تنال الحركات الفنية والأدبية التي تصاحب ظهور ثورات سياسية أو فكرية اهتمامًا خاصًّا، فبالإضافة إلى أهمية الفنون والآداب بوجه عام فإنه في تلك المرحلة تعتبر تلك الحركات شواهد على التغييرات الحاصلة، بل وقد تستخدم كتوثيق لتلك الأحداث بصورة أكثر تميزًا. ولعل من أهم الظواهر الإيجابية التي قد حدثت في جيل الشباب في المرحلة التي صاحبت ثورة يناير وما أعقبها من سنوات كانت عودة الشباب مرة أخرى للقراءة والتردد على المكتبات، وعلى الرغم من أن البعض قد يقلل من نوعية وطبيعة الكتب التي يختارها الشباب من حيث اهتمامهم بالروايات التي تحقق أعلى مبيعات بغض النظر عن محتواها، ولكنه لاشك أيضًا أن تلك المحاولات الشبابية الأدبية ستفرز في النهاية نماذج ومحاولات جيدة ستستحق أن يتم النظر إليها وتقييمها بإنصاف.

في مجموعة المقالات التالية، سنحاول تقديم نماذج مختلفة من الروايات والكتب التي تمت كتابتها في المرحلة المصاحبة لثورة يناير في عدة سنوات مختلفة، مع ملاحظة:

لا يتم الاختيار على أساس شهرة الرواية، بل على أساس النظر إليها كنموذج مميز.
سيتم العرض على أساس النمط الشخصي الذي قد يميل إليه كاتب العمل، فقد يكون بعض الكتاب من رواد مدرسة التشاؤم أو التيار الإسلامي أو حتى الحركة الثورية.

الغرض من هذه المقالات تسليط الضوء على هذه الروايات وتقديمها للقارئ، وليس سرد كل التفاصيل الخاصة بها أو مناقشتها.
لا تنتظر أن تقرأ عن هيبتا وتراب الماس وما يشبهها من روايات.
أخيرا بالطبع كل الاختيارات هي مجرد رأي شخصي قد توافق عليها أو ترفضها.

النموذج الأول: عطارد.. الواقعية أم الإفراط في التشاؤم؟

اليوتوبيا التي أعقبتها الديستوبيا

لعل من أكثر الروايات التي صنعت شهرة قوية قبل قيام ثورة يناير في مصر كانت رواية (يوتوبيا) للكاتب أحمد خالد توفيق بما قدمته من نموذج قوي لتخيل ما سيحدث في مصر من صراع طبقي قوي وواقع متفكك في حال استمر المجتمع في انحداره في ذلك الوقت. الرواية حققت في ذلك الوقت نجاحًا ملفتًا وخاصة بين أطياف الشباب الذين كانوا يمثلون النسبة الغالبة من قراء أحمد خالد توفيق. الآن يحاول البعض وضع تصور لما يمكن أن يحدث في مصر في أوضاعها السياسية الاجتماعية والسياسية السيئة في حال استمرت هكذا لفترة طويلة، أكثر تلك التصورات المخيفة هي ما حاول الكاتب المصري (محمد ربيع) تخيله في رواية (عطارد) تلك الرواية التي اعتبرها الكثيرون رواية مشبعة بالكآبة والعنف قبل أن يشير الكاتب فيما بعد في أحد الحوارات التلفزيونية أن بعض أحداث الرواية كان قد تم بناؤها على أحداث حقيقية بالفعل! وقد يكون السبب الرئيسي الذي جعل تلك الرواية في القائمة القصيرة للبوكر لعام 2016 هو ذللك التوصيف الدقيق لرؤية مستقبلية مميزة حتي ولو كانت من خلال منظور سوداوي قاتم. محمد ربيع الذي اختار الكتابة عن (الديستوبيا) وهو ذلك النوع من الأدب الذي يتكلم عن المجتمع الفاسد وهي تجربة أدبية تعد نادرة في الأدب العربي وهي قطعًا عكس (اليوتوبيا) المدينة الفاضلة التي حاول خالد توفيق كتابتها.

كيف كانت أجواء عطارد المحيطة؟ جحيم أرضي عشوائي

عطارد – أقرب كواكب المجموعة الشمسية للشمس وأكثرها في درجات الحرارة – هو الاسم المميزالذي اختاره محمد ربيع لبطل روايته؛ فأحمد عطارد ضابط الشرطة الذي شهد سقوط الشرطة في يناير 2011 هو الذي يكمل حياته فيما بعد ليشهد ما يحدث لمصر في مستقبلها القريب. الرواية التي اختارت عام 2025 ليكون مسرحًا لأحداث غريبة تشهدها مصر التي أصبحت واقعة تحت الاحتلال من قبل جيش فرسان مالطا الذي (ربما شجعتهم حكومات دول العالم المختلفة للخلاص من جعجعة المصريين الفارغة والسذاجة التي تدار بها العلاقات الدولية طوال السنوات الماضية) كما يقول الكاتب، فيتحول عطارد إلى قناص في صفوف المقاومة يقضي معظم وقته فوق أسطح البنايات العالية وبرج القاهرة لقنص عناصر جيش فرسان مالطا، ومسؤولين مصريين متورطين مع الاحتلال بل وحتى للقنص العشوائي للمصريين من أجل دفعهم لرفض الوضع القائم ليثوروا على الاحتلال.

مصر التي أصبحت نموذجًا مثاليًّا للدستوبيا؛ حيث الدعارة أصبحت مهنة قانونية، والكربون المستخرج من النمل والصراصير والجعارين والخنافس هو المخدر الأكثر شيوعًا في البلد، وشارع الأهرام هو ما يوجد به سبعة أهرامات من القمامة، وحيث الكلاب تساهم في دفن جثث البشر. وطوال الوقت يردد عطارد أننا أصبحنا في الجحيم حيث «لن يخرجوا من جحيمنا هذا إلا إلى جحيم آخر» ويصبح مؤمنا بأنه «يظن الناس أن الجحيم مكان، لكنهم مخطئون، نحن في زمان طويل متصل، مضى منه الكثير ولم يتبق إلا القليل جدًّا، القليل إلى درجة أنني سأراه وستراه ينتهي. وبعد ذلك سيبدأ جحيم آخر ليعذب الناس فيه، هؤلاء الخالدون هنا لن يخرجوا أبدًا، هؤلاء لن تقتلهم أنت ولن يحترقوا بالنار ولن يموتوا غرقًا، لن يخرجوا من جحيمنا هذا إلا إلى جحيم آخر، لكن من تقتلهم أنت يذهبون دون طريق أو رحلة، ولا عوائق من أي نوع، فقط يختفي جحيمنا هذا ليجد كل واحد نفسه في الجنة. أنت ترسل الناس إلى الجنة».

لماذا عطارد؟

الحقيقة أن إجابة هذا السؤال لا تشمل تلك الرواية فقط، ولكنها تشمل محمد ربيع بكل ما أنتجه سابقا، فهي العمل الروائي الثالث له بعد عملين سابقين يمتلكان سجلًا أكثر من جيد؛ فالرواية الأولى له (كوكب عنبر) صدرت سنة 2010، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية، وصدرت له أيضا رواية (عام التنين) عام 2012. قبل أن تكون عطارد هي أكثرها شهرة ونجاحا مما جعلها تصل للقائمة القصيرة لترشيحات البوكر في 2016، قبل أن تذهب الجائزة للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون عن رواية مصائر. ولكن الأهم أن ربيع قد يمثل التيار التشائمي الذي يرى المستقبل القريب غاية في السواد، حتى أنه قال في أحد لقاءاته الصحفية «لا أظن أن الرواية تنذر أو تحذر من مغبة العنف، بل هي تصف ما سيحدث عندما يخطو الجميع تلك الخطوة الأخيرة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد