي دكتوراه بالأدب.. «واللي على راسه بطحة يحسس عليها».

والاقتباس يوضح ببساطة لِمَ يجنح صاحب الشهادة العلمية لتجاوز التعبير اللائق وذلك لأنه يفترض القبول من الآخرين وبالمقابل أحقيته في إلقاء الترهات بأي أسلوب يراه، هكذا.. هو دكتور. ولبنى تصف الشهادات بأحجام ضخمة فاميلي سايز معلقة في الحوائط بالغرف والصالون، ولكن ما أفهمه.. هو أن المتضخم هو الدكتور الذي يسمح للشهادة بنفخه حتى يصير هو فاميلي سايز.

استثمر الدكتور الفرصة المتاحة له للمداخلة (ثلاث دقائق) ليمد لسانه اللاذع بعد أن اكتفى من الرواية والكاتبة ليطعن في جائزة كتارا وسياستها بفرضية لا أدري من أي سماء هبطت في رأسه تزعم – فرضيته – أن الجائزة تهدف لخلخلة الثوابت المتجذرة الموروثة الإسلامية والعربية! وانطلق ببيان سياسي عن السياسة الأمريكية، وتوهُم عريض عن مؤامرات تدور ونحن لا نعلم! هذه البوصلة اتجهت بالدكتور بعيدًا حتى ذكر جائزة بوكر وفوز رواية (دفاتر الوراق) لجلال برجس أيضًا ورمى بنفس التهم المعلّبة، رغم أن هذه الرواية ليست موضوع الندوة.

هي الأفكار المسبقة، والمقدمات الخاطئة المعروفة في حواريات المغالطات المنطقية (وهذه المقدمات تجاوزتها عمدًا فما قفز إليه من نتائج تم عبر مقدمات خاطئة، لكنني لا أهدف لمناقشة كلامه كغاية ضمن هذا المقال)، وإضافة لهذه الأفكار والمقدمات وضع نتائجه المستطيلة على الرواية والمؤلفة والجوائز والروايات الأخرى. لكن كيف نخرج من مأزق فكري وأزمة ثقافية كهذه بغير أن نقول: الحق ما قاله الدكتور! فعلينا أن نتبع مذهب لبنى ياسين ولا نغالط الدكاترة.

 تحدثت مع المؤلفة التي وجدت نفسها بين مخالب هذا الهجوم الذي يدّعي ويتدثر بالنقد والذي وصفها فيه الدكتور بالاختباء خلف شخوصها الروائية لتتحدث عن العذرية والقوامة على المرأة وغيرها من قضايا الرواية، أو كما قال أحمد شوقي (في ثياب الواعظينا)، وكان مما ذكرته – أنا – أن ناقد الكلاسيك يرى دومًا أن المؤلف ظاهر في النص فعنترة هو الفارس الحاكي عن نفسه، وأبو نواس هو المخمور الحاكي عن مجونه.. وبالتالي فالمؤلفة ينطبق عليها نفس المفهوم، وبالتالي فله الحق في افتتاح محكمة تفتيش والتحقيق معها والبحث عنها في داخل المتن الروائي وما وراءه كما كنا نفعل مع (فضولي)، وأنا أتساءل، بربك أية جامعة تلك التي علمتك أن النقد هو هكذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد